الروائية الأميركية جومبا لاهيري تكتب "بعبارة أخرى"

الأحد 2016/03/13
أفكر بأمي البنغالية التي لا تستطيع أن تجد هنا حيث تقيم كتابا بلغتها الأم

ما الذي يدفع الكاتب إلى مجازفة الكتابة بلغة أخرى جديدة غير تلك التي صنعت مجده الأدبيّ؟ وكيف يقرر، في حينٍ من الدهر، أن يذهب إلى نقطة الصفر، فيخلع عنه أردية حياة حاضرة، ويدخل بشغف المريد وصفاء ذهنه وانضباط جوارحه في حياة لسان آخر؟ وهل صحيح أنّ الإنسان يظل منفيًّا في اللغة؛ أيّ لغة، حتى في داخل لغته هو؟

تخطر في بال المرء أسئلة من هذا النوع، وأخرى كثيرة لا تبتعد عنها، وهو يقرأ الترجمة الإنكليزية التي صدرت في مطلع شهر فبراير من هذا العام لأحدث كتب الروائية الأميركية (لندنيّة المولد، هنديّة الأصل) جومبا لاهيري “بعبارة أخرى“؛ وهو دفتر انطباعات وتأملات، كتبته أصلًا باللغة الإيطالية وصدر بها في السنة الفائتة تحت عنوان “In Altre Parole”، وفاز بالجائزة الثقافية الإيطالية المرموقة “Premio Internazionale Viareggio-Versilia”.

وكانت لاهيري، وبعد الانتهاء في العام 2012 من روايتها الثانية “الأرض الواطئة“، (والتي ترشحت لجائزة المان بوكر وجائزة الكتاب القومي الأميركية في العام 2013 على حد سواء، ونالت جائزة الأدب الجنوب آسيوي في العام 2014)، قد سافرت مع عائلتها للعيش في روما، وطيلة أكثر من سنتين لم تتكلّم سوى الإيطالية التي فتنتها منذ الزيارة الأولى التي قامت بها إلى أرض “الثور الذي ينطح الذئب” في العام 1994. مذّاك، وعلى امتداد نحو عشرين سنة، راحت تدرس الإيطالية، وتقرأ أدبها بشغف لا ينقطع.

وفي محاولة منها للإجابة على ما قد يدور في خلد القارئ وهو يطالع ما أسفرت عنه مغامرتها الجديدة، تختار لاهيري مقولة للروائي الإيطالي أنطونيو تابوكي (1943 - 2012) عتبةً في مفتتح الكتاب، تختصر عليها مشقة بوح قد يطول أو يقصر “أحتاج إلى لغة مختلفة: لغة كانت مطرحًا للوجدان والتأمل”.

ولعلّ هذا الاستشهاد بتابوكي فيه قدر من المماثلة والتشابه بين التجربتين: فهو كان قد انكّب على تعلم البرتغالية مذ أن فتنته لغة فيرناندو بيسوا حين قرأه لأول مرة في أثناء تواجده في السوربون إبان ستينات القرن العشرين، فتعلّمها حتى برع فيها وأصبح أستاذًا لها في جامعة سيينا الإيطالية. وليس هذا فحسب، فمن شدّة عشقه لهذه “اللغة المختلفة” وهيامه بها، أقدم تابوكي في العام 1991 -وبعد أن كان قد ترجم معظم أعمال بيسوا- على نشر رواية “قُدّاس: هذيان“، والتي كان قد كتبها باللسان البرتغاليّ مباشرة ودون تكلّف أو عناء.

بيد أن أوجه الشبه والمماثلة لم تقف عند هاتين المسألتين فحسب، بل تعدّتها إلى إحجام كلا الكاتبين عن ترجمة ما كتباه في “مطرح الوجدان والتأمل” بنفسيهما، تاركين ذلك إلى من هو أعرف منهما بأسرار اللسان الخفيّة وتجليّاته النورانية، ترجم سيرجيو فيكيو رواية تابوكي، فحصد بها جائزة “رابطة القلم” الإيطالية في العام 1992؛ فيما تركت لاهيري عناء نقل “مذكراتها غير التقليدية” إلى آن غولدستين التي ذاع صيتها في أعقاب ترجمتها لروايات إيلينا فيرانتي وبريمو ليفي.
دفتر انطباعات وتأملات

لغتي الأقوى

وفي “ملحوظة المؤلف”، وهي القطعة النثرية الوحيدة التي كتبتها بالإنكليزية منذ رحيلها إلى روما، رفقة بعض المراسلات الضرورية الأخرى، تشرح لاهيري أنّ سبب عزوفها عن ترجمة الكتاب بنفسها كان محاولة منها “حماية لغتها الإيطالية” وأنّ “العودة إلى الإنكليزية كانت محيّرة ومحبطة وغير مشجعة”.

