الروائي إبراهيم عبد المجيد: أطالب بإلغاء وزارة الثقافة

الجمعة 2013/11/01
عبد المجيد: في عصر عبد الناصر لم يُصادر غير كتاب واحد

القاهرة- أديب إسكندري يتنفس هواء الحرية، كثيرا ما حضرت الإسكندرية في أعماله كوطن وعالم غائب، يتمنى عودة ريادتها عاصمةً مصرية متوسطية تقود العالم مثلما كانت قديما مدينة كوزموبوليتانية تؤمن بالتعددية، تصدرت روايته "لا أحد ينام في الإسكندرية"، وفق استطلاع للرأي أجرته مجلة "ليست ميوز" الثقافية لأفضل 100 رواية في تاريخ الأدب العالمي، كواحدة من أفضل الروايات في تاريخ الأدب، والتي تناول فيها يوميات الإسكندرية منذ اليوم الأول لبدء الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الفائت وحتى معركة العلمين، إنه الروائي إبراهيم عبد المجيد الذي حل ضيفا على "العرب" فتحدث عمّا يشغله وعن مشكلات الثقافة والسياسة في مصر، وإليكم نص الحوار:

إبراهيم عبد القوي عبد المجيد خليل من مواليد الإسكندرية سنة 1946. حصل على ليسانس فلسفة من كلية الآداب جامعة الإسكندرية عام 1973. أصدر عشر روايات منها "ليلة العشق والدم" و"البلدة الأخرى" و"بيت الياسمين" و"لا أحد ينام في الإسكندرية" و"طيور العنبر"، كما نشرت له خمس مجموعات قصصية منها "الشجر والعصافير" و"إغلاق النوافذ". ترجمت روايته "البلدة الأخرى" إلى الأنكليزية والفرنسية والألمانية. كما ترجمت روايته "لا أحد ينام في الإسكندرية" إلى الأنكليزية والفرنسية، و"بيت الياسمين" إلى الفرنسية.


أهواء المثقّفين


صرح عبد المجيد في أحد حواراته مع صحيفة "الأهرام" بأنه من دعاة إلغاء وزارة الثقافة في مصر، وحول هذه المسألة يقول لنا: "عادة ما توجد وزارات الثقافة في الدول الديكتاتورية ذات الحكم الشمولي، مثل الدول الشيوعية والاشتراكية، أما في الدول الرأسمالية التي تتبنى الفكر الحرّ فإن الوضع مختلف لأنه وبنسبة 90 % لا يوجد بمعظمها وزارات للثقافة، وإن وُجدت في دولة مثل فرنسا مثلا تكون مهمتها دعم الثقافة والمثقفين وليس إنتاجها، بمعنى دعم المجتمع المدني، فإذا أراد مجموعة من الشباب مثلا عرض إحدى المسرحيات أو تقديم عروض للباليه فالوزارة تدعمهم ماديا، فدور وزارة الثقافة في فرنسا ينصب نحو دعم المجتمع الأهلي بدون تفرقة والمعيار الوحيد الذي تستحق عليه الأعمال دعم الوزارة هو جودة الفن.

بالنسبة لمصر لم يكن بها وزارة للثقافة قبل ثورة 1952، وبالرغم من ذلك قدّمت القوى الليبرالية والمجتمع الحر كتّابا عظماء كثرا أمثال طه حسين، وسلامة موسى، وعباس محمود العقاد، وزكي نجيب محمود، ونجيب محفوظ، وغيرهم.. وفي ذلك الوقت كان المجتمع المدني يؤسس وينشئ دور النشر ومؤسسات الصحافة.

ولكن بعد ثورة الضباط الأحرار سنة 1952 جاءت فكرة الوزارة بالتزامن مع المشروع الناصري القومي الذي انتصر للقومية العربية وتبنى أيضا الفكر الاشتراكي فكان لا بد من وزارة للثقافة لتدعيم هذا المشروع، وفي نفس الوقت لتقدم الثقافة بأسعار متاحة للجماهير، ونجحت الوزارة بالفعل في ذلك الوقت بعد أن حققت إنجازاتها في دار الأوبرا، ودور العرض المسرحي وأنتجت أفلاما سينمائية رائعة في فترة الستينيات مأخوذة من روايات مصرية وعالمية، ولذلك يقال عن فترة الستينيات في مصر أنها العصر الذهبي للسينما المصرية، أضيفي إلى ذلك أنها ساهمت في إنتاج الكتب بأسعار في متناول الجميع وأيضا أنتجت سلاسل ثقافية دورية، ومسرحيات، وروايات وأدبا عالميا وعربيا وفكرا سياسيا بأسعار رمزية جدا، لدرجة أنه كانت تتم طباعة كتاب كل ست ساعات.

