الروائي التونسي عمار الجماعي: لحظات الاحتضار تغريني بالكتابة

الأربعاء 2014/04/16
الجماعي: زمن الرواية متداخل لا فقط لأسباب فنية بل لرؤية عميقة لما يحدث

تونس - “أوتاد … في خيمة القول الحزين” قد جعلها كاتبها التونسي عمار الجماعي رواية، وقال عنها مقدّمها “عجنها من قليل اللفظ ومن أَدَلِّهِ فجعلها قصيرة كقصة، ولكنّه غطى بها زمن رواية، فجاءت رواية في جسد قصة”. وهي بين هذا وذاك نحتها كاتبها من صخر اللغة ووجدان الإنسان. “العرب” التقت عمار الجماعي، لتتحدث إليه حول مولوده الجديد وعن تجربته الإبداعية وعن المشهد الأدبي في تونس بعد الثورة، فكان الحوار التالي.

“أوتاد.. في خيمة القول الحزين”، باب ينفتح على تاريخ لم يدوّنه مؤرّخو المدن، فينطلق في رحلة البحث عن الحوادث على لسان الراوي “عبدالله الجمل” فيشدّه إليه، ليعرّيه ويفضح حقيقته التي كلّما ظهرت خباياها احتقر نفسه أكثر… إلى أن يكون “منتصف جانفي (يناير) الرهيب” وفي “منتصف الشارع الرئيس” أين تداهمه الوجوه محيطة نحو البناية الرماديّة تكتب تاريخا جديدا يكشف له بلاهة ما كان يكتب من تاريخ مشوّه فلا يضيره أن تتناثر ورقات رسالته تحت أقدام “الجموع” في هذا المربّع نقف مع كاتب الرّواية عمّار إبراهيم الجماعي، الأستاذ المشغول بهمّه الوطني.


أبحث في العمق


لنبدأ من التأمّل خارج الرواية، أوّلا وقبل الدخول في التفاصيل هل هي “أوتاد…” أم “في خيمة القول الحزين” أم هي أوتاد في خيمة القول الحزين”؟، يقول الجماعي: «ليس أصعب على الكاتب من صياغة عنوانه لأنّه “اسم” يبحث عن مسمّى. وقد عاشت الرّواية في أغلب فترات كتابتها باسم غير اسمها هذا.. كانت ” تعالوا أحدّثكم عن بلقاسم الفلاّق”.

وجدت فيه قولا صريحا مباشرا واختيارا أجناسيّا يضرب في عمق القول القديم. ولكن غلب عليّ المجاز فرأيت في جملة جاءت عرضا خير ما أسمّي به. هي إذن “أوتاد ” من جهة كونها إرساء لقول وتثبيت له في أزمة القول الصريح وهي أيضا “في خيمة القول الحزين” من جهة كونها تجعل من الخيمة رمزا لأصالة وبداوة أنتمي إليها وأحاول استعادة قولها الفصيح الحزين وصوغه. وهي معا في كلّ الأحوال كفرس امرئ القيس».

الرواية سيرة غيرية، وفي غيريّتها انفتاح على الإنسانيّ في أوجاعه وعذاباته

الغلاف الخارجي جاء يحصر زمن الرواية بين وجه بمنزله حيث عاش وبين قبره حيث دفن فهل هي تفصيل لحياة البطل من الحياة إلى الممات، عن هذه المسألة يقول جماعي: “هيّ شيء من هذا أو بعضه. فالرواية تمتدّ على قرن ونيف في زمانها. تبدأ من نقطة ضائعة في زماننا القريب لتراوح بين أول القرن الماضي ومنتصفه وأواخره.

