الروائيون النقاد يمتلكون السر

الروائي ينظر إلى النص من الداخل بحثا عن الانسجام.
الأحد 2021/02/14
أمبرتو إيكو، إيتالو كالفينو، ميلان كونديرا، أورهان باموق، عبدالرحمن منيف، يحيى حقي، رضوى عاشور ولطفية الدليمي… روائيون كتبوا النقد

غالبا ما تتهم كتابات المبدعين في النقد أعمال مبدعين آخرين بالانطباعية والضعف المنهجي وارتباك المصطلحات والمفاهيم، وغيرها من التهم التي باتت جاهزة، حيث يكيلها النقاد الاختصاصيون لهؤلاء على أنهم غير متضلعين في النقد. لكن وللمفارقة فإن ما يكتبه المبدعون من نقد يلقى انتشارا واهتماما أكثر مما يكتبه النقاد، نظرا إلى سهولة فهمه مقارنة مع لغة النقد الجافة، إضافة إلى أنهم قد يثيرون قضايا من داخل العمل ويضيئون على ما لا تقدر عين الناقد الوصول إليه.

 عندما صدرت مجلة فصول المصرية في ثمانينات القرن الماضي، سُئل نجيب محفوظ عن رأيه في محتوى العدد (وكان أحد أعضاء الهيئة الاستشارية حسب ترويسة المجلة) فقال جملته المشهورة “إنه لم يفهم حرفا مما قيل فيها”، بل تعجّب من أن النقد أصبح بهذا التعقيد. عبّر نجيب محفوظ ببراءة عن ضِيقه من الألغاز التي يكتب بها الأكاديميون النقد – وبتعبيره – فهم يكتبون “بمصطلحات نقدية توجع الدماغ”.

 ما النقد الذي كان يريده نجيب محفوظ، وبحث عنه في المجلة المتخصصة، ولم يجده؟ في الحقيقة لم يكشف عنه صراحة، فكما هو معروف عنه وعن توفيق الحكيم، على نحو ما ذكره فؤاد دوّارة عام 1946، “لم يكتبا سطرا واحدا في نقد الإنتاج الأدبي”، لكن محفوظ مرّر ما يودّه، وما يميل إليه في حواراته الصحافية، وهو ما كشف عنه كتاب صدر في القاهرة بعنوان “نجيب محفوظ ناقدا”، وإن كان الكتاب لا يقدّم محفوظ كناقد بالمعنى المعروف، وإنما هو يفحص حوارات نجيب محفوظ ويستشف منها آراءه النقدية، وإلمامه بالنظريات النقدية الحديثة، وهو ما يشير إلى وعي نقدي كان يلازمه، دون أن يوجّهه إلى قراءة أعمال أدبيّة.

البحث عن الانسجام

آليات الكتابة الروائية
آليات الكتابة الروائية

 على عكس نجيب محفوظ مارسَ كتّاب عالميون وعرب مهمّة النقد، وقدّموا إسهامات غاية في الأهمية تعدُّ مراجع لكل الدارسين والباحثين، على الرغم من أنها لم تستقوِ بالمصطلحات والنظريات النقدية، وإنما جاءت منسجمة مع وعيهم الذاتي في فَهم الأعمال. فمثلا مَن مِن نُقاد الرواية لم يعتمد على كتاب “نظرية الرواية في الأدب الإنجليزي الحديث”، وهو في الأصل دراسات لهنري جيمس، وجوزيف كونراد وفرجينا وولف ود. ه. لورنس، وهم في الأصل روائيون.

هناك أسماء كثيرة من الروائيين مارست النقد كديفيد لودج وأمبرتو إيكو، وميلان كونديرا وإيتالو كالفينو، وأورهان باموق، ويحيى حقي، ويوسف جوهر، وعبدالرحمن منيف، ولطيفة الزيات، ورضوى عاشور، ولطفية الدليمي. كثيرون (وكثيرات) كتبُوا (وكتبن) مقالات ودراسات كشفوا (وكشفن) فيها عن عوالم الكتابة الروائيّة وعناصرها.