وبانتهاء المشروع الاشتراكي والمشروع القومي وتحول مصر للنظام الرأسمالي تغير كل هذا، ومع ذلك ما زالت وزارة الثقافة قائمة ولكنها أصبحت تخضع لرغبات وأهواء من يعتلون مناصبها، فعلى سبيل المثال قد يرفض مثلا أحد المسؤولين بهيئة الكتاب طباعة أو نشر قصيدة النثر لأنه لا يحبها، وهذا ليس من حقه لأن أموال الوزارة هي من أموال الشعب، ولا يمكن رفض أي عمل إلا إذا كان ما يقدمه فنا سيئا، هناك أيضا إشكاليات أخرى تتعلق بالنزاع بين المثقفين على مناصب الوزارة، لأن كل من يتولى منصبا يتصور أنه سيخلد فيه دون الالتفات لأن تلك المناصب ملكا لكل أنواع البشر وكل أنواع الثقافة، والمحك دائما هو الجودة، وهذا لا يتحقق أبدا في ظل وجود وزارة ثقافة، لأن كل من يتولى منصبا يقوده دائما نحو أفكاره ومصلحته الخاصة ويحاول إحراز أكبر قدر من الربح غير المشروع على حساب الثقافة نفسها".


خطاب دنيوي


عن رؤيته لمستقبل الثقافة المصرية وأداء المثقفين في لجنة الخمسين، يقول عبد المجيد: "متفائل جدا بالثقافة في مصر، لأن المجتمع المدني نشط جدا ودور النشر الخاصة كثيرة للغاية، والأفلام الروائية والقصيرة والتسجيلية كثيرة أيضا، وهناك غزارة في أعداد الصحف والمجلات الخاصة التي يتم إصدارها في مصر، إضافة إلى الرسم والجرافتي وكاريكاتير الشباب والفنون التشكيلية، وهناك مواهب شابة عظيمة وأنا متفائل بها جدا؛ هناك أيضا دور مهم ومحوري تقوم به الجمعيات الأهلية والحقوقية ومراكز الثقافة الأجنبية الموجودة في القاهرة، حيث تقوم بنشر الكتب وتنظيم المناسبات الثقافية، لذلك أرى أن المجتمع المدني يؤدي دورا تنويريا جيدا يفوق ما تقوم به وزارة الثقافة نفسها، ولكننا نحب أن نذكر الوزارة باعتبارها قطاعا عاما ولذلك فهي دائما مستهدفة في الحوار.

وبالنسبة للمثقفين في لجنة الخمسين المنوطة بتعديل الدستور فقد تم اختيارهم بعناية فائقة وهم يعرفون جيدا أدوارهم وأهدافهم من الانضمام لتلك اللجنة، ويجب أن يعلموا أيضا أن الدستور ليس للمثقفين فقط، وإنما للأمة المصرية على اختلافها وتنوعها؛ المثقفون يمثلون الوضع الثقافي كما يمثل القضاة والفلاحون والعمال أوضاعهم، دون أن يرفعوا كفة انتماءاتهم المهنية والفكرية على حساب الفئات الأخرى من الشعب، فحق العمل والمعاشات المتميزة لكل الشعب.

ولديّ تحفظ على وجود ما يسمى بالوزارات السيادية، لأن السيادة للشعب وليس للوزارات وينبغي أن تخضع الوزارات كافة لرقابة الشعب، وأرجو وأتعشم من المثقفين أن يعوا ذلك جيدا".

سألنا عبد المجيد عن توقّعاته بخصوص إمكان تغيّر لغة الخطاب الديني بعد رحيل الإخوان المسلمين، وهل ستتغير نحو الاعتدال أم سيظل شبح التشدد الديني مسيطرا لفترة طويلة، فقال: "لا يمكن أن نسميه بالخطاب الديني، بل هو هوس دينيّ لا أكثر، فنحن لم يكن لدينا مفكرون إسلاميون، بل كانوا دعاة يصعدون إلى المنابر وهم لا يفقهون شيئا في الإسلام أو في الدين، الخطاب الديني بحاجة إلى مفكرين مثقفين ليناقشونا من خلاله، ولكن للأسف فإن بعض المفكرين أصيبوا بآفة الهوس الديني أمثال محمد سليم العوا، وهم يرفعون شعارات شمولية فيها عداء للمسيحيين ومعاداة للآخرين بشكل فج جدا، وهذا لا يليق بمفكر من المفترض أن يكون على درجة عالية من الوعي والتسامح.

