الروائيّ وتقصي أثر الهوية

الاثنين 2016/01/18

شغلت مسألة الأوراق الثبوتيّة التي تصدرها السلطات الرسميّة في مختلف الدول بال الكثير من الأدباء، ذلك أنّها تصبح بمثابة تأكيد لوجود الإنسان أو إنكاره، بعيدا عن قيم المواطنة وحقوق الإنسان.

تحتلّ البطاقات الرسميّة صفة الهوية، وتطغى عليها، وتكتسب قوّة قانونيّة، وتسهّل كثيرا من الإجراءات الحياتيّة لحاملها، على العكس ممّن يجرّد منها، إذ يبقى مركونا في زاوية الإهمال، مطالبا دوما بتلك الأوراق ليخرج عن تنكيره، ويعرّف بها، وينسب من خلالها إلى وطن.

إلى أيّ حد تساهم الهوية/ البطاقة في بلورة الهوية/ الكينونة؟ هل الهوية تختصر في تلك البطاقة التي تمنحها السلطات لحامليها؟ أين يصنّف أولئك المجرّدون من جنسيّاتهم، وبالتالي من هويّاتهم؟ أيظلّون في منطقة غائمة بين الانتماء إلى وطنهم والتعامل كحالة التجاء في الوطن نفسه؟

حالات التجريد من الجنسية حاضرة في واقع الأعمال الأدبية عربيّا وعالميا، ذلك أنّ المشكلة موجودة في أكثر من بقعة، ومتجددة، “البدون في الكويت، الأكراد المجرّدون من الجنسية في سوريا، قيد الدرس في لبنان…” وتكون الحلول المستعرضة جزئيّة لا تلبّي الحدّ الأدنى من المطالب، ما يرغم تلك الشرائح على البحث عن هويّتها بطرقها الخاصّة، التي قد تنحو نحو التمرّد أحيانا.

الروائيّ الألماني ب. ترافن يتساءل في روايته “سفينة الموتى” ضد مَن يا ترى موجّهة جوازات السفر وتأشيرات الدخول؟ من هم المستهدفون من تحديد التنقل والهجرة؟ وتراه يقول إنه في عصر الديمقراطيات المكتملة فإن الشخص الذي لا يملك جواز سفر لا يحق له الانتخاب هو مارق كافر لا يستحقّ الإدلاء بصوته. ويعتقد ترافن أن جواز السفر وتأشيرة الدخول وطريق الهجرة أصبحت كلها اليوم العقائد الراسخة التي يتوجب الإيمان بها.

يجد ترافن أنّ لكل أمة سفن موتاها، سفنا تملكها شركات مرموقة لا تعرف الخجل طالما كانت الحرب من أجل الرفاهية والديمقراطية، تلك التي تصدر جوازات سفر وتضع قيودا على حركة الهجرة والتي تكسر عزيمة عشرات الآلاف من الرجال الذين لا وطن لهم ولا يحملون هوية أو جواز سفر.

لا يخفى أن الإشكالية تخلّف دوائر متّسعة من الإشكالات، فالتجريد من الجنسية يؤدّي إلى الاغتراب عن الواقع، وعدم إشعار المرء بالانتماء إلى الأرض التي هي وطنه، وبثّ الضغينة تجاه السلطة التي تحجب عنه حقوقه، وربّما تجاه المحيطين به ممّن يحملون البطاقة التي تثبت شخصيّاتهم، وبالتالي إنسانيّتهم بحسب السلطات، في الوقت الذي تكون تلك الحقوق بمثابة أحلام بعيدة لأصحابها.

وبرغم ذلك كلّه، وبرغم الويلات التي يخلّفها العسكر والساسة، يظلّ الأدباء مواظبين على البحث عن الهويّة الإنسانيّة، ومن هنا تكتسب سلطة الأدب المعنوية حضورا وبقاء في تقصّي أثر الهوية المنشودة.

كاتب من سوريا

15