الرهان على الشعب التونسي

الاثنين 2013/11/25

يصعب على الإخوان المسلمين ممثلين في حركة «النهضة» إخضاع تونس والتونسيين. بدأ العد العكسي لسقوط نظام الإخوان في تونس، تماما كما حصل في مصر حيث كانت ثورة شعبية يوم الثلاثين من حزيران- يونيو الماضي. المسألة مسألة وقت لا أكثر.

هناك مؤشّر إلى ذلك. قبل أيّام انضم قضاة تونس إلى المعارضين لـ»النهضة» والمعترضين عليها وعلى حكومتها، ونفّذوا إضرابا احتجاجا على سعي الحركة إلى التدخل في شؤون القضاء. عندما يحتجّ القضاة في بلد مثل تونس، هناك بالفعل ما يشير إلى امتعاض ذي جذور عميقة من سعي السلطة التنفيذية إلى الهيمنة على الدولة عموما، والسلطة القضائية خصوصا. فالسلطة القضائية يفترض أن تكون في نهاية المطاف سلطة مستقلة، بل الركيزة الأساسية لكلّ مؤسسات الدولة والضمانة الأولى والأخيرة لحسن سيرها.

تماما كما حصل في مصر، هناك سعي إخواني للتمدد في كل الاتجاهات والسيطرة على مؤسسات الدولة، بدءا بالتحكّم في القضاء والأجهزة الأمنية. كان السقوط الأول لإخوان مصر أمام القضاء المصري الذي رفض الرضوخ لإملاءات السلطة التنفيذية مؤكّدا بالملموس تمسّكه باستقلاليته.

في النهاية، شئنا أم أبينا، يظل استقلال القضاء الدليل الأول والأخير على وجود مؤسسات الدولة واستمراريتها وحيادها في التعاطي مع المواطنين. فالدولة اللبنانية سقطت عندما سقط القضاء تحت ضغط الأجهزة السورية التي كانت تعيّن وزير العدل، وتجعله قادرا على التأثير على القضاء. كان وزير العدل اللبناني في مرحلة ما قبل العام 2005، تاريخ الانسحاب العسكري السوري من لبنان، يسيطر على القضاء خلافا للقوانين المعمول بها. كان هناك اعتداء صارخ على الدستور الذي يفرّق بين السلطات ويؤمن الاستقلال التام للسلطة القضائية.

قاوم قضاة مصر سلطة الإخوان. الآن، يقاوم قضاة تونس «النهضة». أسقط المصريون سلطة الإخوان. ليس بعيدا اليوم الذي سيسقط فيه التونسيون سلطة «النهضة» التي لا تمتلك أي مشروع من أي نوع كان لتونس.

هناك نقطة تتوقف عندها المقارنة بين مصر وتونس نظرا إلى وجود فارق أساسي بين البلدين لا يعود فقط إلى عدد سكان مصر ومساحتها. يتمثّل هذا الفارق في وجود مؤسسة عسكرية مصرية تحرّكت في الوقت المناسب ودعمت الثورة الشعبية التي انتهت بإقالة محمد مرسي من الرئاسة، ووضعت حدا لعملية السيطرة على مرافق الدولة الواحد تلو آخر.

الأهم من ذلك كلّه أنّ وضع حدّ لحكم الإخوان أدى إلى كشف دورهم في مجال تشجيع الإرهاب في سيناء، بالاعتماد على حركة «حماس» التي أقامت إمارتها «الطالبانية» في قطاع غزّة.

في تونس، لا وجود لمؤسسة عسكرية قويّة تستطيع لعب دور في دعم الثورة الشعبية المستمرّة منذ عامين، أي منذ كشف الإخوان عن وجههم الحقيقي وأكّدوا أنهم يريدون استخدام القوى الأخرى غطاء للهيمنة على كلّ السلطات وكلّ المؤسسات مستعينين بالاغتيالات والعمليات الإرهابية.. متى تدعو الحاجة إلى ذلك.