نحن لا نحتاج إلى خطاب ديني بل إننا في أشد الحاجة إلى خطاب دنيوي، لأن الناس بحاجة إلى حفظ حقوقهم وبحاجة إلى ركوب مواصلات آدمية، وحياة كريمة، ورعاية صحية جيدة، وبحاجة إلى تنظيم وتنظيف الشوارع وزراعة الأشجار، وتهيئة الحدائق.. نحن بحاجة أكثر لخطاب حب الحياة لأن الله خلقنا لنحب الحياة وليس لنكرهها، ولكل إنسان بعد ذلك حرية الاعتقاد لأن علاقة الشخص بربه هي علاقة خاصة جدا".

وحول الرسالة الثقافية الغائبة في مجتمع المثقفين، وكيف يوجه المثقف جمهوره ويساهم في توعيته، يحدّثنا هذا الروائي قائلا: "ليس هناك رسالة ثقافية، هناك حريات غائبة، فمن حق كل إنسان أن يكون حرا في رأيه؛ وكلمة رسالة انتهت بانتهاء عصر المشروع القومي الواحد، بينما نحن اليوم نكرس للتعددية، لأن التعدد هو الأساس؛ والتوعية هنا ليس لها مكان، فالكاتب ينتهي دوره بعد أن يطرح كتابه دون انتظار تعديل في المجتمع، لأن الكتاب يصبح بعد خروجه إلى المكتبات سلعة لا يمكن فرضها على الناس، نفس الحال بالنسبة للمخرج وفيلمه، فالمخرج ينتهي دوره بمجرد عرض أفلامه في دور العرض السينمائي.

أما بالنسبة للتوعية المقصودة والمرصودة والمنظمة فهي تتم بواسطة وزارة التربية والتعليم، وللأسف فإن التعليم لدينا لا يمتلك آليات التثقيف والتوعية، فليس في المدارس مكتبات مفتوحة ولا يذهب الطلاب إلى المكتبات، لأنهم لا يمتلكون وقتا ويريدون الحصول على مجموع عال، ولم تعد المدارس جهات تنويرية كما في الماضي عندما كانت تقدم الشعر والنثر والموسيقى والمسرحية والرحلات.. كل هذا انتهى للأسف".


لا للدولة الأمنية


وانتقالا إلى الشأن السياسي المصري ذكرنا لعبد المجيد أن بعض المحللين السياسيين والمراقبين يرون أن ما حدث في 30 يونيو يعد انقلابا، فقال: "لديّ مقال كتبته تتلخص فكرته بأن الرئيس الأسبق حسني مبارك انتهى من الحكم وسلم الدولة للمجلس العسكري السابق، وبدوره استلم المجلس العسكري الدولة في أيام الثورة ومنحها بعد ذلك إلى الإخوان الذين انتقموا من الثورة وسلموا البلاد مرة أخرى إلى النظام القديم كافة بما فيه من بوليس وجيش، وقد تم ذلك بإرادتهم العشوائية التي ليس لها معنى غير قوة الدولة الأمنية المرفوضة حاليا، حيث راهنوا على التحالف مع النظام الأمني كما فعل مبارك من قبلهم، ولكن الثورة كانت أقوى من الجميع وأنا متفائل".

وحول مدى تأثير الدولة الأمنية سلبيا على الثقافة، قال محاورنا: "دولة عبد الناصر كانت أكبر دولة أمنية، ومع ذلك فقد كانت كل الكتب الممنوعة في الاتحاد السوفيتي -وهي دولة شيوعية- موجودة في مصر وبرغم أن البلاد كانت تحت الحكم الاشتراكي، لم يكن هناك تضييق على حرية الفكر، ففي زمن عبد الناصر لم يصادر إلا كتاب واحد للدكتور مصطفى محمود عنوانه "الله والإنسان".

أما في عصر مبارك فقد امتلأت المحاكم بالدعاوى القضائية التي أقامها من يسمون أنفسهم بالإسلاميين، ضد أفلام يوسف شاهين، وشعر عبد المنعم رمضان، وحلمي سالم، وأحمد الشهاوي، وأحمد مكاوي، وسمير نجيب علي وغيرهم.. وكان بعض القضاة يستجيب والغالبية الأخرى لم يستجيبوا لتلك الدعاوى".

15