الروائي العراقي شاكر نوري يعثر في باريس على برج بابل

الخميس 2014/05/29
شاكر نوري يصف باريس ببرج بابل حيث تلتقي كل الأجناس والأديان والفنون

الكاتب والروائيّ العراقيّ شاكر نوري الذي أمضى في باريس ثلاثة عقود من حياته، يرسم في كتابه «بطاقة إقامة في برج بابل.. يوميّات باريس» صورة باريس من مختلف الزوايا، يغوص في أعماق التاريخ ليعرّف ببدايات تأسيسها، ثمّ يذكّر بالقادة الذين تناوبوا على حكمها، وأدوارهم ومحاولات تغييرهم للمدينة حتى تواكب العصور المتاعقبة وتتجدّد دوما معها؛ فبرج إيفل والسوربون والسين واللوفر وغيرها من الأمكنة الساحرة والمعالم التاريخيّة تمنح المرء فرصة نادرة للإبحار نحو عالم الجمال وحميمية الزمن وروح المكان.

رحلة الكاتب ليست كرحلة الإنسان العاديّ، ذلك أنّ الزائر العاديّ أو السائح يكتفي بمشاهداته واستمتاعه لنفسه، ويحتكر تلك المتع واللذائذ بنوع من الاستمتاع المتجدّد عبر المعايشة ومن ثمّ التذكّر، في حين أنّ الأديب ينقل زيارته إلى الآخرين، يشرك قرّاءه في المتع التي عاشها، بنوع من التأثير بالكلمة، تراه حين يصف رحلته يصوّر أدق التفاصيل ليجد القارئ نفسه وكأنّه كان يصاحب الكاتب في تلك الرحلة، فتراه يرافقه بها في تخيّله وتأثّره بالوصف والصور المرسومة والمتذكّرة.


مدينة العالم


لعل وعي الكاتب العراقي شاكر نوري بأن أدب الرحلة يظلّ يحظى بأهمّيّة استثنائيّة في تاريخ الأدب، وأنّ الرحلة تنطلق في أكثر من اتّجاه وتهدف إلى تحقيق أكثر من هدف، وتنهض على الاستقصاء المفترض والتصوير الدقيق، كلها أمور جعلت كتابه يتطعّم بجماليّات الأسلوب والصياغة ويتجلّى في إهاب رسالة جماليّة وفنّيّة تُحفظ للأجيال والتاريخ في متحف الذاكرة.

«بطاقة إقامة في برج بابل.. يوميّات باريس» كتاب يُحيل إلى كون صاحبه قد تغلغل في أغوار باريس، وتعرّف على تفاصيلها الدقيقة، وأبحر في عالمها الليليّ والنهاريّ، موغلا في عتمتها ومكتشفا لخباياها وكنوزها وألغازها وأسرارها، بل هو كاتب جاب شوارعها وارتحل في طبقاتها وحفر في أعماقها، وتجوّل في أروقة متاحفها وأبراجها، وتفيّأ بظلال أبنيتها ودفء مراكبها ووسائل مواصلاتها، وغاص في أنفاقها ونقل كلّ ذلك في كتابته ليوميّاته الباريسيّة.

يجد نوري أنّ باريس مدينة عالميّة، أو مدينة العالم، يصفها بأنها برج بابل تلتقي فيه كلّ الأجناس والأديان والعلوم والفلسفات والصناعات والفنون دون أن يشأ الإنسان أو الإله توحيدها، تمنحك طمأنينة المواطن دون أن تفرض عليك واجباته. تمنحك بطاقة إقامة دون أن تطالبك بتغيير جنسيّتك، وتسمح لك بالتجول في طوابق هذا البرج ومدرّجاته دون إذن بالمرور أو تأشيرة دخول.

شاكر نوي: باريس حاضرة لكنها تئن تحت تفاصيل التاريخ


برج بابل


يقول نوري عن باريس إنّها حاضرة لكنها تئنّ تحت تفاصيل التاريخ وعبئه الثقيل، وهي صرح هائل لا يتمكن المرء من تعريفه إلا بالكلمات: هنري ميلر، همنغواي، جوليان غرين، رفاعة الطهطاوي، توفيق الحكيم، سهيل إدريس وغيرهم.

يضمّ الكتاب عدّة فصول، تمتزج فيها اليوميّات بالتواريخ، وتتداخل الحكايات الشخصيّة مع الحكايات التاريخيّة، تتكامل صور الأمكنة من خلال التجوّل بين طيّات الأزمنة والحقب المديدة.

الفصول التالية هي التي يشتمل عليها الكتاب: «من جزيرة لاستيه تبدأ قصّة باريس، شعراء خطّوا تاريخها بدمائهم وقصائدهم، نهر السين ملهم الرسّامين، مصابيح الكيروسين تضيء ظلمات باريس، غرفة معلقة على البانتيون، في ظلال الكونت دو سوربون، عربات زرقاء في أنفاق ليلكيّة، محطّة أورسي القديمة تعيد أمجاد الفنّ، المقاهي الأدبيّة سرّة باريس ومفترق مصائر الأدباء، "الكوميدي فرانسيز" إمبراطوريّة تقاوم الزمن، فندق ريتز كان بيتهم الثاني، عدسة وودي ألن وأصداء أغنيات أديث بياف، لاهوشيت.. يونسكو الخالد في الحي اللاتيني، علي بابا يعانق مارلين مونرو، قطرة الذهب حيّ باريسيّ مفتاحه بيد العرب، أبنية ميتران تصدم أذواق الفرنسيّين، التاريخ يولد في غرف قصر فرساي».