ولكن في تونس أيضا طبقة متوسطة متجذّرة في المدن. هذه الطبقة استفادت من القوانين العصرية التي جاء بها الحبيب بورقيبة، خصوصا في مجال حماية حقوق المرأة ووضعها في الموقع الذي يليق بها في المجتمع. كذلك استفادت هذه الطبقة، نسبيا، من الفورة الاقتصادية في عهد زين العابدين بن علي. بين عهدي بورقيبة وبن علي، اللذين داما ما يزيد على نصف قرن، حصلت تحولات على الصعيد الاجتماعي في تونس.

سيكون صعبا على الإخوان المسلمين شطب هذه التحولات ذات الطابع الإيجابي، وهي تحولات يبدو المجتمع التونسي بقواه الفاعلة على استعداد للذهاب بعيدا في الدفاع عنها. ما يمكن أن يساعد الشعب التونسي في المحافظة على الإنجازات التي تحققت في عهد بورقيبة خصوصا وبن علي لاحقا، أنّ ليس لدى «النهضة» أي قدرة على تطوير التجربة التونسية. ليس لدى الإخوان المسلمين غير شبق ليس بعده شبق إلى السلطة.

صحيح أن أخطاء كثيرة ارتكبت في عهد بورقيبة، خصوصا عندما تمسّك الرئيس العجوز بالسلطة بدل الانسحاب في الوقت المناسب، أي عندما كان لا يزال يمتلك كلّ قواه العقلية، لكنّ الصحيح أيضا أن في الإمكان البناء على ما تحقّق في تونس بين 1956 و1987. امتلك بن علي ما يكفي من الشجاعة للاعتراف بذلك. لم يتنكّر كلّيا لسلفه. حافظ على الكثير من الإنجازات التي تحققت منذ الاستقلال. حافظ، في الحدّ الأدنى، على مستوى البرامج التعليمية وأقام بنية تحتية لا بأس بها في كلّ تونس. لكنه سقط حيث سقط بورقيبة، عندما أصرّ على أن يكون رئيسا مدى الحياة في وقت نخر الفساد مؤسسات الدولة بسبب نفوذ العائلة الحاكمة بقيادة «السيّدة الأولى» ليلى طرابلسي بن علي.

ليس سرّا أن «النهضة» لا تعترف بإرث بورقيبة وبن علي. بدل البناء على ما تحقّق، تبدو مستعدة حتى لنسف ضريح بورقيبة وكأنّها لا تزال تخشى ظلّه. ربّما كانت على حقّ في ذلك نظرا إلى أن ليس ما تقدّمه للتونسيين سوى الوعود المبنية على شعارات خاوية. ليس لديها، أي ليس لدى الإخوان المسلمين، أي جواب عن أي سؤال متعلّق بالاقتصاد وتطويره، والاستجابة لمطالب الطبقة الوسطى الموجودة فعلا. كيف يمكن تطوير الاقتصاد التونسي من دون التفكير في ضمان إقامة قاعدة آمنة للصناعات التحويلية. كيف السبيل لخلق فرص عمل جديدة من دون اهتمام بالسياحة؟

هناك ثلاثة أعمدة للاقتصاد التونسي. هناك الصناعات التحويلية والسياحة والزراعة. وهناك أيضا الخدمات. ولكن في أساس كلّ شيء، هناك المجتمع التونسي الذي تعوّد على نمط معيّن من الحياة المنفتحة على كلّ ما هو حضاري في العالم. من هذا المنطلق، يمكن الرهان على أن تونس لن تسقط في الفخّ الذي يحاول الإخوان جرّها إليه. إذا فعلت ذلك، سيكون الفضل الأول والأخير لشعبها الذي لم يثر على نظام زين العابدين بن علي كي يجد نفسه في وضع النادم على ما قام به…


إعلامي لبناني

8