 في هذه المقالة سأتوقف عند بعض الأعمال التي كتبها روائيون محترفون، ساعيا إلى اكتشاف القضايا التي شغلتهم، والظواهر التي لفتت انتباههم أثناء قراءة أعمال غيرهم. لكن علينا أولا أن نطرح هذه الأسئلة، علّها تكون مفاتيح لاستجلاء دوافع الكتابة.

 ما الذي يدفع الروائي إلى أن يترك مهنته ليمارس النقد والتنظير للفن الذي يكتبه؟ هل تتساوى مهارته كناقد مع مهارته الروائية؟ هل ما يبحث عنه في الرواية بخبرته الروائية يختلف عمّا يبحث عنه الناقد بخبرته الأكاديمية؟ هل الباعث من وراء نزوله عن عرش الكتابة الروائية إلى النقد الذي وصفه بطل “في انتظار جودو” – لصمويل بيكت – بأنه “استئصال للرحم بمجرفة”، هو فقدانه للنقد المعبّر عمّا يكتبه، فيسعى إلى تلافي هذا العجز في ممارسته الخاصة، سواء بكتابات متفرقة على هيئة مقالات، أو في كتابات مستقلة؟ والأهم كيف تأتي كتابة الروائي النقدية؛ هل تميل إلى إحساسه وذائقته، أم تتصل اتصالا وثيقا بلغة وقواعد النقد الأكاديمي اللتيْن يَنْفُرُ منهما هو في الأصل؟

 في الحقيقة تأتي كتابات الروائيين أولا، تلبيّة لاحتياجات الذائقة الخاصّة (أو الذائقة الفردية)، فمعظم قراءاتهم منسجمة مع بحثهم عن الانسجام داخل العمل الأدبي، أو تأثير هذه الأعمال التي قرأوها على ذواتهم، ومدى استجابتهم لهذا التأثير.

 كما أنّ هذه القراءات ابتعدت عن تلك المنهجيّة التي يألفها النُّقاد الرسميون، وهو ما يعني في معناه المضمر هو رغبة الكُتَّاب أنفسهم بقراءة أعمالهم بعيدا عن القوالب (أو الماكيتات) الجاهزة. وهو ما نراه واضحا في بحث فرجينيا وولف عن “الشخصية الروائيّة”، فهي بدلا من أن تقدّم معايير وسمات للشخصية، عن طريق التحليل والتجريد، تطرح في مقالتها قصة “رحلة من ريتشموند إلى واترلو” بغية أن توضح ما الذي تعنيه بالشخصية ذاتها، وبالمثل ميلان كونديرا يسعى “في الوصايا المنبوذة” إلى نظرة صافية ومتحرّرة من الوهم.

سياحة في عوالم الرواية الثرية
سياحة في عوالم الرواية الثرية

غاية الروائي هو البحث عن المعنى والرسالة داخل النص، وكيف عمل الروائي عبر التآلف بين عناصر الرواية من توصيلها بانسيابية واتساق. وفي نفس الوقت تأتي ممارسته النقدية لتأكيد دور النقد في خدمة الإبداع، وكيف أنه جزء مكمل للعملية الإبداعيّة وليس منفصلا عنها.

 روائيون عرب

  من الأسماء – في عالمنا العربي – التي مارست هذه الوظيفة المزدوجة، يحضر اسم الكاتب يحيى حقي، وهو صاحب الإنجاز المهم في الرواية (قنديل أم هاشم، والبوسطجي، ودماء وطين، وغيرها)، ومع هذا الاهتمام بالرواية والقصة إلا أنه ترك للمكتبة النقدية كتابه الرائع “فجر القصة” (1960)، وهو الكتاب الرائد الذي أرّخ فيه للفن القصصي المصري الحديث، وبداياته.

يأتي الكتاب من نظرة خبير يُعاين النصوص بمنطق الذوّاقة، فيكتب عن رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل، وعن رائد القصة القصيرة محمد تيمور، ومحمود طاهر لاشين، وعيسى عبيد وشحاته عبيد، وفي الكتاب إشارة إلى دور قصص توفيق الحكيم في انتهاء عصر الاقتباس والشكوك، وانتقال القصة من الوجدان فقط إلى الوجدان والفكر معا، ومن السطحية إلى العمق، وعلى يده تحول الأسلوب من الشكل إلى الجوهر.

