الروائي السعودي حسين إسماعيل يدخل مدينة الشيطان

ما زال البحث عن الحالات الوجودية بكل حمولاتها الفلسفية هاجسا للمبدعين، حيث يمكنهم أن يشعروا بكياناتهم الإنسانية من خلال سبر أعماق الأنا والآخر ضمن إطار تخيّلي يدور حول الهوية وارتباكاتها المعقدة في زمن الدولة الشمولية والثقافة الأحادية والكيانات المتصارعة، صحيفة “العرب” توقفت مع الكاتب السعودي حسين إسماعيل للحديث معه حول تجربته القصصية الأخيرة وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.
السبت 2017/08/12
الإنسان آلة وسط قساوة العالم المادي

الرياض – أصدر مؤخرا الكاتب السعودي حسين إسماعيل مجموعته القصصية الموسومة بـ”مدينة الشيطان”، وتأتي هذه المجموعة بعد روايته “بين صفحات الحياة” 2015، ويعمل حاليا على دراسة الماجستير في الفنون الحرة بجامعة جونز هوبكنز مبتعدا عن أجواء الكتابة التي تلحّ عليه بين الحين والآخر.

وتتألف مجموعة “مدينة الشيطان” الصادرة حديثا عن دار المعقدين العراقية من سبع قصص متفاوتة الطول، وقد سُمّيت المجموعة بذلك نسبة إلى القصة السابعة والأطول فيها، حيث تحمل العنوان نفسه.

الواقع والفانتازيا

يقول حسين إسماعيل عن المجموعة “باستثناء قصة ‘الشيطان’، يمكن القول بأن بقية القصص تدور في بيئة قروية مغلقة إلى حد ما، لعل من عايش بعضا من أجواء القرى أو المدن الصغيرة يستطيع الإدلاء بدلوه بخصوص ما إذا كانت القصص تنتمي بالفعل إلى تلك البيئة، ولكنها على كل حال إحدى غاياتي، لم يكن اختيار البيئة مصادفة بالطبع، بل هو نابع من قناعة أن أي كاتب لا يستطيع إلاّ التعبير عن حالة وجودية عايشها بنفسه، سواء أكان واعيا بذلك أم غير واع. بعبارة أخرى، لم يكن اختياري للبيئة القروية إلاّ محاولة لنقل تجربة معينة، أرجو أن أكون قد وفقت فيها”.

بعد روايته الأولى “بين صفحات الحياة” التي اتسمت بملامستها للواقع الحقيقي بكل ما يحمل من تناقضات وأزمات نفسية ومخاوف اجتماعية تأتي مجموعته القصصية الجديدة “مدينة الشيطان”، لتحمل مزيجا بين الواقعي والفانتازي، مقتربة في بعض القصص من تفاصيل الحياة بحقيقتها الإنسانية المتناقضة، ومبتعدة في بعضها الآخر عن كل ما يمتّ إلى الواقع بصلة، لتؤسس بذلك عالمها المتخيّل وفق شروط الكاتب الكونية الخاصة التي يبني من خلالها قوانينه الجديدة المحاطة بالترميز الذكي الذي من الممكن إسقاط تأويله على الحياة الواقعية، ولكن.. لماذا الفانتازيا؟ هل هي المتخيل الذي يتيح للكاتب أن يتكئ على “الترميز” ليهرب من الرقيب السياسي؟ هل هي العالم المأمول في تاريخ الكتابة ومآلاته الكثيرة؟ هل هي حالة من حالات الخيال المجرد؟

سبع قصص متفاوتة الطول عن البيئة القروية وتفاصيلها البطيئة

يعلّق حسين على ذلك بالقول “أظن السؤال قد احتوى مسبقا جزءا من إجابتي، ولذا من الضروري أن أتطرق إلى الأسباب الأخرى، أثناء كتابتي لـ’بين صفحات الحياة’، كنت مشغولا بدوافع ورؤى مختلفة عن التي راودتني أثناء كتابة ‘مدينة الشيطان’، سواء من ناحية الموضوع نفسه أو من ناحية الدرب الذي اختارته أفكاري، كنتُ قد عزمت منذ فترة على تجربة مختلف أساليب الكتابة واختبار قدرتي على تلوين قلمي بأكثر من لون، وجاءت المجموعة القصصية لتكون نتيجة لتلك التجارب والاختبارات”.

ويضيف “أما بالنسبة إلى الفانتازيا فقد وجدتُ فيها ضالتي في ما يتعلق بالثيمات المختلفة التي شغلت بالي آنذاك، حاولتُ عبرها ليس كتابة قصة تدور أحداثها داخل نظام شمولي وحسب، بل طرح نظرتي الخاصة في ما يتعلق بفلسفة التاريخ وتصوراتي حول علاقة الفرد بمختلف المؤسسات من حوله، وهذا ما جعل الواقع بالنسبة إليّ أكثر تقييدا في الفترة الحالية من الفانتازيا”.

وبعض قصص حسين إسماعيل تميل إلى أن تكون سيناريو جاهزا للعمل السينمائي أو التلفزيوني، حيث تفاصيل اللحظة بكل تقاطعاتها التصويرية التي تحتاجها عين المخرج لصناعة الدهشة البصرية الخادمة للعمل.

