الروائيّ واستشراف المستقبل

الاثنين 2017/02/06

يكاد المستقبل يغيب عن اشتغالات الكثير من الروائيين المعاصرين في العالم العربيّ، ممّن يظلّون أسرى الماضي، يهاجرون إليه في أعمالهم بحثا عن أمان غائب، في مسعى للتهرّب من الاستحقاقات التي يفرضها الواقع والمستقبل عليهم، يتجاهلون الحاضر بثوراته وحروبه وجنونه وأحلامه وكوابيسه، يرتحلون إلى أزمنة بعيدة مؤثرين سلامة مفترضة على الواجب الذي يلقيه على عاتقهم موقعهم الذي وضعوا أنفسهم فيه، كحملة لنيران الفكر والحلم والكلمة معا.

لا يخفى أنه قد يكون شيء من التوجّه نحو الماضي ماثلا في البحث عن جذور الإشكالات التي لا تزال فاعلة مؤثّرة في حياة العربيّ والشرقيّ عموما، سواء كانت متعلٌّقة بطريقة فهمه وتفسيره وتأويله لأحداث ذاك الماضي وأساطيره، أو محاولة إزالة البعض من غشاوة تبدو متراكمة بفعل ممارسات المستبدّين من رجال دين مستغلّين وطغاة يستغلّون الدين ورجال الدين معاً في سبيل إدامة سلطتهم وامتيازاتهم.

هل يستقيم التفكير بأيّ تصوّر للمستقبل من دون نبش الماضي وإزالة التقديس عن الكثير من وقائعه وشخصيّاته في محاولة لفهم ملابساته وتفاصيله، وما قد تخبّئه من أسرار من شأنها تمهيد عتبة أولى من طريق شاقّ طويل نحو البحث عن الصورة المستقبليّة المأمولة.

هل يُنتظر من الأديب أو المثقّف أن يقوم بحلّ مشكلات قرون وقرون، وكيف له أن يساهم بتعبيد طريق فكريّ نحو مستقبل مغاير لخطّ الماضي الملغوم؟ ألا يتمّ تحميل المثقّف أكثر من طاقته بزعم امتلاكه لرؤوس أفكار قد تلعب دورا، مهما بدا صغيرا، في تخطّي عقبات التاريخ والمضيّ في درب الأحلام التي قد تجد تجسيدا على الأرض لا الآلام التي تتغوّل وتظلّ تنكأ الجراح..؟

في الفترة الأخيرة ظهرت أعمال لروائيين عرب اشتغلوا على هواجس المستقبل وحاولوا استشراف التغييرات المحتملة التي استقرأوا جوانب منها في أعمالهم، استشرفوا المستقبل انطلاقا من وقائع ماضية وحوادث راهنة. من هؤلاء الروائيين واسيني الأعرج في روايته “العربي الأخير 2084”، المصري محمد ربيع في روايته “عطارد”، واليمني حبيب عبدالرب في روايته “حفيد سندباد”.

بالنظر إلى الخطوط التي بنيت عليها بعض الأعمال، يمكن تلمّس ما استشفّه الكُتّاب من إنذار بعنف أشدّ خطورة من العنف الموجود في الواقع، وعدم القدرة على مواكبة التطوّر المتسارع في مختلف جوانب الحياة في العالم الحديث، والقعود عن المحاولة نظرا إلى الانشغال بتصفية الأحقاد المتراكمة التي لا يبدو أنّها قد تستدلّ إلى حلول أو تسويات في زمن قريب. وهنا يكون السؤال عمّن قد يكون أجدر بالمثقّف على تفكيك أحقاد التاريخ المتفجّرة ونزع القداسة عنها في محاولة جريئة للمضيّ نحو مستقبل أكثر أمانا وأقلّ حقدا وصراعا..؟

كاتب من سوريا

15