الروائي الجزائري بشير مفتي: الرواية لبس بين الواقع والخيال

الاثنين 2015/01/26
بشير مفتي: الوطن المشتهى ربما هو وطني الوحيد الذي أعشقه وهو الكتابة

يحتل الروائي الجزائري بشير مفتي موقعا متميزا في المشهد السردي العربي، فلقد وصلت روايته “دمية النار” عام 2012 إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية للرواية، وشارك في تجربة الكتابة الجماعية من خلال كتابين هما: “القارئ المثالي” و”الجزائر معبر الضوء”، وعلاوة على ذلك فهو ناشر، يتولى مسؤولية إدارة منشورات الاختلاف، وقد صدرت له حديثا روايته التاسعة “غرفة الذكريات”. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الروائي الجزائري حول واقع الرواية.

حول مفهوم بشير مفتي لمصطلح الرواية يقول: «هل يمكن تعريف الرواية ذلك التعريف الجامع المانع كما يقول أهل المنطق؟ صراحة لا أدري. بالنسبة إليّ الرواية روايات وليست رواية واحدة، أو شكلا روائيا واحدا. لأنك عندما تقرأ روايات كثيرة تفهم أنه لا علاقة للرواية بالحجم الطويل، مثلا توجد روايات قصيرة فذة للغاية مثل “المسخ” لكافكا، أو “النفق” لساباتو، وروايات طويلة فذة للغاية؛ “الحرب والسلم” لتولستوي أو “الإخوة كرامازوف” لدوستويفسكي أو “البحث عن الزمن الضائع” لبروست. ولكن ربما الذي يوحد معظم الروايات على ما أظن هو أنها تحكي حكاية، ولا تعني الحكاية قصة لها بداية وعقدة ونهاية فقط، بل حكاية حياة أو ذات أو جسد أو فكرة، وهي حكاية لحظة مفتوحة على زمن قصير أو طويل، وفيها يمكن أن تكتب كل شيء: سيرة الآخرين، سيرتك الشخصية الحقيقية أو المتخيلة، سيرة المجتمع، سيرة الرموز. الرواية عالم مفتوح على التعدّد ومن الصعب القول: هي هذا وليس ذاك».


الرواية والشك


بما أن الرواية العربية اليوم تشهد تحوّلات كثيرة؛ الثورات العربية، التطوّر التقني الهائل، العدد الكبير من اللاجئين العرب، القارئ المتعجل، ما يطرح تساؤلا، إن كانت الرواية متصالحة مع عالمنا المعاصر؟ كان ردّ مفتي: «لا أتصوّر الرواية تتصالح مع عصرها الذي تعيش فيه، ربما تتسامح مع الماضي قليلا، لأنها ستحاول رغم كل شيء أن تنظر إليه من مسافة زمنية تجعل الروائي إلى حدّ ما موضوعيا أو على الأقل قارئا لمرحلة زمنية قراءة محددة، وإن كان معظم الروائيين يذهبون إلى التاريخ بغاية تصفية حسابهم مع ما يُسكت عنه، ويتمّ إهماله أو نسيانه، أما مع عصرها فهي في جدل مستمرّ، أو تناقض حادّ أو صراع لا يهدأ، بل يظل متوترا في غاية التوتر لأن المسافة قريبة، ولأن الروائي هو في صميم البحث عن قيمة أو معنى في زمن تنهار فيه أشياء، معاني، قيم كثيرة». ويضيف: «العصر العربي اليوم قلق ومتجهم الملامح، مخيف وعبوس، فيه عنف داخلي وخارجي، لأن القديم لم يستسلم بعد، والماضي لم يمض، ولم يعلن الحاضر عن وجهه المشرق المنتظر منه، أما المستقبل فجدّ غامض. أعتقد أن الرواية العربية تعيش مرحلة الشك والتساؤلات في مقاربتها لهذا الواقع البركاني المتفجر بالمخاوف والأسئلة».

غرفة الذكريات الرواية التاسعة التي صدرت حديثا لبشير مفتي

في رواياته هناك عدد كبير من الأسئلة، وشخصيات لا تتوقف عن أسئلتها، وهناك شخصيات انهزامية ولكنها مقاومة للواقع. يعلق الروائي بشير مفتي قائلا: «في معظم رواياتي استعملت شخصية الكاتب الذي يجد نفسه في موقع الشاهد من جهة والمتهم من طرف المجتمع- السلطة من جهة أخرى، وهذا لا يعني أنه بريء من الانهزامية، لكن بما أنه كاتب فهو حتما يطرح أسئلة مزعجة ويواجه تابوهات كثيرة: الدين، الجنس، السياسة وكأنه في حرب مع الجميع، إذ أنه يشكك في المؤسسة الرسمية وخطاباتها اليقينية، وببساطة هو يدرك أنه في معركة خاسرة مسبقا، لكن هذا دوره، وهو أن يفتح الطريق للآخرين نحو ما يراه طريقا مختلفا. أما الشخصيات الأخرى فهي متنوعة ومتعددة وتحمل معها حكاياتها وجراحها وأحلامها، أي ببساطة لا يمكن تنميط الجميع في الانهزامية، هنالك من يذهب إلى أقصى أحلامه وينتصر، وهنالك من يسقط في منتصف الطريق، وهنالك من يظل يبحث دون أن يصل إلى مبتغاه».

