الروائيون بائعو الأوهام

الاثنين 2016/12/05

هل يمكن بيع الماضي؟ هل يمكن شراء أنساب مجيدة عبر شراء حكايات ملفٌّقة عن أجداد مفترضين؟ هل يمكن التحايل على الزمن ونسج روايات عن تواريخ متخيلة؟ هل يكون التاريخ بضاعة للبيع والشراء وعرضة للتلفيق والتحايل؟ أي لعبة ينهض بها اللاعبون بالتواريخ والأزمنة والشخصيات والمصائر؟ هل يتحوّل تبييض الماضي إلى لعنة مستقبلية سوداء على المزوّرين..؟

هذه بعض الأسئلة التي يثيرها عدد من الروائيين في أعمالهم الروائيّة التي تنبش بنية الزيف والتزوير التي تسود في واقع الفساد، وبخاصة في الحقب والأزمنة التي تنتعش فيها الأكاذيب وتطفو شخصيّات وجدت نفسها في واجهة الأحداث منقطعة عن ماض يكفل لها الاستمرار.

الروائيّ الأنغوليّ جوزيه إدواردو أغوالوزا أثار في روايته “بائع الماضي” أسئلة مقاربة تنبش صميم عملية تزوير الحكايات واختلاق بطولات لافتة أو أنساب مجيدة بغية إلباس أصحابها زيّا مخادعا ليمارسوا من خلاله تضليلهم وتمريرهم لغاياتهم الآنية والمستقبلية، ويحققوا عبره أهدافهم المتمثّلة في البحث عن السلطة والنفوذ والاعتبار.

وكان إيكو قد أطلق سهام التشكيك الروائيّ بالتاريخ المدوّن برمّته في روايته “مقبرة براغ”، فكان بطله سيمونيني مثال المزيّف المزوّر بائع الحكايات والأكاذيب ومختلق الأساطير، لدرجة أنّه غدا بنفسه أسطورة زمنه المزيّفة.

هناك عدد من الروائيين العرب اشتغلوا في أعمالهم على ثيمة التزييف الذي يتعرّض له التاريخ، سواء الرسميّ الذي تدوّنه السلطة، أو الشخصيّ الذي يبحث أصحابه من خلال تلفيقه عن مجد متخيل أو سلطة مفترضة منشودة، من هؤلاء العراقي مرتضى كزار في روايته “السيد أكبر أصغر” التي تناول فيها جزءا من الحيل التي يلجأ إليها بعض الباحثين عن أمجاد ماضويّة متوهّمة، بحيث تكون شجرة النسب التي يراد رسمها عتبة لدخول زمن الخديعة والإيهام.

كما عالج الإرتري حجّي جابر في روايته “لعبة المغزل” مسألة اللعب بالوقائع والتواريخ وتلفيق حكايات أو تحويرها بما يجعلها ملائمة لتوجّهات السلطة الحاكمة التي تحكي حكاياتها المقدّمة على أنّها الأصدق، والتي يكون من شأنها التضليل بدورها، والإيهام باستحقاقها وجدارتها بما هي فيه، أو بما وصلت إليه. وتدور الحكايات حول الطاغية الذي يتدخّل في رسم صورته المعظّمة عبر الشطب والتزييف والادّعاء.

يبرز الروائيّون أنّهم ليسوا بائعي كلام بل هم نازعو أقنعة المتوهّمين المضلّلين، ويؤكّدون في أعمالهم أنّ اللعب بالتاريخ جزء من اللعب بالمستقبل، وتحديد للمسار الذي ينبغي أن يسير عليه القارئ والمتابع واللاحق، وتغيير مسموم يدخله المتلاعبون على الزمن، كما أنّه جزء من عمليات بيع وشراء لأشياء لا تقدّر بثمن.

كاتب من سوريا

15