كما يتوقف حقي عند عملي الحكيم: أهل الكهف وعودة الروح، ويحلل ببصيرة ووعي إمكانات الفن عنده، رافضا آراء النقاد الذين رفعوا أهل الكهف عاليا وهبطوا بعودة الروح أرضا. كتابة حقي هي إنصات حقيقي للنصوص وتأثيراتها على المتلقي، بما تطرحه من قضايا جادّة تمسّ وقائعها، دون أن يغضَّ الطرف عن مسالبها.

 عبدالرحمن منيف الروائي المُحنَّك، وضع هو الآخر خلاصة تجربته في الكتابة الروائيّة، في كتابات نقدية عالج فيها مسائل خاصة بالرواية وموضوعاتها وأيضا فنياتها، فقدَّم أكثر مِن عمل تناول فيه أعمال سابقين، منها كتابه “لوعة الغياب” وكتاب “رحلة ضوء” وكذلك كتاب “بين الثقافة والسياسة”.

 يتحدّث منيف في كتابه “لوعة الغياب”عن شخصيات أدبيّة راحلة، متناولا أعمالهم بالدرس والتحليل، من خلال استجلاء التراجيديا في حياتهم المتمثّلة في المأساة بكافة تنويعاتها: الموت والقتل والمنفى واستبداد السُّلْطة وضيق المكان والاغتراب عن الواقع وضياع الأحلام والإخفاق عن تحقيق المشروع الذاتي في ارتباطه الجدلي بالمجتمعي والتاريخي ثم الكوني فالحضاري. في واقع الأمر هي كتابة تمزج بين الذاتي والموضوعي كما في دراساته عن سعدالله ونوس، غائب طعمة فرمان، جبرا إبراهيم جبرا، محمد الجواهري، نزار قباني، جميل حتمل، محمد الباهي، إميل حبيبي، حليم بركات، يوسف فتح الله وحسين مروة، إلى جانب شخصيتين غربيتين هما: الشاعر الإسباني لوركا، والكاتب اليوغسلافي إيفو أندريتش. في الكتاب يختبر درجة قربه من أصدقائه وهو يتناول أعمالهم.

ممارسة النقد أو القراءة لدى الروائيين تأتي بمثابة اكتشاف للمعاني المُضمَرة داخل النصوص وتحقيق الانسجام بمتعة القراءة

يَبْعُدُ في كتاب “رحلة ضوء” عن الشخصيات الأدبيّة، مركّزا على مناقشة قضايا أدبيّة مُتعلّقة بالرواية، فالقسم الأوّل من الكتاب الذي أَوْقفه على الرواية بعنوان “ضوء على الرواية”، ناقش فيه مفهوم البطولة وتطوراتها، والشخصية الروائية، والحوار، وتحدّث عن صورة المدينة في الرواية، وكذلك العلاقة بين الرواية والسيرة، والتاريخ كمادّة.

موضوعات – على تنوّعها – متصلة بإشكالية الكتابة، فمثلا عندما يتحدث عن مفهوم البطولة في الرواية، يشير إلى انحسار الدور الوهمي للبطل الفردي، وهو ما يُضفي قدرا من المصداقية على هذه البطولة، على نحو ما تجلّى في رواية المغامرات، في حين لعبت الرواية التاريخيّة دورا مزدوجا، إذْ اختارت من التاريخ النماذج الأكثر حضورا وإيحاء ولجأت إلى إعادة التكوين والتركيب ضمن نسق يجعل البطل التاريخي بديلا مُناسبا، يضرب أمثلة من كتاباته ومن كتابات آخرين.

