الروائي العراقي ضياء جبيلي: الرواية فن المصادفات

سيطرت الرواية كجنس أدبي لاقى ذيوعا عند القراء نظرا إلى الروابط التي خلقها بينهم وبين الكتاب، وهي روابط أكثر سلاسة جعلت النص الأدبي يصل في قالبه الروائي إلى القارئ، حيث يحكي حياته ويحاكيها ويبني عوالم متاحة للقراء بمختلف مستوياتهم في عوالم سردية خلاقة. “العرب” التقت الروائي العراقي ضياء جبيلي في حديث حول روايته الأخيرة “أسد البصرة” وعن الرواية والقارئ.
السبت 2016/09/17
الرواية ليست قبعة الساحر

خطّ الروائي العراقي ضياء جبيلي تجربة أدبية مميزة على مدى رواياته “لعنة ماركيز”، و”تذكار الجنرال مود”، و”وجه فنسنت القبيح”، و”بوغيز العجيب”، ولكن روايته الأخيرة “أسد البصرة” تعد أرضا روائية صلبة أو انطلاقة حقيقية ربما للظهور بشكل أنسب، عبر إمكانية وصولها إلى أكبر عدد من القراء، بحسب قوله. ففي روايته “أسد البصرة”، الصادرة عن “منشورات الجمل” 2016، تتجسد الهوية القلقة والمتصارعة في أرض بلده العراق من خلال بطل اختار له ثلاثة أسماء في الوقت نفسه موشي، خاجيك، وأمل، يعيش أزمة نفسية تمثلها ثلاث نساء (العمة اليهودية هيلا، الخالة الأرمنية ميساك، والأم بالتبني المسلمة حنان)، وهذه الأزمة هي جزء من أزمة كبيرة يعيشها المجتمع الكبير.

ويبدأ الروائي ضياء جبيلي حديثه إلينا معرّفا فن الرواية، معتبرا إياه فن المصادفات أو هو ثمرة وهم إنساني كما يقول كونديرا. ويتابع ضيفنا “ربما هو فن التمكن من اللاممكن في الحياة للذين يجيدون الصنعة بالتأكيد، أو هو محاولة عيش ما لم نعشه، ليس من قبيل اليوتوبيا أو من باب أنه قبعة الساحر، أو الضوء في آخر النفق ولا حتى الثقب في جدار العالم الصلب، إذ لا أحد بإمكانه الهروب من الحياة إلا بالموت. فن الرواية هو ذلك الشيء الذي يشبه الكون القادر على احتواء عوالم بأسرها في عدة مئات من الصفحات، وهو الروح الخلاقة التي لا يملكها سوى مرضى نفسيين هم في الواقع أكثر إدراكا وفهما من علماء النفس أنفسهم، وبالتالي وببساطة في البدء كانت الرواية، وحول ‘أسد البصرة’ نتحاور هنا”.

تناحر خفي

في رواية “أسد البصرة” يجسد بطل الرواية (أمل أو موشي أو خاجيك) سيرة البصرة، الأقليات المنقرضة، والهوية الوطنية التي أنهكها التعصب والعنف. ويوضح جبيلي أن شخصيات “أمل، موشي، وخاجيك، كلها شخصيات قلقة الهوية في مفهومها الغامض الذي لا يجيد الانحياز إلى جهة ما، خصوصا تلك التي تدعي أنها تنحدر منها تاريخيا وعرقيا من دون أن تكون ثمة ضرورة إلى عامل الأرض-الجذور. ومثل هذه الشخصيات لا تبحث عن مبرر لوجودها في مكان ما بقدر ما تريد أن تعيش ككائن موجود محسوس لا بهويته وإنما بحريته في زمن كانت الحرية عاهة الإنسان في واقع مخنوق ومحاصر.

الرواية فن التمكن من اللاممكن في الحياة أو هي محاولة عيش ما لم نعشه، ليس من قبيل اليوتوبيا

ولعل أكثر ما افتقده أمل، موشي وخاجيك، في حياته هو الهدف. لم يكن هناك من هدف أو عنوان واضح يمكن التوجه إليه، وربما أدرك ذلك في الوقت الذي التفت وراءه، فرأى حياة أشبه بحياة أبطال الروايات، تلك الكذبات البشعة، الخلطات السحرية، والخدع الغرائبية التي لا يصدقها ولا تنطلي إلا على الروائيين، مما وفر لأمل، موشي وخاجيك الفرصة بأن يكون لها هدف في نهاية المطاف، وهو تدوين قصة حياتها التي لا تُصدق، لكن من قبل شخص قادر على ذلك مثل ماريو فارغاس يوسا”.

