الرهان على التعليم الخاص يحصر آفاق القطاع العمومي في تونس

متابعون يرون أن برنامج الإصلاح في تونس أخذ مسارا ترقيعيا، ولم يركّز على واقع المنظومة العمومية وأهم المعيقات التي تعاني منها.
الثلاثاء 2018/10/09
رؤية ضبابية

لم تعد الآمال معلقة على التعليم العمومي في تونس خلافا لسنوات مضت وسط تنامي الإقبال على القطاع الخاص الذي بدأ يتوسع بشكل لافت، فيما يرى خبراء أن التعليم الخاص يقدم نفسه كبديل يعول عليه في غياب رؤية إصلاحية واضحة للمنظومة العمومية ودخولها في متاهة الصراعات التي يخوضها مختلف الفاعلين فيه بلا جدوى.

تونس - تتزايد ضغوط التعليم العمومي في تونس مع انحسار آفاقه وضعف الإقبال عليه في مقابل توسّع رقعة التعليم الخاص (رياض أطفال، مدارس ابتدائية وثانوية وجامعات خاصة) والتي تمددت جغرافيا ولم تعد مقتصرة فقط على العاصمة والمدن الكبرى، وهو ما يطرح تساؤلات “محرجة” على وزارة التربية والتكوين في تونس حول رؤيتها لواقع منظومة التعليم العمومي الحالي خصوصا في ظل التلكؤ الذي يسير فيه برنامج الإصلاحي التربوي الشامل الذي أعلنته منذ العام 2015.

ويؤكد تربويون وأكاديميون أن منظومة التعليم العمومي في تونس عرفت أوجها خصوصا في السنوات التي تلت مرحلة الاستقلال مباشرة، فكانت بمثابة جسر عبرت من خلاله أسماء تونسية بارزة في كافة التخصصات العلمية. لكن سرعان ما أخذ مستوى التعليم منحى سلبيا، ولا سيما منذ فترة التسعينات ما جعل تونس تحتل المرتبة الـ84 عالميا والسابعة عربيا وفق مؤشرات البرنامج الدولي لتقييم التعليم لعام 2016 من حيث البرامج المقدمة وجودة التعليم عموما.

ولتدارك هذا الوضع، كانت وزارة التربية والتكوين أطلقت حوارا حول الإصلاح التربوي عبر تشكيل لجنة تضم الوزارات ذات العلاقة والاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر هيئة نقابية في البلاد) إضافة إلى ممثلين عن المجتمع المدني بهدف تقديم مقترحات لإصلاح المنظومة التعليمية العمومية.

كمال الحجام: وزارة التربية تراقب مدى استجابة المؤسسات الخاصة للشروط
كمال الحجام: وزارة التربية تراقب مدى استجابة المؤسسات الخاصة للشروط

لكن ما يلحظه متابعون أن برنامج الإصلاح أخذ مسارا ترقيعيا، ولم يركّز على واقع المنظومة العمومية وأهم المعيقات التي تعاني منها وأدت إلى دخولها هذا الطور من الركود أو ما يصفه خبراء بـ”الشلل النصفي”.

وفي المقابل دفعت الأزمة التي تعاني منها المنظومة العمومية أصحاب القطاع الخاص إلى تكثيف جهودهم للاستثمار في قطاع التعليم، في ظل عدم وجود رقابة على الرخص المسندة والانفلات الذي تعيشه البلاد من هذه الناحية، وإلا كيف يفسّر أي مراقب لظاهرة انتشار المدارس الخاصة ورياض الأطفال وجود ثلاث أو أربع مدارس لا تتعدى المسافة بينها 300 متر. فيما يقول منتقدون لتمشي الخوصصة الذي تسير فيه تونس إنه تخطيط ممنهج الهدف منه ضرب المنظومة العمومية وخصوصا القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة وغيرهما من القطاعات الحساسة.

وأكد كمال الحجام، وهو مدير عام المرحلة الابتدائية في وزارة التربية، أن الوزارة تتدخل في المحتوى البيداغوجي للمؤسسات الخاصة وتراقب مدى استجابتها للشروط. وأشار الحجام إلى أن هناك عدة قرارات منها غلق وسحب الرخص بالنسبة للمخالفين، مشيرا في الوقت نفسه إلى عمل الوزارة على إصلاح التعليم العمومي لتحسين الجودة والخدمات المقدمة للطلاب.

وبيّن وزير التربية حاتم بن سالم خلال جلسة مساءلة أمام البرلمان، أن الوزارة بصدد إعداد نص قانون جديد لتنظيم التعليم الخاص في إطار احترام قوانين الشغل، وأن من أهم القرارات المتخذّة تحجير التدريس لكل موظف عمومي بالمدارس الخاصة لتمكين العاطلين عن العمل من مواطن شغل إضافية.

وقال بن سالم خلال مداخلة تلفزيونية الأسبوع الماضي إن “الوزارة وضعت خطة رسمية ونص قانون واضح لمنع أي مدرس يعمل في القطاع العمومي من التدريس بالمؤسسات الخاصة، وهذا سيوفر مواطن شغل للعاطلين عن العمل، الذين نؤكد أننا نعمل على أن تكون حظوظهم في الأجر متساوية مع نظرائهم في المدارس العمومية”.