 كما يستعرض للكثير من عناصر العمل الروائي كالحوار واللغة والبطل، ولكن من منظور تجربته الروائية، وأيضا عبر نماذج روائية عالمية. في هذا يسعى إلى إبراز ملامح التطوّر الذي لحقت بالفن الروائي دون أن يعمد إلى الجنوح للتأريخ أو حتى الإسهاب في الحديث عن عناصر العمل الروائي.

وكذلك رصده لمراحل تطوّر الرواية في بنيتها سواء على مستوى مفهوم البطل، وتحوله من البطل الفردي كما في روايات المغامرات إلى البطل العادي من نسيج الحياة، سواء أكان فارسا أم إنسانا مهمَّشا كما صوّرته الرواية التاريخيّة، إلى القفزة المهمّة في مفهوم البطل، حيث لم تعد البطولة مقتصرة على البشر، بل أصبحت الأماكن والحيوانات والأشياء مادة للبطولة. أو على مستوى اللغة، التي كانت تسير بإيقاع غير منتظم بين لغة الحوار ولغة السرد، إلى أن تجاوزت هذا المستوى، وتخلّت لغة الحوار عن عجميتها وصارت لغة قريبة معيشة، لذا نراه يُولي اللغة في الرواية أهمية كبرى، بحيث تكون لغة قوية وحيوية ومتطوّرة، وكيفية استيعاب الحوار لمفردات جديدة، ومرونتها في التعامل مع اللهجات بموازاة للفصحى.

كما يعتبر أن الروايات المغرقة في محليتها، تُشكّل حاجزا بين الرواية ومداها العربي، ومن ثمّ يحكم عليها بأنها ليس لها مستقبل. وبالمثل العربية الفصيحة المقعرة لا تمثّل الصّدق المرجو في العمل. ولذا يميل إلى اللغة الوسطى لأنها الأقرب إلى الواقع.

نظرة منيف للغة واستخداماتها في النص الروائي ما زالت تمثّل معضلة لكتاب الرواية الآن، فكثير منهم يميلون إلى اللهجة العامية، وبعضهم يميل في كتابة الرواية التاريخية، إلى لغة المدونات والحوليات، ظنّا منه أنه ينقل القارئ إلى أجواء العصر، دون أن يدري أنه يعمل على إبعاد القارئ عن النص ذاته. ما تناوله منيف يأتي من واقع تجربته كروائي، ومن ثم نراه يضرب الأمثلة عن كتابات موضحا ما يريد إيضاحه، وهو ما يجعل من النقد أشبه بالإبداع ذاته.

وصايا ومقاربات عالمية

استجلاء التراجيديا في حياة شخصيات أدبيّة راحلة
استجلاء التراجيديا في حياة شخصيات أدبيّة راحلة

تحت هذا العنوان كتب الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو “ست نزهات في غابة السرد”، هي رحلة روائي في غابات السرد منصتا لكافة الظواهر المتعلّقة بالعملية الإبداعيّة، مستندا إلى مفهوم الغابة بإيحاءاتها المتنوّعة، وباحثا في مفهوم القارئ وأنواعه، والمؤلف واستراتيجياته التي لا تنتهي. الكتاب في أصله هو المحاضرات الست التي ألقاها عام 1993 في إطار برنامج “قراءات نورتون الست” الذي تنظمه جامعة هارفارد، ومن قبل تحدّث في أشبه بوصايا تحت عنوان: “آليات الكتابة السردية”، وبالمثل في “اعترافات روائي ناشئ” الذي هو أشبه بحكاية السيرورة أو سيروة البناء. إيكو يُقدّم مقارباته الشخصيّة، وفهمه لطرائق الكتابة مستعينا بأمثلة من روايات عالميّة، وأيضا من مشاهد من رواياته، وحالة الجدل بين ما يتصوّره، وما يفهمه أو يكتشفه المتلقي.

 على نفس الخط يُقدّم الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو “ست وصايا للألفية القادمة: محاضرات في الإبداع”، وهي المحاضرات الخمس (الخفة، السرعة، الدقة، الوضوح، التعدديّة) التي قدّمها في برنامج المحاضرات السّت، إلّا أنّ القدر لم يسعفه لتقديم المحاضرة السادسة عن الاتّساق. كالفينو خرج من عباءة الروائي، وحلّ محل الناقد فيتحدّث برؤية مستقبليّة عن مصير الأدب في الألفية الجديدة، أو كيف نحافظ على الأدب في عصر التكنولوجيا.