ثم تمضي قائلة “كانت الكتابة بالإيطالية خيارا اتخذته على عاتقي، ومجازفة أشعر بأنه قد أُوحى إليّ أن أقتحمها. إنها تتطلب انضباطيّة صارمة أشعر بأنني مضطرة، في هذه اللحظة، للحفاظ عليها. ستؤدي ترجمة الكتاب بنفسي إلى كسر ذلك الانضباط؛ سيعني إعادة الاشتباك، بحميميّة، مع إنكليزيّتي، وأن أغالبها بدلًا من الإيطاليّة. ناهيك عن أنني لو ترجمت هذا الكتاب، فإنّ الإغواء سيكون أن أُجوّده، وأن أجعله أكثر قوّة عبر لغتي الأقوى. ولكنّني رغبت في أن تؤول الترجمة لغتي الإيطالية بأمانة، دون أن تصقل أطرافها الخشنة، وتبطل غرابتها، وتعبث بشخصيّتها. لقد شعرتُ على نحو غريزيّ حين علمت بأن الكتاب سوف ينشر بالإنكليزية، بأنّ مترجمة أخرى، واحدة أكثر خبرة وذات موضوعية فائقة، سوف تكون مؤهلة على نحو أفضل لإنجاز هذه المهمة”.

جومبا لاهيري صوت روائي متحقق بقوّة في مدونة الأدب المكتوب بالإنكليزية. فمجموعتها القصصية الأولى “ترجمان الأوجاع″ (1999)، باعت أكثر من 600 ألف نسخة، وفازت بجائزة هيمنغواي لأفضل عمل قصصي أوّل في ذات العام، وبجائزة البوليتسر المرموقة في القَص للعام 2000.

صدرت الترجمة العربية لهذه المجموعة بتوقيع المصرية مروة هاشم في العام 2009. أمّا روايتها الأولى، “السَّمِيّ” (2003)، فقد تم تحويلها إلى فيلم سينمائي بذات العنوان أخرجته الهنديّة المرموقة ميرا ناير في العام 2007. صدرت الطبعة العربية لهذه الرواية بترجمة الأردنية سُرى خريس في العام 2014.
كما احتلت مجموعتها القصصية الثانية “أرض عجيبة (2008)، المرتبة الأولى في قائمة النيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعًا في ذلك العام، وفازت بجائزة فرانك أوكونر العالمية للقصة القصيرة للعام 2008، وبجائزة الأدب الآسيوي الأميركي للعام 2009. وفي العام 2014، تم تتويجها بالوسام الوطني في الإنسانيّات، والذي يمنح من قبل رئيس الولايات المتحدة بالتشاور مع وكالة المنحة الوطنية في حقل الإنسانيات، وهي وكالة فدرالية مستقلة تابعة للحكومة الأميركية.

وتاليًا ترجمة لمقاطع منتخبة من الكتاب:

أريد أن أعبر بحيرة صغيرة. إنها صغيرة حقًّا، ولكنّ الضفة الأخرى تبدو بعيدة جدًا، أبعد من طاقتي. أدرك بأنّ البحيرة عميقة في المنتصف، وعلى الرغم من أنني أعرف السباحة، إلّا أنني خائفة من أكون وحيدة في الماء دون أيّ عون.

الإقامة في المعجم وعشق اللغة من النظرة الأولى

رفيقي القاموس

أوّل معجم إيطالي اشتريه قاموس جيب، يحتوي على التعاريف بالإنكليزية. إنه العام 1994، وإننى على وشك الذهاب إلى فلورنسة لأول مرّة، رفقة أختى. أذهبُ إلى مكتبة في بوسطن تحمل اسمًا إيطاليا: ريزولي. مكتبة عصرية وراقية، والتي لم تعد موجودة هناك.. للقاموس الذي أختاره غلاف بلاستيكيّ أخضر، غير قابل للتلف، وكتيم. إنه خفيف، وأصغر من يدي. له أبعاد قد تزيد عن فلقة صابون أو تنقص قليلًا.. أمّا اليوم فإنني أمتلك معاجم أخرى كبيرة، قواميس أكثر أهميّة على مكتبي.