ويعتقد إسماعيل أن التفاصيل تلعب أدوارا متعددة في الأدب، حيث أن اهتمامه بها نابعٌ من قناعته بأنها قد تساعد في خلق العالم السردي في الوقت ذاته الذي تجعل فيه القارئ أكثر إحاطة بطريقة تفكير كاتبها.

ويقول “حاولتُ الابتعاد عن التفصيل في غير المواضع التي وجدتُ أنها تستحقه. فمثلا، كانت بداية قصة ‘بلاطة المؤذن’ بطيئة ومليئة بأدق التفاصيل أحيانا، وذلك كان جزءًا من الأسلوب الذي اتبعته في كتابتها أولا، وجزءا من كون تلك التفاصيل تشغل ذهن أبي صالح بالفعل، حيث نجده يهتم بأدق الأمور في ما يتعلق بمعتقداته، وأيضا، في قصة ‘عشرون دقيقة’، تطلب أسلوب المونولوغ الولوج بشكل بسيط إلى الاستطرادات التي قد تطال أيا منا دون أن يشعر، قد يختلف معي البعض في كون التفاصيل تلعب هذا الدور بالفعل، ولكن هذه وجهة نظري حول الأمر”.

فلسفة الهويات

اتكأ حسين إسماعيل في قصة “مدينة الشيطان” وغيرها على ثقافة تراكمية مستفيدا من الإرث الديني والسينمائي والروايات العلمية، حيث فتت عوالم افتراضية تجعل من الإنسان آلة وسط قساوة العالم المادي، وكأن هذه المعالجات قد تسهم في خلق السؤال الفلسفي الكبير المسؤول عن تحديد الهوية في زمن الحرب.

حسين إسماعيل: لا تزال الرواية السعودية أدبيا خاضعة للشعر، وأراها وعظية أو تبشيرية

وعن هذا الشأن يعلّق “ما زلت في الحقيقة حديث عهد بفلسفة الهويات، ولا أدعي أن المجموعة القصصية تتطرق إلى الأزمة بشكل مباشر وإن كانت تعبيرا عنها، لعلي أستعين هنا بميلان كونديرا الذي رسم علاقة وثيقة بين الأدب الحقيقي وكشف حالة وجودية لم تكن ظاهرة قبلا، بحكم أنه كان يتحدث عن الرواية الأوروبية، فلا شك أن من المجحف إسقاط تعريفه على أدب الشعوب الأخرى، فنحن حين نقوم بذلك نفترض أولا أن كل العالم يعيش الأزمات والصراعات ذاتها، ونفترض ثانيا أن تعبير الأفراد عن حالة وجودية ما يعني انتهاء الحاجة إلى تعبير آخر، وكلا الأمرين في تصوري مغلوطان من أساسهما”.

ويضيف “إذن، بالعودة إلى مجموعتي القصصية نجد أنها بطريقة أو بأخرى تعبير عن حالة وجودية عايشتها، سواء أكنت واعيا بذلك أم غير واع، لكل قارئ الحق في تقصي التجليات المختلفة لتلك الحالة في السطور، ولذا فلست أمتلك سلطانا بتوجيه القارئ نحو استقراءات دون أخرى، ولكن برغم ذلك أود القول بأن موضوع الإنسان في هذا العالم كان (وما زال) يشغلني كثيرا، فكل الصراعات والكوارث والمآسي تنتهي وتبدأ بوعيه هو، ولا شك أن من المستحيل فهم الكون انطلاقا من غير ذات الإنسان”.

ولا يرى حسين أنه مؤهل للحديث عن المشهد السردي السعودي المعاصر، فقراءاته في ما أنتجه الكتاب السعوديون قليلة جدا، وكثيرا ما بدأ أعمالا لم يتمكن من إقناع نفسه بمواصلتها. ويضيف “إذا ما أردتُ الإجابة عن السؤال من منظور قراءاتي القاصرة، فهناك نقطتان أود التطرق إليهما من خلال تجربتي. أولا، لا تزال الرواية السعودية أدبيا خاضعة للشعر، إن صح التعبير، أجدها تقترب من أن تصبح خاطرة طويلة تمتزج فيها الصور البلاغية والألاعيب اللغوية، في حين تفتقر إلى الحبكة أو الثيمة وغيرهما من العناصر التي تميز العمل الروائي عن غيره”.

ويستطرد “النقطة الثانية هي انتشار ما أسميه الرواية الوعظية أو التبشيرية، وهي التي يحاول الكاتب عبرها تمرير أفكاره بصراحة وفوقية غالبا، وفي هذه الروايات تتخذ الشخصيات بعدا واحدا لا تحيد عنه، ويمكن رسم حدود مائزة بينها، بحيث يسهل تصنيفها وفق التصنيفات السائدة في الساحة الاجتماعية، ومن خلالها يمكن تمييز وجهات نظر الكاتب وتحديد مواقفه مما يسرد. شخصيا لا أجد في الأعمال السردية المحلية ما يشبع احتياجاتي إلاّ ما رحم ربي”.

17