الروائية المصرية مي خالد: أبحث دائما عن دليل براءة لشخصياتي

الخميس 2015/04/09
المساحة الرمادية لدى كل منا هي ما تخلق الصراع وهي ما تجعلنا أكثر إنسانية

منذ "ألف ليلة وليلة" إلى غاية ما يكتب اليوم في السرد والحكي، تميزت المرأة ككائن حكاء، تنسج عوالمها بعيدا عن التقسيمات او التنميط الجنسي الذي فرضته عليها بعض القراءات النقدية، عوالم سردية مختلفة وممتعة تخوضها نساء كاتبات كثيرات، بوصفهن كاتبات لا باعتبار نسويتهن وحصرهن فيها.

إذن علاقة السرد والحكي بالمرأة علاقة قديمة ضاربة في عمق التاريخ والموروث. “العرب” التقت مي خالد الروائية المصرية، وكان لنا معها هذا الحوار حول عوالمها السردية الروائية.

مي خالد روائية وقاصة شغوفة بالتجريب، تنشد أعمالها رؤية جمالية ترتقي بشأن الفن في صلته مع الحياة. تمنح شخصياتها بعدا إنسانيا ونفسيا وهذا ما يجعل القارئ يتفاعل معها، تقول إيزابيل الليندي “أكتب لأتداوى”، والروائية مي خالد تقول: الحكي قدري منذ أن قررت أن أكون دمية نفسي. هذا شعار فرضه الزمن علي، حين كنت تلك الطفلة الصغيرة التي استيقظت ذات صباح، لتهز عروستها الجميلة، فتجد رقبتها مكسورة ومتدليّة على صدرها وهي عاجزة عن البوح باسم قاتلها من الأطفال الذين كانوا يزوروننا في اليوم السابق. فكرهت عجز الدمى وظللت أراها كجثث مخيفة. لذا وجدت متعتي في أن أكون دمية نفسي، أغزل الحكايات الشيقة التي لا تطولها أيدي العابثين.

وتضيف: أصنع حاضرا آخر أفرّ من خلاله إلى شخصيات وآفاق غريبة عني، وأتجوّل في تفصيلاته بحرية وإتقان، حتى أدّى إلى انبهار الكبار، لكن والدتي ارتعبت من أن أكون مريضة بازدواج الشخصية، وثارت ثائرتها على كل من كان يعاونني من أفراد الأسرة الذين كانوا ينادونني بأسماء الشخصيات المتخيلة ويفرحون كثيرا حين أعطف عليهم بأدوار مساعدة فتصير اللعبة أكثر إثارة.

أما قلق والدتي وعرقلتها لمسيرة اللعبة فقد كان يزعجني بشدة لأنني كنت أعرف كيف أفصل بين "مي" الأصلية وبين شخصيات اللعبة، وقد كانت تتملكني أثناء ذلك متعة الإحساس بالخلق والابتكار. وحتى الآن لا يزال الأمر بالنسبة إلي لعبة، لكنني أمارسها بجدية لتمتزج المتعة بالعمق.

أهم طقوس الكتابة، هي طقوس ما قبل الكتابة، أي فترة الإعداد؛ وضع الأفكار وتحديد مواصفات الشخصيات على الورق

أغنيات وألوان

عن طقوسها الخاصة لحظة الكتابة تجيب: اختلفت وتنوعت الطقوس باختلاف الأزمنة والظروف المحيطة بي. ففي فترة ما، لم أكن أتخيل أني أستطيع الكتابة إلا بعد منتصف الليل، حيث يهدأ الكون بكل كائناته وضجيجه. كنت آنذاك أتكوّر في وضع جنيني تحت منضدة سفرة، أو في ركن منزو، خوفا من الاقتحام بمعناه الفعلي والمجازي، حيث مازال أطفالي صغارا ولا يعترفون بالسكون إلا حين يخلدون إلى النوم.

وبعد قراءتي لرواية فرجينيا وولف “غرفة تخص المرء وحده”، عقدت العزم على أن تكون لي غرفة للكتابة، جهزتها بألواني المحببة وزودتها بوسائل الراحة كالتدفئة شتاء والتهوية صيفا، فصرت أكتب فيها بأي وقت من أوقات اليوم. من الطقوس الأساسية أيضا إشعال البخور الهندي، من نوعين فقط، النوع الأول طوال الفصول الأولى، والنوع الثاني في الفصل الأخير الذي يحتاج إلى درجة عالية من التركيز والدفقات الشعورية.

وتؤكد مي خالد أن أهم طقوس الكتابة، هي طقوس ما قبل الكتابة، أي فترة الإعداد، وضع الأفكار وتحديد مواصفات الشخصيات على الورق، في دفتر تختاره بعناية ويكون غلافه متوائما وروح العمل، ومجموعة أقلام كثيرة ومن نوع واحد مريح ولو كان رخيص الثمن، وحتى إن كانت ستكتب العمل نفسه إلكترونيا فيما بعد.

تحضر المقامات الغنائية والألوان في روايات مي خالد، كما الفن التشكيلي وعلاقته بالفكر الإنساني، وكان سؤالي لها: برأيك الرواية العربية اليوم متصالحة مع عالمنا المعاصر أم هي في جدل مستمر وصراع لا يهدأ معه؟ فكان ردها “فكرة التصالح مع العالم بحد ذاتها تتنافى وفعل الكتابة، فالبوح والتعبير هما وسيطان لكشف زيف العالم وتناقضاته.