بشخصية رضا شاوش في رواية “دمية النار” ثمة بعد فلسفي، فهل أصبحت الرواية اليوم تأملات في الفلسفة والفن والعقائد أكثر منها سردية روائية؟ يقول مفتي: «الرواية كما أخبرتك سابقا هي حكاية، وماذا يحدث في تلك الحكاية، أشياء كثيرة لا يمكن تحديدها أو تصنيفها، لكن صحيح رواية “دمية النار” تتناول مسألة فلسفية، هي ما الذي يدفعنا إلى أن نختار هذا الطريق ونحن نعرف أنه طريق سيّئ؟ هل هي البيئة التي نعيش فيها؛ “والد رضا شاوش السجان هل كان له دور في ذلك؟”، هل نستطيع أن نقاوم حتميات الواقع الذي نعيش فيه؟ ولكن كل الأسئلة تطرح ضمنيا وليس بشكل مباشر، فالقارئ هو الذي سيسأل لماذا اختار رضا شاوش هذا الطريق المظلم حتى صار مجرما وسيئا ومشاركا في جريمة اغتيال بلده؟ هل هي قصة حبه الفاشلة مع “رندة مسعودي”؟ ولكن هل الفشل في الحب يدفعنا إلى أن نتحوّل؟ ما أعجبني حقا هو إقناع القراء أن هذه الشخصية حقيقية وموجودة في الواقع مع أنني تخيلتها، ولم استلهمها من شخصية قريبة أو بعيدة. وهذا يعني أنني أوصلت الفكرة أو جسدتها روائيا، لأن أهمية الرواية أن تخلق هذا اللبس في القارئ بين الحقيقي والخيالي، وبين الحلم والواقع».


فراق مؤلم


عزيز مالك في رواية “غرفة الذكريات” يبحث عن وطن في الظلام. ما هي ملامح الوطن الذي يشتهيه بشير مفتي: «غرفة الذكريات هي حكاية مجموعة من الكتاب/الشعراء الذين كانوا يلتقون قبل انفجار أحداث العنف في الجزائر عام 1990، تسرد نقاشاتهم، قلقهم، مخاوفهم، قصص الحب لديهم، جنونهم، وأحاسيسهم التراجيدية بالواقع الذي يعيشون فيه. إنها حكاية جيل وقعت التضحية به في فترة السواد العظيم. يربط بينها سرد شخص أنقذه الحظ فقط من القتل، وبقي يقتات على تلك الذكريات وهو يسردها من الحاضر متوجعا، ولكنه متأمل ومتسائل كيف حدث ذلك؟ ولماذا حدث؟ لا أدري ما هو الوطن المشتهى، ربما هو وطني الوحيد الذي أعشقه وهو الكتابة. لكن في الواقع الوطن صار فكرة ضبابية، تغيب وتؤلم أكثر».

عن الطقوس التي يمارسها بشير مفتي أثناء الكتابة يتحدّث: «شخصيا أكتب في كل مكان لا يزعجني ذلك، فمرات أضع موسيقى كلاسيكية، ومرات لا أضع شيئا، يمكنني أن أجلس على طاولة في مقهى وأكمل روايتي، أو في غرفة بيتي أو في أيّ مكان آخر. لا أهتمّ بمن حولي، عندما أكتب فأنا أندغم بشكل كليّ مع عملي الروائي. لا أدري كم أدخن من سيجارة؟ البعض يقول لي هذا خطير على صحتك، أردّ: أعرف. لكن لا أدري متى سأتوقف؟ أشرب القهوة كثيرا، وأحتاج أثناء فترة الكتابة إلى أن أخرج وأتجوّل وحدي، أتكلم مع نفسي كالمجنون، أقصد أتكلم مع شخصياتي، التي أحس أنها قريبة مني جدا، حتى تصبح وكأنها صداقات عميقة، لهذا إني أحزن أحيانا على فراقها، أقول هذا مؤلم، لكن بما أن البشر محكوم عليهم بالموت فلا مفرّ من ذلك في الرواية».

15