وبخبرته الروائية يراهن على الأدب، فيقول إنّ هذه الرؤية المستقبليّة لن يمنحها إلا الأدب ولكن بوسائل ملائمة له. فيتحدث في كتابه عن الخفّة في الأدب ويعتبرها من قيم النجاح لا من قيم الفشل، مستعينا بالكثير من الكلاسيكيات والأساطير التي تُمجّد الخفّة وتمنحها الانتصار الأخير على قيم الثّقل. بل يشير إلى جماليات الخِفّة، في مقابل الثُّقل، ويرى أن ثمّة اتجاهيْن في الأدب الأول يمثّله اتجاه الخفة والثاني يمثله اتجاه الثقل.

 يتنقل كالفينو بين لغات متعدّدة وثقافات مُختلِفة بحثا عن القيمة الأدبيّة الأكثر تواترا وترددا في النتاجات الأدبيّة، من شعر وقصة ونقد وفلسفة وعلوم، محاولا – كما يقول المترجم – الكشف تحت تعدّد الأزمنة والأمكنة سمات التجربة الإنسانية الأكثر جوهرية كما عبّرت عنها العقول في مختلف الأزمنة.

كما تظهر – في الكتاب – خبرته عبر رسائل يوجّهها للكُتَّاب الشّباب هكذا “على كل كاتب شاب أن يمثّل زمنه في أدبه”، وأيضا في تشبيه للحديث بالمَسِير، إشارة إلى انسيابيّة النص وما تحقّقه من متعة للقارئ على نحو ما تحدُّده سرعة سير أي وسيلة نقل تُحدّد راحة الراكب.

رحلة روائي في غابات السرد
رحلة روائي في غابات السرد 

 ميلان كونديرا الروائي الفرنسي من أصول تشيكية صاحب روايات: البطء والكائن الذي لا تحتمل خفته، والمزحة، والخلود وغيرها من أعمال روائية يقدّم هو الآخر مقارباته النقدية، عبر ثلاثية حول الرواية هي: “فن الرواية، والوصايا المغدورة، والستارة” (ترجمها بدرالدين عردوكي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، 2007)، تنطلق الكتابة عنده من مفهومه الشخصي عن الرواية الأوروبية، وهو ما ظهر في المقالة الأولى “ميراث سرفانتس” من كتاب “فن الرواية”، فهو يَنْأَى عن عالم النظريات، على نحو ما يؤكّده في مقدمة الطبعة الثانية، بقوله “عالم النظريات ليس عالمي، وهذه التأمّلات هي تأملات حِرفيّ” فهو يكتب “رؤية مضمرة لتاريخ الرواية، فكرة عمّا هي الرواية”، ولكن هذا لا يمنع أن تتصل هذه الكتابات بمقولات فلسفيّة وتاريخيّة تبدأ مع هوسرل وديكارت في الفلسفة، ومع سرفانتس ورتيشاردسون، وتولستوي وجويس في الرواية.

 تأمُّلاته في الرواية تجعله يضيء المناطق المعتمة، أو بمعنى أدق المناطق التي يجب أن تطرقها الرواية، ومع أنها أشبه بتأملات شخصية غير ملزمة، إلا أننا نستطيع أن نخرج من جملتها بآراء مهمّة عن الرواية، فمسألة بحثه عن الرواية هي – في الأصل – بحث عن جوهر الإنسان وكينونته، وهما ما تكشفهما الرواية، ويرى أن الرواية التي لا تكشف جزءا من الوجود لا يزال مجهولا هي رواية لا أخلاقيّة، إن المعرفة هي أخلاقية الرواية الوحيدة.