الكتابة لعبة تمارسها مي خالد بجدية لتمتزج المتعة بالعمق
لكن ربما حين أستحضر في ما أكتب الكثير من المقامات الغنائية وأمسك بفرشاة افتراضية ألون بها الحروف، قد تكون هذه وسيلة لاإرادية للتصالح مع العالم بالكتابة، عن طريق استعارة بعض جمالياته التي تساعد المرء وتقوي النفس على تحمل القبح والكراهية التي تحرك الكثير من أحداث الواقع”.

هناك اهتمام كبير بالحالة النفسية للشخصيات في أعمال الروائية مي خالد، فهل يأتي ذلك في إطار اهتمامها كروائية بتقديم شخصيات هي مزيج من شخصيات تعايشت معها؟ قالت “اهتمامي بالأبعاد الإنسانية لشخصياتي نابع من صفة أصيلة في نفسي، وهي الكشف عن أي هامش بسيط للخير لدى أي شخصية في الواقع، حتى وإن اشتهرت بأنها شخصية سيئة.

وفي الوقت ذاته، محاولة الكشف عن جوانب الضعف الإنساني في الشخصية التي تبدو قوية وصلبة وغير قابلة للخطأ.

فالشخصيات الأبيض والأسود، الخير والشر، الشيطان والملاك، لا توجد إلا في الأساطير التي تحكى للأطفال لكي ترسخ لديهم منظومة القيم. أما تلك المنطقة الرمادية لدينا هي ما تجعلنا أكثر إنسانية، وهي ما تجعل كلّا منا صالحا لأن يكون شخصية روائية، لأن تلك المساحة الرمادية لدى كلّ منا هي التي تخلق الصراع بالأساس، وتجعل الحياة أكثر صعوبة، والعمل الأدبي أكثر تشويقا”.

وتضيف خالد: أثرت دراستي لعلم النفس في الجامعة، وممارسته كمتدربة في عيادة نفسية على تناولي للشخصيات بشكل أكثر عمقا، ومحاولة البحث عن كل الظروف المؤدية للتركيبات النفسية المختلفة. لذلك كنت أحاول البحث دائما عن دليل براءة لشخصياتي، وإن كان بشكل غير مباشر، قد يستنبطه القارئ دون أن يقرأه في النص وكأنه يقرأ حيثيات مرافعة.

رواية نفسية

بين ليلى ونيرفانا في رواية “سحر التركواز” علاقة ممتدة. وهذا ما يمنح الشخصيات حضورها الجاذب للقارئ، تعلق الروائية مي خالد على ذلك بالقول: العلاقة الممتدة ليست بين شخوص رواية سحر التركواز “ليلى” و”نيرفانا” فحسب. فالعلاقات المتشابكة تمتد بامتداد حيواتنا، وهذا ما يجعل الواقع أحيانا أكثر إدهاشا من الخيال.

فمن تعتقده انتهى من حياتك وتلاشى، قد يعود إليك بعد عشرات السنين، هو بذاته لكن بعد أن طرأ عليه تغيير، أو بقي كما هو -وستندهش في كلا الحالتين-، وقد يعود إليك عن طريق ذكراه المتمثلة في شخص قريب منه، أو سر باح به أو شيء تركه لك. وفي موروثنا الشعبي نقول “مصير الحي يتلاقى”، بمعنى أنه ما دمنا على قيد الحياة فمصيرنا إلى التلاقي يوما ما.

الشخصيات الأبيض والأسود، الخير والشر، الشيطان والملاك، لا توجد إلا في الأساطير التي تحكى للأطفال

في رواية “جيمنازيوم” هناك عالمان أحدهما ظاهر وآخر مخفي. كيف استطاعت مي خالد الكشف عن الانفعالات الداخلية لشخصيات الرواية؟ تقول: في رواية جيمنازيوم تذهب الشخصيات إلى مكان الرياضة هذا من أجل السبب الظاهري وهو التخفف من الوزن، بينما السبب الأصلي هو استعادة التوازن النفسي، وعدم التوازن ينبع من المخاوف والهواجس التي تنتابنا جميعا.

في هذه الرواية هناك عدة تيمات أهمها تيمة “الخوف”، الذي صار سمة مميزة للعديد من الناس في الفترة الأخيرة، فترة ما بعد الربيع العربي. حالة الضبابية والمجهول والتخوين والتهجير جعلت منا كائنات هشة داخليا، حتى وإن كنا نبدو أكثر قوة على المستوى الشكلي والكلامي والوعي السياسي.

وتوضح مي خالد كلمة “جيمنازيوم”، بأنها في حد ذاتها مشتقة من الكلمة اليونانية “جيمنوز” بمعنى “العري”، وقد كان الجيمنازيوم مكانا لاستعراض جمال الأجساد الذكورية في العصور اليونانية القديمة. في رواية “جيمنازيوم” تتعرّى الشخصيات ليس من ملابسها فقط، بل من أسرارها وهمومها، فالبوح وقول السر تعرّ، والكتابة تعرّ، وكلها أمور من شأنها أن تعيد التوازن النفسي.

في الرواية أيضا كشف لكثير من أنواع المخاوف والفوبيا، منها ما هو معروف كالكلوسترو فوبيا وهو الخوف من الأماكن الضيقة، ومنها ما هو غير معروف كالكافوبيا، وهي الخوف من القبح والشيخوخة، وحتى الخوف من بتر الأعضاء، وكذلك الجيمنوفوبيا وهي الخوف من التعري وكثير غيرها. كلها جمعت بين شخصيات الجيمنازيوم، وميزت فترة ما بعد الثورات.

15