الركود يحكم قبضته على قطاع العقارات التونسي

تفاقمت معاناة سوق العقارات خلال الآونة الأخيرة في تونس لتنحدر إلى ركود غير مسبوق من جراء الارتفاع الجامح في أسعار العقارات والأراضي ومواد البناء، رغم محاولات الحكومة إيجاد حلول لتخفيف أزمة القطاع.
السبت 2016/08/27
هدوء في حركة البيع والشراء

تونس - أكد خبراء تونسيون أن انتشار المضاربة في قطاع العقارات في تونس أصبح عائقا كبيرا يعرقل فرص النمو ويمنع استعادة عافية القطاع، وحذروا من أن يلقى مصيرا مشابها لمصير قطاع السياحة.

وأشاروا إلى أن الحكومة، التي سارعت لترميم تداعيات العمليات الإرهابية على القطاع السياحي وحثت المصارف على جدولة ديون المستثمرين، تقف مكتوفة الأيدي أمام أزمة القطاع العقاري.

وباتت معظم الأسر التونسية عاجزة عن امتلاك مسكن، بسبب النقص في الوحدات السكنية وارتفاع أسعار الأراضي، بالتزامن مع التراجع الحاد في القدرة الشرائية، الأمر الذي أدى إلى ركود نشاط القطاع.

وشهدت أسعار العقارات قفزة غير مسبوقة، حيث تضاعف سعر المتر المربع الواحد في بعض الأحياء المحيطة بالعاصمة منذ بداية العام الحالي، ليصل إلى نحو 1500 دولار، ما تسبب في ركود السوق.

وتظهر البيانات أن حجم التعاملات في السوق العقاري تراجع بنسبة تصل إلى 25 بالمئة منذ عام 2010 ليصل في العام الماضي إلى ما يعادل 1.2 مليار دولار فقط، بسبب تراجع الإقبال على الاستثمار العقاري.

وتستحوذ تجارة الشقق السكنية على نحو 700 مليون دولار من معاملات القطاع العقاري وخاصة في منطقة تونس الكبرى (محافظات تونس ومنوبة وبن عروس وأريانة) والمناطق الشرقية ومدينة صفاقس، التي تساهم في ارتفاع أسعار الشقق. وتشير بيانات غير رسمية إلى أن معدل الارتفاع في أسعار العقارات يصل إلى 20 بالمئة سنويا، بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية المستوردة وتراجع سعر صرف الدينار التونسي وقلة الأراضي الصالحة للبناء.

9 بالمئة مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي الإجمالي لتونس، بحسب البيانات الرسمية

وفي محاولة لإعادة التوازن إلى السوق، أعلن المعهد الوطني للإحصاء مؤخرا إطلاق مؤشر لسوق العقارات، يهدف إلى توفير معطيات دقيقة تسمح بالقيام بدراسات استشرافية لمعرفة تطور القطاع مستقبلا.

وأكد الهادي السعيدي، المدير العام للمعهد بداية الشهر الحالي، أن المؤشر الذي سيصدره المعهد كل شهر ونصف الشهر، يعتمد على قاعدة بيانات وزارة المالية في مجال العقارات المسجلة.

وقال إن “القاعدة تم إعدادها بالتنسيق مع العاملين في قطاع العقارات وبطلب من البنك المركزي عقب الأزمة المالية العالمية في 2008”.

وأشار إلى أن النسخة الأولية للمؤشر تعتمد على دراسة تطور سوق العقارات المسجلة في تونس من الأراضي والشقق والمنازل منذ 15 عاما في جميع أنحاء البلاد.

ويرجع كثيرون ارتفاع أسعار العقارات إلى سعي الشركات العقارية لتحقيق أرباح كبيرة، وخضوع السوق إلى مضاربات السماسرة، إلى جانب إقبال الأجانب لا سيما الليبيين على شراء العقارات بأسعار مرتفعة.

ويرى بعض أصحاب المشاريع العقارية أن صعود الأسعار مرده إلى زيادة معدلات الفوائد المصرفية على القروض العقارية، وإلى التعقيدات الإدارية.

ويقول أصحاب الشركات إن ثمة ثلاثة أسباب وراء غلاء أسعار العقارات من أهمها زيادة أسعار مواد البناء المستوردة وندرة اليد العاملة وارتفاع الأجور وصعود كلفة شراء الأراضي الجاهزة للبناء.

قيس قريعة: أسعار العقارات قد تتراجع في العام المقبل بنسبة تصل إلى 15 بالمئة

وتشير البيانات الحكومية إلى أن القطاع العقاري يساهم بنحو 9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وأن استثمارات عمليات البناء والتشييد تعادل نحو 14 بالمئة من تعاملات السوق، وهو ما يعادل حجم الاستثمارات في قطاع الصناعة برمته.

وأكد خبراء استطلعت آراءهم “العرب” أن ما يمر به القطاع العقاري حاليا يعكس الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تونس، والتي ضربت أغلب القطاعات الحيوية.

وقالوا إن ارتفاع أسعار المباني في السنوات الأخيرة التي بلغت مستويات قياسية، أصبحت تهدد مستقبل القطاع. وأشاروا إلى وجود أعداد كبيرة من الوحدات الجديدة التي لا تجد من يشتريها بسبب ارتفاع الأسعار، رغم العجز الكبير عن توفر الوحدات السكنية لنسبة كبيرة من السكان.

وحذرت دراسة حديثة أعدتها شركة “ألفا مينا” التونسية المتخصصة في التحليل الاقتصادي، من أن أزمة المبيعات قد تشكل خطرا على المصارف الممولة لتلك المشاريع الاستثمارية وكذلك على اقتصاد البلاد.

وأشارت إلى أن شقة من بين كل ثلاث شقق لا تجد مشتريا وأن حجم قروض المصارف للشركات العقارية المدرجة في البورصة ارتفع إلى 130 بالمئة مقارنة بالقيمة السوقية لأسهم تلك الشركات المتداولة في السوق المالية.

وقال الخبير قيس قريعة، مدير البحوث في الشركة، إن “أزمة القطاع متوقعة منذ 2014”، وإن ارتفاع العرض مقابل تراجع الطلب أدى إلى ارتفاع فائض المعروض، رغم أن معظم التونسيين لا يملكون مساكن.

ورجح أن تؤدي تلك المعادلة إلى تراجع أسعار العقارات في بداية العام المقبل بنسبة تصل إلى نحو 15 بالمئة مع إمكانية أن يستمر التراجع في السنوات القادمة.

لكن محللين آخرين يتوقعون أن تواصل أسعار العقارات نموها الجامح في الفترة المقبلة، في ظل إقرار الحكومة التونسية إجراءات لتسهيل تمليك العقارات للأجانب.

10