 أورهان باموق دخل المغامرة النقدية وقدّم قراءات لأعمال روائية أحبّها في كتاب “ألوان أخرى” فتحدث عن ألف ليلة وليلة، وعن محبة فيكتور هوغو، كما يُبدي ولها خاصّا بدوستويفسكي، فيخصُّه بقراءة لثلاثة من أعماله، هي “مذكرات من تحت الأرض”، واعتبرها “بهجة الانحطاط”، و”الشياطين” في رأيه “أعظم الروايات السياسية”، والرواية الثالثة هي”الإخوة كارامازوفا”، ويتحدّث عن القسوة والجمال والزمن في روايتي ناباكوف “آدا، ولوليتا”، وتشمل قراءاته ألبير كامو، وعالم توماس مان، وماريو فارجاس يوسا وأدب العالم الثالث، وصولا إلى سلمان رشدي وآياته الشيطانيّة.

تأريخ للفن القصصي المصري الحديث
تأريخ للفن القصصي المصري الحديث

 قراءات باموق لهذه الأعمال تأتي من وَقْعِ صداها على نفسه، فاكتشافه لدوستويفسكي، هو أشبه باكتشاف الحبّ للمرة الأولى، بتعبير بورخيس، فرواية “الإخوة كارامازوفا” على سبيل المثال جعلته لا يشعر بأنه وحيد في هذا العالم، وفي نفس الوقت جعلته عاجزا ومعزولا عن الآخرين. كما أنه يستنتج من هذه الأعمال فضيلة الأدب، كما جسّدتها “مذكرات من تحت الأرض” لدوستويفسكي.

 في كتابه “الروائي الساذج والحساس” وهي جملة المحاضرات التي شَارك فيها في برنامج (تشارلز إليوت نورتون عام 2009) على الرغم من ميل باموق في المحاضرات إلى الحديث عن كتابته الروائية، إلا أنه لم يجعل الأمر شخصيّا، فمع ضرب الأمثلة بأعماله الخاصة، يستحضر – في الوقت ذاته – أمثلة من نماذج مختلفة، مما عرفه أو قرأه من كتاب آخرين. فتأتي كتابته وكأنها سياحة في عوالم الرواية الثرية، وبعين الروائي المحترف يُجلي العناصر المشتركة بين الرسم وتفاصيل الرواية، وبين السينما وخيال القارئ، وبين القارئ وزائر المتحف، وبين المتحف والرواية. دون أن ينسى التطرُّق إلى عناصر الرواية الأساسيّة: المكان الفيزيائي والمكان الروائي، والشخصيات الروائية والحبكة، والصور والأشياء.

كما يُمرّر من خلال مقارباته معلومات عن تاريخ الرواية وتطورها وتأثيرها الاجتماعي، والدور الذي لعبته الرواية منذ ظهورها. يستعين باموق بالكثير من المصطلحات السّرديّة إضافة إلى ما يسكّه منها، لكن يأتي تمرير واستخدام هذه المصطلحات لدى باموق بلغة سهلة بعيدة عن التكلُّف والغموض.

 في الأخير، يُقدّم الروائيون النُّقاد تعريفات مهمّة للرواية بعيدة عن تعريفات النُّقاد، فالرواية عند باموق مثلا هي: حياة ثانية مثل الأحلام، وهي عند كالفينو بحث عن جوهر الإنسان وكينونته، وأيضا بحث عن المعرفة، وعند كونديرا هي فعل معرفة، والروائي يكشف عن جانب مخبوء من الطبيعة الإنسانيّة.

 وكأنّ الروائيون – في نظرتهم للأجناس – لا يتمسَّكُون بالشروط الماديّة، وإنما يبحثون عن المعنى الكامن أو التأثير الذي تتركه الرواية في عقول وأرواح قرائها، على نحو تساؤل باموق عن الاختلاف بين تأثير قراءة رواية ومشاهد فيلم، أو حتى عند النظر إلى لوحة، والإصغاء إلى الشعر. ومن ثمّ تأتي ممارسة النقد أو القراءة لدى الروائيين بمثابة اكتشاف للمعاني المُضمَرة داخل النصوص، والإمساك بإيقاع الحياة، وتحقيق الانسجام أو الاتساق بمتعة القراءة.

13