الرهان يتعاظم على الجيش الليبي لإنهاء حكم الميليشيات في طرابلس

روما تسعى لسلب المبادرة من باريس في عقد مؤتمر للأطراف الليبية المتصارعة.
الأربعاء 2018/09/12
إنزو مورافو ميلانيزي يراهن على خليفة حفتر لإنجاح مؤتمر روما

القاهرة - قالت مصادر ليبية مطلعة لـ”العرب”، إن أي ترتيبات لحفظ السلام في العاصمة طرابلس لا بد أن تنزع سلاح الميليشيات أولا، وإن هذه القناعة صارت جزءا من مبادرة تتبناها إيطاليا وتراهن على دور أساس للجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر.

وقالت إن المشير حفتر لن يدخل العاصمة إلا في حال استدعائه كمنقذ وقائد عسكري يملك قوات منظمة، تستطيع بعد التوصل إلى تفاهمات مع قيادة اللواء السابع وجميع العناصر العسكرية الوطنية الموجودة في الغرب الليبي، حماية طرابلس وعودة الهيبة لمؤسسات الدولة.

وأوضحت المصادر التي تحدثت من مدينة ترهونة (جنوب طرابلس) أن فشل سيناريو التفاهم مع قيادات الميليشيات على صيغة للخروج الآمن يعني أن الخيار الوحيد سيكون اللجوء إلى ضربات تقضي على القوة الرئيسية لعناصرها المتمركزة في أماكن محددة ومعروفة.

وبدأت إيطاليا في تسريع تحركاتها أملا في نجاح مؤتمر روما الخاص بالأزمة الليبية في نوفمبر المقبل، وتعوّل على تحقيق اختراق سياسي يسمح لها بإعادة الاعتبار لدورها الذي اهتز عقب دخول قوات اللواء السابع-مشاة، طرابلس في 26 أغسطس الماضي، وما نجم عنه من انتكاسة عسكرية تواجهها الميليشيات المسلحة، وانتكاسة سياسية يعيشها فايز السراج رئيس حكومة الوفاق.

والتقى وزير خارجية إيطاليا إنزو مورافو ميلانيزي، خليفة حفتر في بنغازي شرق ليبيا، الاثنين، لدعوة قائد الجيش الليبي لحضور مؤتمر روما والتباحث بشأن ما يجري في طرابلس، وسط توتر يخيم على الأوضاع بعد التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار برعاية الأمم المتحدة، شمل الميليشيات المسلحة وقيادة اللواء السابع.

وتسعى إيطاليا إلى تحسين علاقتها مع حفتر الذي يحتفظ بعلاقات جيدة مع باريس، ظهرت معالمها في تعاون الأخيرة معه في حسم معركة درنة ضد الإرهابيين وتحريرها من قبضتهم.

ويأتي لقاء الوزير الإيطالي مع حفتر ليؤكد أن روما عازمة على امتلاك مبادرة موازية للخطة الفرنسية التي جرى تدشينها بباريس في 29 مايو الماضي، وتضمنت جدولا زمنيا لحل الأزمة والوصول إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في 10 ديسمبر المقبل.

وحضر مؤتمر باريس كل من خليفة حفتر وفايز السراج وعقيلة صالح رئيس البرلمان، وخالد المشري رئيس مجلس الدولة، وأثار انعقاده ردود فعل متباينة لدى دوائر محلية وإقليمية ودولية عدة، بين مؤيدين ورافضين ومتحفظين، وكشفت نتائجه عن هوة بين روما وباريس، ما دفع واشنطن بعده مباشرة إلى التفاعل مع تطورات الأزمة في أبعادها الداخلية والأممية.

وترى فرنسا أن مؤتمر روما من الضروري أن يكون متابعة لمقررات مؤتمر باريس وألمحت إلى عدم حضورها، في محاولة للضغط على إيطاليا لوقف اتجاهها لطرح خطة سياسية بديلة وتخريب المساعي الفرنسية.

وتصمم باريس على أن يكون مؤتمرها هو الصيغة الرئيسية لأي حل منتظر في ليبيا، وتحاول تكتيل تحالفات إقليمية ودولية توفر دعما لها، وأجرت خلال الأيام الماضية سلسلة من الحوارات مع جهات معنية بالأزمة، وتبين أن الدائرة المحيطة بالرئيس إيمانويل ماكرون ساهمت في تضخيم الدور الفرنسي واقتناعه بقدرته على الإمساك بأوراق كثيرة في الأزمة.

وعندما اكتشفت باريس، مثل الكثير من القوى الغربية، أنها لم تستوعب بعد طبيعة التطورات الليبية وتعقيداتها، لم تستطع التراجع عن موقفها الصارم، وراهن الطاقم المسؤول في الإليزيه على إدارة الأزمة بل وتحقيق اختراق لافت، بما يمنح ماكرون بريقا سياسيا في المنطقة، ربما تكون له مردودات كبيرة في شكل نفوذ وتعظيم مصالح.