ولهذا فالزّمن متداخل لا فقط لأسباب فنيّة بل لرؤية عميقة لما يحدث. فنحن أبناء الأمس والأمس ليس مجرّد مقدّمة تاريخيّة إنّه أيضا ما نصنعه اليوم. وأهم من يعتقد في القطيعة وأكثر وهما من لا يرى إلاّ أمامه كبغل المعصرة. لكلّ هذا جعلت صورتيّ الغلاف معبرا للتاريخ لا اختزالا لحياة فرد مفرد. التاريخ عندي هو علم اكتشاف التداخل وفهمه”.


صاحب الدغباجي

جاء في مقدّمة الرواية قول “جعلها قصيرة كقصة.. ولكنّه غطى بها زمن رواية، فجاءت رواية في جسد قصة.” فهل تصنّف “أوتادك” ضمن الرواية أو ضمن القصة الطويلة أو إنها صنف بين هذا وذلك؟ ، هنا يقول الجماعي: «أنا ممّن يميل إلى “الرّواية المتوسّطة” في غير انتقاص لبقيّة الخيارات. وأحسب أنّ المرحلة لا تحتمل التفاصيل أكثر ممّا تميل لـ”جوامع الكلم”. كان الخيار عندي “الاقتصاد في القول” بمعنى بلاغته التي أستمدّ قوّتها من الاتّكاء على “فصاحة العامية”.

أحسب أنّ الجانب البلاغيّ المتمكّن من جمال العربيّة القادر على اختزال القول وإشباعه بالإيحاء والرّمز لا يحتمل الإطالة والاستغراق في التفاصيل. التفصيل عندي ذو دلالة فقط. ولهذا أنت واجد في روايتي هامشا كبيرا أتركه للقارئ ليزيد وما نصّي إلاّ محمل للتّأويل».

بناء الرواية يقوم على استحضار فترة بداية القرن بتتبع سيرة أحد أبطال المقاومة الشعبيه “بلقاسم الفلاّق” رفيق الدغباجي.. فهل يمكن اعتبارها من قبيل قصة السيرة، يقول الجماعي حول هذه النقطة: «هي إن شئت سيرة غيريّة.

وفي غيريّتها انفتاح على الإنسانيّ في أوجاعه وعذاباته. قضيّة الحبّ والإيثار والقيم العظيمة. هيّ قضيّة الإنسان في مطلق زمانه ومكانه. فهل يوجد شيء اسمه “سيرة”؟. كلّها الإنسان».

الرواية استقراء أيديولوجي بغلاف أدبي لأسس الثورة التونسية وعواملها


لزوم ما لا يلزم

يتميّز نصّ الجماعي بأسلوب لم نعهد مثله فيما نعرف، يقوم على ضمير المخاطب المفرد “أنت” فهل هو من باب “لزوم ما لا يلزم” أم أنّه الأنسب لغاية تظهر بين ثنايا الرواية متمثلة في تعرية الذات وجلدها، والرواية تقوم على جملة حواريّة واحدة من البدء إلى المنتهى لا يلتقيان إلاّ آخر الرواية “غمرتنا -أنا وأنت- النّشوة ورقص قلبنا وبحثنا عن الكلام فلم نجد”، عن هذه المسألة يقول الجماعي: «لم نعهد الرّواية تروم هذا الضّمير “أنت” أو تحتمله. الرواية أميل لـ”الأنا” أو “الهو”.

كان هذا خيارا فنيّا وأسلوبيّا فضلا عن كونه موقفا حقيقيّا: هو خيار فنّي لطلبي “الخروج” عن الإجماع ومشاكسة النّقاد ربّما، لكن هذا الضمير “الثقيل” يتيح لك أن تصرف القول بعيدا عنك وتأخذ مسافتك من قول يدخل فيه وهان الكذب والصدق في لعبة القول. فأنت في هذا ناقل وراو موضوعيّ.

وهو في الآن نفسه موقف من القارئ “البارد” غير المعنيّ الذي يمارس عليك أنت الكاتب نوعا من السّلطة التي تسعى لترضيتها بجميل القول. “الأنت” يورّط القارئ في النّص فيصبح جزءا منه وهو مُحرج من توجيه الخطاب له، فلا مفرّ. خاصّة إذا علمنا أنّ هذا “الأنت” عنّين، فاقد لذكورته».