ويرجع بعض الخبراء هذا التدني في مستوى التعليم العمومي، إلى السياسات الخاطئة المتبعة منذ عقود وعدم توفر سياسة وطنية تربوية قائمة على الدفع ببرنامج الإصلاح نحو أفق أرحب. وفي المقابل استطاع التعليم الخاص أن يقدم نفسه كبديل في ظل الامتيازات التي يقدمها للمنتسبين إليه، سواء المالية أو غيرها من الأمور التي عجز التعليم العمومي عن توفيرها.

وتفسّر سلوى العباسي متفقدة عامة للتعليم الثانوي لـ”العرب” أزمة الإصلاح التربوي بقولها “لا يصح إصلاح بهذا التمشي السطحي ولا يستحق صفة الاستراتيجي. وسنجني تبعاته بمزيد تعميق فشل المنظومة وتخبطها في دائرة مفرغة”. وأضافت العباسي “المناخ التربوي التونسي مسجور بالصراعات التي تتخذ في كل مرة أبعادا شخصية وفئوية أو أيديولوجية ضيقة تتقطع بموجبها الدروس وترتهن مصائر المتعلمين، بينما المجتمع التونسي والطالب التونسي يطلبان على العكس من ذلك من المسؤولين قدرة على قيادة الإصلاح وتسييره وتنفيذه بمرجعية وطنية وخطاب حكيم وموارد محلية ومقاربة حوارية تشاركية”.

ويقول م. اليعقوبي، الذي تحفّظ على ذكر اسمه كاملا لالتزامات مهنية، في تصريح لـ”العرب” “المسألة تحددها الأمور المالية والعبء الموكول على عاتق العائلة كوني وزوجتي لدينا ارتباط بالعمل في مؤسستين خاصتين، لذلك ارتأيت أن أضع ابنتي الوحيدة في مدرسة قريبة من مقر السكن”.

سلوى العباسي:الإصلاح لا يكون بهذه السطحية وسنجني تبعاته بالمزيد من الفشل
سلوى العباسي:الإصلاح لا يكون بهذه السطحية وسنجني تبعاته بالمزيد من الفشل

وتوجه خبراء تونسيون بأصابع الاتهام أيضا إلى الانتدابات والتعيينات العشوائية في صفوف المدرسين وتدهور البنية التحتية وضعف الموارد البشرية في المؤسسات التعليمية العمومية، وهي كلها عوامل دفعت أولياء أمور الطلاب إلى خيار الهروب من المؤسسات التعليمية العمومية.

وكان الحجام قد أكد في وقت سابق أن تونس تحتل مراكز غير مطمئنة في التصنيفات الدولية لقطاع التعليم، ما يجعل الدولة تقارن بين ما كانت عليه مؤسساتها سابقا وما أصبحت عليه اليوم. ويوجد في تونس 65 ألف مدرس في المرحلة الابتدائية و91.1 ألف مدرس في المرحلتين الإعدادية والثانوية بحسب بيانات وزارة التربية والتكوين.

وأكد مدير عام المرحلة الابتدائية أن الانتدابات الخاطئة في صفوف المدرسين أثّرت سلبا على النتائج الدراسية، لذلك تحاول الوزارة التركيز على تحسين كفاءة المدرسين، وإدخال تغييرات على المضامين التعليمية، فضلا عن إيجاد فرص تعليم متكافئة بين الطلاب بغض النظر عن طبقتهم الاجتماعية.

وواقع المدارس الحكومية يعكسه أيضا ما يسميه البعض في تونس “بهجرة الطلاب” من هذه المدارس إلى مدارس خاصة يتحمل فيها أولياء الأمور تكاليف دراسة أبنائهم على أمل تلقيهم تعليما أفضل وتعلم لغات أخرى منذ الصغر باعتبارها من أهم شروط الحصول على وظيفة. ووفقا لأرقام وزارة التربية التونسية يدرس قرابة مليون و93 ألف تلميذ في 6070 مدرسة عامة، هي 4562 مدرسة ابتدائية و1508 مدارس بين إعدادي وثانوي، بينما توجد حوالي 320 مدرسة خاصة.

وعن الفرق بين المدارس العامة والخاصة يرى الحجام أن “المدارس الخاصة تقدم إضافة للعائلة التونسية تتمثل في توفير فضاء مدرسي يبقى فيه الطفل خلال الفترتين الصباحية والمسائية، أي طوال فترة دوام والديه، وهو ما لا توفره المدرسة العامة حاليا”.

وأكد وزير التربية أن الوزارة تفكر، إلى جانب الاهتمام بإصلاح البرامج والمقررات الدراسية، في توفير خدمات اجتماعية وطبية من شأنها تحسين أوضاع الطلاب بما يساهم في تطوير نتائجهم الدراسية، فيما ينفي متابعون ذلك ويؤكدون أن لا تغيير في السياسة المعتمدة منذ الإعلان عن برنامج الإصلاح الذي مرت ثلاث سنوات على إطلاقه.

17