لكن وقع المعارك المتصاعد في طرابلس خفف من اللهجة الحادة التي تتبناها روما ضد باريس، بعدما تيقنت أن التطورات الأخيرة تحول عمليا دون تنفيذ خطة فرنسا، التي رأت العكس، وما يجري يصب في صالح توفير الدعم لمبادرتها السابقة.

وبدأت قناعات قوى غربية عديدة تتأثر بما يدور في طرابلس مع ظهور مقدمات تحوّل نوعي في المعادلة التي عظّمت دور الميليشيات، وارتضت بها قوى مختلفة للحفاظ على مصالحها.

ويهدد دخول اللواء السابع العاصمة سلطة المسلحين الذين تحكموا في مفاتيح الحل والعقد، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وتلقى قادتهم دعما سخيا ومباركة من حكومة السراج وبعض القوى الإقليمية والدولية.

Thumbnail

وعلمت “العرب” من مصادر سياسية ليبية وعربية أن قناعات بعض الدول النافذة أخذت تتجاوب مع الخطاب الليبي الوطني الذي يتبنى رؤية تسعى للتخلص من حكم الميليشيات في طرابلس أو غيرها، والدفع نحو تشجيع فكرة التوصل إلى شكل لمؤسسة نظامية محترفة تتولى إدارة الأمور الأمنية، وهو ما أزعج الجماعات المسلحة التي تكيفت مع الأوضاع المتدهورة وأقلق الأطراف التي تقف خلفها خشية انكشافها سياسيا وأمنيا.

ويمكن فهم الأبعاد التي تنطوي عليها مهاجمة مقر المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، الاثنين، كرسالة مباشرة لقوى غربية، مفادها “خلط الأوراق وأن مصالحكم مهددة، وأن العاصمة لن تستقر أبدا حال تغير التوازنات الراهنة أو الانحياز للواء السابع بحجة أنه يملك قوة عسكرية وطنية”.

وتعتبر دوائر كثيرة أن السراج “مات سياسيا”، الأمر الذي ظهرت ملامحه مع عجزه حيال التعامل بثبات مع التحركات المتسارعة، واستمرار مقاطعة وغياب واستقالة عدد من نوابه، ثم دخول اللواء السابع المعركة وتهديد حكم الميليشيات، ما ينسف العملية التي تتبناها الأمم المتحدة المدعومة من قوى دولية عدة.

وأكدت مصادر ليبية لـ”العرب”، أن المهلة التي منحتها القيادة العسكرية المسؤولة في اللواء السابع لنزع سلاح الميليشيات على وشك الانقضاء، وإذا لم يتم التوصل إلى صيغة بشأن تمكين القوات العسكرية والأمنية النظامية من السيطرة على جميع مؤسسات الدولة الرسمية ستكون هناك خطوات عملية للقيام بهذه المسألة.

وقالت شخصية مطلعة من ترهونة (المدينة التي خرج منها اللواء السابع) لـ”العرب”، إن المهلة المحددة تنتهي مساء السبت المقبل، بعدها سوف تكون هناك تحركات عسكرية، لن تضع اعتبارا لوقف إطلاق النار الهش الذي توصل إليه غسان سلامة مبعوث الأمم المتحدة، ومن الصعوبة أن تقوم عليه أي ترتيبات أمنية مع ضعف مؤسسات الدولة وغلبة الجهوية، خصوصا مع إغفال سلامة لأكثر من مرة موضوع الترتيبات الأمنية وتركيزه على الشأن السياسي.

وفسرت بعض المصادر لـ”العرب”، جملة “حلول أخرى” في كلام سلامة بأنه “عدم استبعاد حدوث تدخل دولي في ليبيا، من نوع إرسال قوات لحفظ السلام في العاصمة طرابلس″.

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز، الأحد، أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية تعتزم شن ضربات جوية عن طريق طائرات مسيرة من قاعدة بمطار صغير في بلدة ديركو بالنيجر ضد إرهابيين، من القاعدة وداعش، يتمركزون في ليبيا.

ورجحت المصادر الليبية المطلعة أن سيناريو الضربات هو المرجح لأن العناصر الوطنية في المؤسسة العسكرية الليبية لن تستطيع بمفردها إحكام السيطرة على طرابلس في ظل احتفاظ الميليشيات بجزء كبير من قوتها، كما أن اللواء السابع لم يخض معارك حقيقية على الأرض، ويسيطر حاليا على أماكن مفتوحة، ويخشى دخول أماكن مكتظة بالسكان خوفا من وقوع ضحايا، ما يؤثر على شعبيته التي اكتسبها من إعلاء الخطاب الوطني وعودة الاستقرار للبلاد والحفاظ على أرواح المدنيين.

ويستعد الجيش الوطني بقيادة حفتر القيام بعملية عسكرية كبيرة في الجنوب الليبي لتنظيفه من الإرهابيين الذين فروا إليه، بعد معارك الهلال النفطي ودرنة في الشرق، ليضمن السيطرة على جزء كبير من الأراضي، وتبقى المعركة الحاسمة في طرابلس.

1