إثنان منها أحاديّا اللغة، بلا أيّ كلمة إنكليزيّة. يبدو غلاف القاموس الصغير الآن وقد بهت قليلًا، واتّسخ على نحو ما. الصفحات مصفرّة. وبعضها سائب من مكانه. إنه يقبع في الغالب على المنضدة التي بجانب السرير، حتى أستطيع البحث بسهولة عن معنى كلمة مجهولة وأنا أقرأ. يسمح لي هذا الكتاب بقراءة كتب أخرى، أن أفتح الباب إلى لغة جديدة. إنه يرافقني، حتى الآن، حين آخذ عطلة، وفي الرحلات. لقد أصبح ضرورة. ولو نسيت، حين أغادر، أن أصحبه معي، فإنني أشعر بالضيق قليلًا، كما لو أنني قد نسيت فرشاة الأسنان أو جوارب إضافية. يبدو هذا القاموس، حتى الآن، كأخ أكثر من كونه أبًا. وعلى الرغم من ذلك فإنه ما زال مفيدًا بالنسبة إليّ، ما زال يرشدني. ما زال طافحًا بالأسرار. سيبقى هذا الكتاب على الدوام أكبر منّى.

أسمع حماسة الأطفال وهم يتمنّون لبعضهم البعض “عيد ميلاد سعيدًا” في الشوارع. أسمع الرقّة التي تسألني بها ذات صباح المرأة التي تنظف الفندق: هل نمت جيدًا؟ وحين يرغب رجل يمشي خلفي على الرصيف أن يعبر، فإنني أسمع التّأفف الطفيف الذي يسأل به: هل تسمحين؟ لا أستطيع الإجابة. فلست قادرة على المحاورة. أُنصت. إنّ الذي أسمعه، في الحوانيت وفي المطاعم، يستدعي استجابة فوريّة، منفعلة ومتناقضة.

كما لو أنّ الإيطالية كانت للتوّ في داخلي، وبرّانيّة في الوقت ذاته تمامًا. إنها لا تبدو لغة أجنبية، على الرغم من أنني أعرف بأنها كذلك. تبدو مألوفة على نحو غريب. أعرف شيئًا ما، بالرغم من حقيقة أنني لا أفهم شيئًا. ما الذي أعرفه؟ إنها جميلة، بالتأكيد، ولكنّ الجمال لا دخل له. إنها تبدو كلغة يتوجب عليّ أن أقيم علاقة معها. إنها كشخص قابلته صدفة ذات يوم، فشعرت على الفور بآصرة تربطني به، أشعر بأنني أحبّه. كما لو أنّني قد عرفت ذلك لسنين، حتى لو ما زال كل شيء بحاجة إلى أن يكتشف. سأكون غير راضية، وغير كاملة، إن لم أتعلّمها. أدرك بأن ثمّة فضاء في داخلي يرحّب بذلك. أشعر بآصرة وانفصال في اللحظة ذاتها. بقرب وتباعد في الآن ذاته. إنّ ما أشعر به شيء محسوس، يتعذّر تفسيره. إنه يؤجج صبابة طائشة، عبثيّة. توتّر فتّان. حبّ من النظرة الأولى.

أفكر في دانتي

حدثت علاقتي مع الإيطالية في المنفى، في مقامٍ من المباعدة والافتراق. تنتمي كل لغة إلى مكان محدّد. تستطيع الهجرة، تستطيع أن تنتشر. ولكنها مرتبطة في العادة بمنطقة جغرافية، ببلد. تنتمي الإيطالية بالدرجة الأولى إلى الإيطاليين، وإنني أعيش في قارة مختلفة، حيث لا يصادفها المرء بسهولة. أفكّر في دانتي الذي أنتظر تسع سنين قبل أن يكلّم بياتريس. أفكر في أوفيد منفيًّا من روما إلى مكان قصيّ. إلى نقطة لغويّة محاطة بأصوات غريبة. أفكر في أمّي التي تكتب قصائد بالبنغالية، في أميركا. وبعد أكثر من نحو خمسين سنة على الانتقال للعيش هناك، فإنها لا تستطيع العثور على كتاب مكتوب بلغتها هي.

كاتب من الأردن

14