الروائيون والمعماريون يواجهون قذائف الحرب وجرافات السلام

المعماري يحول الخيال إلى واقع، بينما يحول الكاتب الواقع باختلاف عناصره البشرية والمادية إلى خيال.
الأربعاء 2020/02/19
المدينة ليستالمدينة ليست عمارة وحسب لكنها مجازات أيضا (لوحة للفنان نجيب بالخوجة) عمارة وحسب لكنها مجازات أيضا (لوحة للفنان نجيب بالخوجة)

ليست المدن بنايات مادية فقط، بل هي أيضا بنايات غير مادية، إنها ذروة التحضر التي تصقلها المجتمعات دائما وترعاها بالترميم والإضافة وغيرهما، ولذا فإن انهيار المدن هو انهيار جهد حضاري كامل، انهيار ثقافة وتاريخ وجماليات وحكايات وأثر بشري. لذا يواجه الفن انهيار المدن ببنائها دائما واستخراجها من حالتها الواقعية إلى حالاتها الأيقونية. هذا مثلا ما عرفته باريس في رسومات وكتابات كثيرة.

حين كتب الروائي المغربي محمد خيرالدين روايته الأولى “أغادير”، استهدف تركيب ملامح مدينة هدّها الزلزال سنة 1960، كانت ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت بقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة في شوارع المدينة المنكوبة.

كان ما حدث زلزالا رهيبا محا معالم المدينة، ثم لحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض.

مدن في الروايات

عبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني إلى المدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب ومدن عربية عديدة اليوم، لعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي إلى الوقوف ضد الحرب، وضد العودة إلى بدايات تائهة.

في الرواية نعثر على تفاصيل أمكنة، شوارع ومقاه وعمارات وحدائق ودور سينما ومكتبات وبارات ومطاعم، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المتخيلة، لتغدو تدريجيا مدنا متخيلة، تنتمي إلى ذاكرة وزمن وطراز عمران، وإلى ذوق وقيم اجتماعية، ونمط عيش، واقتصاد مالي، ليست “سان بترسبورغ” المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، التي هي ليلينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة “لوسيمافور” بمرسيليا، حول ما جرى في الأسبوع الدامي من حصار “كومونة باريس” سنة 1871، يقول “هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين، في أي حال لن يتأخر سقوط مونمارتر… على التمرد أن يُسحق في مهده. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، ستكون هناك حفنة من الباريسيين من تبكي عليه… هو ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس”.

انهيار المدن هو انهيار جهد حضاري كامل، انهيار ثقافة وتاريخ وجماليات وحكايات وأثر بشري. لذا يواجه الفن انهيار المدن ببنائها دائما واستخراجها من حالتها الواقعية إلى حالاتها الأيقونية
الأدب إذا لمس المدن يحولها إلى أيقونات حية

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوما أنه ثوري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهيارا لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديرا بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية إلى العمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الانتفاضات العربية، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المُمحى والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وقبلها بسنوات كانت روايات الحرب الأهلية في لبنان تعيد تشكيل خارطة بيروت المنزاحة إلى اليباب.

المعماري والكاتب

قبل أربع سنوات احتضن متحف “سرسق” في بيروت حوارا نظمه “المركز العربي للعمارة” و”بيت الكتب”، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة “بدايات”.

دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معا في جبهة واحدة لاستعادة بيروت من مشروع إنشاء مدينة نقيضة هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها.

وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت إلى الأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل.

ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإياس خوري يختصر كل شيء. يقول “نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتا أم مقهى أم شارعا، نحوّل هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحوّل الخيال واقعا، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتابا نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا”.

14