يذكر نوري أنّ باريس بناها الصيّادون والبحّارة، ويعود تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، ترك إنسان العصر الحجري آثاره الأولى، ولكنّها بدأت في التكوّن منذ سنة 250 ق.م. على أيدي الباريزيّ، وهم قبيلة سلتية استقرّت في جزيرة لاسيتيه، قلب باريس حاليا، كانت بعيدة عن ضفتي النهر، بحيث أمّنت لهم ملجأ يحميهم حيث ساهمت عملتهم الذهبية في ازدهار تجارتهم. باريس أيضا كانت تسمّى «لوتيتيا» أي أرض المستنقعات، وسّعها الرومان، وعندما شقّوا شارع سان جاك وسان مارتان عثروا تحت الأرض على أبنية وساحات ومسارح ومعابد شاخصة الآن تحت متحف كلوني أو متحف القرون الوسطى.

كما يذكر أنّه في تجواله في باريس كان يرفع رأسه إلى أعلى واجهات البنايات، ليجدها مليئة بلوحات رخاميّة، تسجّل تاريخ أشخاص مرّوا بهذه المدينة وتركوا لبنة صغيرة في بناء صرحها، وقامت المدينة بردّ الجميل لهم بتسجيل أسمائهم في أعلى الواجهات. هنا عاش سيغموند فرويد، وغي موكيه، وجان بول سارتر، وجاك بريفير وغيرهم. ولو جمعت تلك اللوحات الرخامية لشكّلت مدينة موازية لباريس، بل يمكن أن تشيّد بها مدنا أخرى، وهي كذلك روح باريس وسجلها التاريخيّ النابض.

وعن كينونة المدينة، فبكثير من المرارة والألم يقول إنّه لم يجد مثل ذلك في بغداد التي يمكن أن يكون ثراؤها التليد أكثر نبضا من باريس، برغم أنّ البشر فيها سقوا مدينتهم بدمائهم، وأطفؤوا ذلك الظمأ الذي كان يلهب أحشاءها؛ نحن لسنا في مقبرة بل في مدينة، وهذه اللوحات الرخامية موجودة فيها، ولكن قراءتها في مقبرة يبعث على الحزن بينما قراءتها في المدينة يبعث على السرور.

كتاب يحيل إلى كون صاحبه قد تغلغل في أغوار باريس، وتعرف على تفاصيلها الدقيقة


ملاذ المبدعين


يقول نوري إنّ باريس -إن صحّ القول- «ثريدة فرنسا» يأتون إليها من جميع أماكن فرنسا، بل يصفها بأنّها «ثريدة العالم»، حيث يلوذ بها المبدعون من كلّ مكان، وهي لا تعرف العنصرية إزاءهم، تستقبل الشعراء والأدباء والمثقفين من كل مكان، وتحتفل بهم، وتسجّل أسماءهم في سجلّها الذهبيّ الخالد.

في حديثه عن احتضان باريس للأدباء والمبدعين من مختلف الجنسيّات والأعراق والأمكنة، يقول إنّ باريس دوّنت اسم عاشقها محمود درويش على جدرانها، إلى جانب العظماء الذين خلّدتهم على شوارعها وساحاتها وحدائقها وفضاءاتها العامّة، أمضى فيها نحو خمسة عشر عاما وأبدع فيها جلّ أعماله الشعريّة.

«نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا..».. كان هذا المقطع الشعريّ يشعّ على لوحة بساحة محمود درويش في قلب باريس التي كانت أكثر مدينة ارتاح إليها الشاعر الراحل بعد أن غادر بيروت وتنقّل في أكثر من مدينة، وقد فتحت آفاقه على تأثيرات شعرية كثيرة. ألفها وعشقها، لكنّه اضطرّ إلى مغادرتها.

يذكر في فصل ممتع بعنوان «المقاهي الأدبيّة سرّة باريس ومفترق مصائر الأدباء» أنّه وجد نفسه في مقهى كلوني وجها لوجه مع صموئيل بيكيت بوجهه المجعّد وقامته الطويلة الفارعة، كان يحتسي فنجان قهوة في زاويته متحاشيا نظرات الآخرين. وهو متوحّد مع ذاته وعالمه. يقول إنّها فرصة لا يمكنه إضاعتها، «فلا يمكن أن تصادف صموئيل بيكيت كلّ يوم. لذلك نهضت من مكاني، فحييته وقلت له: هل أنت صموئيل بيكيت؟ فأجابني: ربّما..». ويقول إنّه طلب منه أن يجري معه حوارا لكنّ بيكيت أجابه بدهشة: «يمكنك أن تقرأ كتبي، فسوف تجد الإجابات عن جميع أسئلتك».

ثمّ يسرد واقعة طريفة له مع يوجين يونسكو الذي زاره ومعه مصوّر والتقط صورا له ولبيته، ما أغضب يونسكو الذي قال له: «إذا نشرت هذه الصور سأقاضيك في المحكمة». ليكتب بعد ذلك انطباعاته وما اختزنه في ذاكرته من دردشة بعنوان «هكذا طردني يونسكو».

15