كثيرا ما يبلغ توظيف القصّ وأدواته وتكثيف المعاني وذروة الجماليّة خاصّة في وصف مشاهد الموت. فهل للموت عند الجماعي معنى ليس عند غيره، يقول: “الموت، هو في عرف النّاس توقّف، والحياة فسحة للحركة بين جمودين. وعندي هو علامة. لحظات النّزع تغريني بالكتابة.

ربّما لأنّي عشت بعضها. ولكنّها لحظات تُشهدك على ميلاد ما. تأخذ معاني الحياة فيها تألّقا وجمالا وترقّيا لكأنها لحظات النبوّة. لم أتعامل أبدا مع تلك اللحظة في شجنها وانكسارها.

ومن شهدت موته في الرّواية أقصد بطلي بلقاسم الفلاّق وحفيده المغدور من الذّئاب المتوحّشة وإعدام رفيقه الدغباجي، جعلت الموت لحظة تألّق نادرة. حلة نادرة من الانتصار والشموخ. لم أغفل أبدا عن عيونهم في لحظتها. ماتوا جميعا بعينين ضاحكتين. وفي هذا دلالة لذوي بصر”.


الأيديولوجيا تحرجني

شخصيات الرواية بعضها واقعيّ معلوم ومنها افتراضي خيالي لا تجتمع كلّها في متن النصّ، لكنّها جميعا تلتقي عند الوتد الأخير سردا وقبل الأخير رتبة، حتّى أنّنا ونحن نقرأ الرواية نشعر أنها تسترسل وتمضي كلها لهدف وحيد جوهري لا تكشف عنه إلاّ آخر الرواية، يقول الجماعي في هذا الشأن: «الشخصيات عندي لفيف تعود لرحم واحد. من قال أصلا أنّ هناك “شخصيات”؟ لعلّها جميعا هي “أنا” الراوي، أو بعض منه.

قضية الحب والإيثار والقيم العظيمة، هي قضية الإنسان في مطلق زمانه ومكانه

ألم يردّد بعض كتّاب الفرنجة: “إمّا “..إنّها أنا ..؟ كاذب هو الكاتب الذي يدّعي أنّه ليس جمعا لشخصياته ويكابر بالقول إنّه مجرّد مصوّر لها. هي على افتراقها النّصي واحد أوحد فرد مفرد».

الرواية استقراء أيديولوجي بغلاف أدبي لأسس الثورة التونسية وعواملها، فكيف يقيّم لنا الكاتب هذا الموقف وكيف يراه؟، يقول الجماعي: «القراءة الأيديولوجية تحرجني. إلاّ أننا نفهمها على أنّها صياغة فكريّة معرفيّة لأسس الحراك الاجتماعي الذي توّجه شعبي العظيم بثورة لا تحدث إلاّ لماما في تاريخ الشعوب. نعم، أنا متواطئ مع هذا الشعب ومؤمن بتاريخه وعاشق للحظات تجلّي إرادته “إذا الشعب يوما أراد الحياة”. وبهذا الإيمان قرأت ثورته اليوم بآليات التاريخ الذي لا قطائع فيه ولا طفرا. إنّه حركة متقدّمة لا تهدأ. والعميان الأيديولوجيون لا يرون هذه الحركة. ثورة 17 /14 كانت خلاصة اندفاع تلك الحركة. جاء الفلاّق قديما وما اعترف به النّساخ وجاءت الثورة فشكّ فيها المؤرّخون. وإنّي على يقين من أنّ فلاّق الأمس هو من خطّط لهذه اللحظة الفارقة في تاريخنا الحديث. و لقد كان في البدء ” بلقاسم الفلاّق ” وأضرابه».
15