الروائية نسمة العكلوك: ليس هناك شيء اسمه الوطن البديل

الكثيرون يرفضون مصطلح الكتابة النسوية لما يخفيه من تمييز جنسي وزاوية نظر ذكورية للإبداع، فالأدب أدب سواء كان كاتبه رجلا أو امرأة. في واقع الأدب العربي ظلت المرأة ومازالت تعاني من التمييز الذي تفرضه النظرة الذكورية السطحية والتي مازالت تهيمن على البنى الاجتماعية العربية، لذلك غالبا ما تجد أدب المرأة تحت أصابع اتهام ذكورية تفلي نصوصها بحثا عن خصوصيات المرأة، فأن تكون المرأة مبدعة وكاتبة في مجتمع ليس بالأمر السهل بل يحتاج ربما إلى شجاعة كبرى. “العرب” التقت الكاتبة الفلسطينية نسمة العكلوك وكان لنا معها هذا الحوار حول الكتابة والمرأة.
الأربعاء 2016/01/27
حالة ما بين الجمال والفوضى والتورط

نسمة العكلوك، كاتبة وقاصة ولدت في غزة عام 1986 ودرست الرياضيات في كلية العلوم بجامعة الأزهر قبل أن تنتقل للإقامة في بلجيكا، حصلت نسمة على العديد من الجوائز المحلية في غزة، وصدرت لها نصوص في المسرح والقصة، ولها في الرواية، “امرأتان ثالثهما مرآة”، “والتقينا من جديد”، و“في رداء قديم”.

متعة سرية

ترى نسمة العكلوك أن الكتابة الروائية تحتاج إلى مخاض صعب حتى يضع من خلاله الكاتب في السرد بعضا من روحه مستندا إلى الكثير من الواقع، فينسج حكايات ينطلق منها المتلقي ليرى العالم من خلال كلمات السارد.

الكتابة عند ضيفتنا هي حالة من الجنون كما تصفها، بحيث تنسلخ فيها عن نفسها أحيانا كثيرة كي تقدم نصا يمثّلها ولا يشبهها في آن واحد، وتعتبر أن هذا الفعل ليس سهلا في مجتمع عربي ذكوري -كما تصفه- هذا المجتمع الذي يسعى إلى إسقاط أصابع الاتهام نحو الكاتبة الأنثى بحثا عن حياتها الخاصة داخل النص، اعترافاتها وجنونها، بوحها والقصص التي تنسجها، ولهذا فإنها تعتبر الكتابة متعتها السرية الخاصة التي تنجرف فيها دون أي تأنيب للضمير أو خوف، بهدف إخراج النص المختلف بغض النظر عن حالة الراوي واستخدام ضمير السرد الذي يأتي تارة على لسان رجل وطورا على لسان امرأة.

المجتمع العربي يسعى إلى إسقاط أصابع الاتهام نحو الكاتبة الأنثى بحثا عن حياتها الخاصة داخل النص

تمارس نسمة العكلوك العملية الإبداعية من خلال أنواع عديدة من السرد بدءا بالرواية والقصة وانتهاء بالمسرح، نسألها عن هذا التعدد فتقول: المسرح هو قصة تكتب لتمثل وليس لتقرأ فحسب، والقصة هي الأقرب إلى الرواية، ومن هنا فإنّ هذه الأجناس الأدبية تتشابه، وتجمعها عوامل عدة وإن اختلفت في نواح أخرى لذلك ليس غريبا أن تجمع بينهم.

تصف ضيفتنا تجربتها في المسرح بأنها بسيطة، وتعترف بجنوحها نحو الرواية لتستحضر هنا وصف الدكتور محمد عناني في كتابه “الأدب وفنونه”، بأنها -أي الرواية- لها القدرة على التكيّف والتطوع والتطور، بحيث تمتلك القدرة على معالجة أيّ موضوع، هذه القدرة التي أثبتتها من خلال بقائها رغم منافسة السينما والمسلسلات الدرامية لها، بوصفها تمثل صورة الفن الروائي بحسب العكلوك.

تتناول نسمة العكلوك في أعمالها الأدبية أبطالا متعددي الانتماءات ضمن فضاءات مختلفة، نسألها هنا عن الأثر الذي تركته فلسطين ومفردات البيئة الفلسطينية فيها، لتقول إن المعاناة تتوالد في طياتها كل يوم، ذلك الصراع اليومي الذي يضطر الفلسطينيون مع كل صباح ومساء لمواجهته، كل تلك التفاصيل لا بدّ أن تترك شيئا من الأثر في داخلها ككاتبة، تصفها بأنها حالة ما بين الجمال والفوضى والتورط، فالنصوص -والحديث لضيفتنا- في أحيان كثيرة هي من تختارها، الحدث فقط يقوم بدوره في الإثارة واستفزاز روح الكاتبة عندها، ليكون شيئا لا يمكنها الانفصال عنه أو التخلص منه، بحيث تشتم رائحة فلسطينية تحلق فوق النص مهما كان موضوعه، تصف تلك الحالة بأنها لعنة محببة أن تولد فلسطينيا.

الكتابة حالة من الجنون

تقول ضيفتنا إنها تكتب عن “المجتمع الذكوري سعيا للتغيير”، هنا نسألها عن التغيير الذي تسعى له في أعمالِها الأدبية، لتقول إن المجتمع العربي هو مجتمع ذكوري، وتجاهل ذلك ليس حلا، من الجيد الاعتراف بذلك -والحديث لضيفتنا- التي تؤكد أن المسؤولية بالدرجة الأولى تقع على كاهل المرأة في المجتمعات العربية، لتطالبها بأن تكون كفؤا للرجل كائنا مشاركا وفعالا وألا ترتكن إلى الضعف والخضوع، وفي ذات السياق تقول إن على المجتمع أن يتعلم كيف يغفر للمرأة، وأن يغير نظرة الشك التي يتربص بها للأنثى.

الأدب والعلوم

نسمة العكلوك قادمة إلى الأدب من دراسة الرياضيات، نسألها عن العلاقة بين الضفتين لتقول إن دراسة الرياضيات أفادتها في كتابة الرواية، بحيث كانت ترتكز على التفاصيل والتحليل والفرضيات والإثبات، وهذه العوامل كما تراها مساعدة في كتابة الرواية.

ضيفتنا تقيم اليوم في بلجيكا وهنا يقودنا الحديث إلى ثنائية الوطن والوطن البديل، لتقول إنه ليس هناك ليس هناك وطن بديل، لكن هناك بلد بديل، الفقد عندها هو من يشعل مشاعر الكاتب والشوق هو من يساهم في كتابة النص الجميل، لذلك ترى الكاتبة الفلسطينية أنه لا يمكن التخلص من إضفاء بعض من روح الكاتب داخل النصوص التي يكتبها.

تصف العكلوك هذه الحالة في أحيان كثيرة بالإيجابية، الإيجابية التي تحدثت عنها قادتنا لسؤالها عن الدور المنوط بالمثقف العربي في الغرب، لتقول إن عليه الاستمرار في تقديم الصورة الصحيحة للمجتمع الأوروبي لكي تتسع حلقة نقاط الالتقاء بين الشرق والغرب في سبيل تغيير الفكرة النمطية عن الشرق الأوسط، تلك الصورة التي غالبا ما ترتبط بالعنف والجهل.

15