وتعيش شخصية أمل صراعا داخليا بين العمة اليهودية والخالة الأرمنية وأمها بالتبني المسلمة، وهو صراع لا ينفصل عن الصراع الكبير الذي يخوضه الوطن من تعصب وحروب وبؤس. إن ضياء جبيلي يؤرخ لشعب تمزقه الانتماءات الطائفية، ويجيب الكاتب “في الحقيقة لم يكن التمزق بمعزل عن الشعب على مر الزمن.

لكنه في الماضي كان ينهش لحم هذا البلد بطريقة لم تكن خفية، إلا أنها ليست ظاهرة في الوقت نفسه. ففي الوقت الذي يكون هناك صراع بين الأديان يمكن العثور أيضا على صراع من نوع آخر يقع بين طوائف مختلفة في كل دين”.

ويضيف جبيلي “الروائي بطبيعته السجالية ليس مؤرخا، وإنما هو ناقض للتاريخ حين يحاول طمس حقيقة ما عاشته الشعوب في الماضي، ثم يتحدث عن الظاهرة كما لو أنها غريبة على المجتمعات التي يلوّن العنف كافة أطيافها. وفي ‘أسد البصرة’ تكشف الأحداث نوعا من التناحر الخفي الذي تفنده الآراء الجاهزة عن وهم التعايش السلمي”.

رواية بطلها بثلاثة أسماء عن الهوية الوطنية التي أنهكها التعصب

وحول أول شيء يقوم بوضعه عند البدء في كتابة “رواية جديدة”، يقر جبيلي بأنه الاستهلال، إذ يجرب العديد من الاستهلالات قبل أن يستقر على أحدها. ويضعه جانبا وقد ينساه أحيانا، ثم يجده مع مرور الوقت وقد تحول إلى استهلال لأحد الفصول وليس كما كان مخططا له في البداية. وفي الرواية، برأيه، لا يمكن أن يكون هناك شيء ثابت ما دمنا مستمرين في الكتابة، لأن الأشياء تتغير باستمرار وعادة ما يرضخ الكاتب لها.

حقيقة الرواية

في “أسد البصرة” و”تذكار الجنرال مود” ينطلق الروائي من خرافة شعبية. ونعتقد أن هذا من قبيل التمثيل الرمزي للواقع، ما يكشف الحقائق بشكل كبير. ويعلق ضيفنا على ذلك قائلا “الرمزية كانت في ما مضى مدرسة، أما الآن فهي تؤدي وظيفتها في الرواية على نحو مساعد. فالخرافة الشعبية، كما أسميتموها، في تذكار الجنرال مود وأسد البصرة هي ثيمة جانبية مؤثرة على الشخصيات الرئيسة، تتطور بحسب وعي تلك الشخصيات إلى أن تبلغ الحد الأقصى الذي تتحول فيه إلى عقدة نفسية أو مس من الجنون أو أوهام وأحلام وكوابيس، وأحيانا تأخذ منحى آخر يمكن أن نسمّيه منحى طقوسيا، أي أنها تتحول إلى شيء يمكن تطبيقه كحدث كما فعلت شخصية أمل، موشي وخاجيك مع أختها بالتبني بفعل تأثير الخرافة الشعبية. وبالتالي فإن الخرافات لا تعدّ كشفا للحقائق بقدر ما تمثل الجانب النفسي الذي تلقيه كظلال ثقيلة على الأفراد والمجموعات. ومن ناحية أخرى هي ترمز إلى الواقع بطريقة لا تحتاج إلى الكثير من التأويل لكي نعلم أن هذا ما حدث فعلا ومازال يحدث ويشبه أو يقترب إلى درجة كبيرة مما لا نستطيع تسميته بشكل مباشر”.

وبسؤاله عما إذا كانت الرواية اليوم تمثل وثيقة تاريخية واجتماعية لما حدث في مكان وزمن ما؟ يجيب ضياء جبيلي بالتأكيد على ذلك، ويعقب “لكنها ليست وثيقة يمكن استعمالها كشاهد تصغي إليه عامة الناس. لقد حاولت الرواية دائما أن تبتعد عن النخبوية لتتمكن من قراءتها الشعوب المغرر بها من قبل السلطات. الرواية هي الحقيقة التي مهما أظهرت نفسها إلى السطح وفضحت وكشفت يبقى الدين والسياسة هما الأكثر دعاية وتأثيرا على الرغم من أنهما من الموضوعات الدائمة التي تتداولها الرواية. إنها ضد الدساتير التي تقول ‘طبق ثم ناقش’، لكنها أيضا ليست مشاريع وهمية ليوتوبيا لن تُوجد في مكان ما”.

15