الروائي العراقي نزار عبدالستار: الكتابة تخلق الالتباس وتُنتِج الأسئلة

"مسيو داك" رواية لنزار عبدالستار مسرحها لبنان حبا في الطبيعة والحرية والجمال.
الأربعاء 2020/02/12
الروايات السياسية العربية غالبيتها مزيفة

عُرى وثيقة تربط المُبدِع بمُجتمعِه وقضاياه وإشكالياته، الراهن منها والمُنقضي. بيد أن الإغراق المُباشِر في مُشكلات الواقع وصراعاته يخلق أعمالًا روائية هزيلة فنيّا وتغلب عليها المباشرة والتقريرية، ومن ثم يتعين على المُبدع أن يخلق توازنًا في عمله بحيث لا يُقصيه عن واقعه وفي الآن ذاته يقيه من الضعف الفني. “العرب” حاورت الروائي العراقي نزار عبدالستار حول روايته الجديدة “مسيو داك” التي تنحو منحى مختلفًا في التعامل مع الواقع الراهن.

تدور أحداث رواية “مسيو داك”، الصادرة حديثًا عن دار هاشيت أنطوان لنزار عبدالستار، في أماكن لبنانية ما بين بيروت وحمّانا وبمهريه، تعمل الرواية على تعزيز رؤية غير تقليدية في التعامل مع الواقع، بدءا من موضوعها الذي يركز على التراث والحضارة والطبيعة الغناء في لبنان وإهمال التوترات السياسية التي تعج بها المنطقة العربية.

وهنا يلفت عبدالستار إلى أن الروائيين العرب يقلدون بعضهم البعض ويسيرون في الدرب نفسه بلا أي واعز بالتغيير، والشيء الأكثر سوداوية أنهم يشيعون الكآبة ويحتاجون دائما إلى حروب وثورات وانتفاضات كي يكتبون الروايات. فالتركيبة الإبداعية العربية منتمية إلى الأسطر المستقيمة وهذا ما تتطلبه المفاهيم الاجتماعية الراسخة، وكذلك الثقافات الرسمية للبلدان التي تمنح الجوائز الأدبية.

يتابع، مع رواية “مسيو داك” كسرت هذا التابو وقد فعلت الأمر نفسه في روايتي “يوليانا” و “ترتر”. أنا أؤمن بالمعرفية التي تمنح المتلقي إمكانية تشجيع القلب وحل عقدة اللسان. نحن كشعوب شرقية تدعي الالتزام، نخفي ميولنا التحررية ونعتدي بالتشويه على أساليب الحياة التي تقاطع طمأنينة القطيع، ونكتب الكثير من الروايات مع كل حرب تقع، وأنا لست ضد هذا الأمر من ناحية الاستحقاق الإنساني ولكن من العقم أن تتلبسنا همجية الحروب وتتملكنا الثرثرة السياسية.

الحروب العراقية والسورية خلقت الكثير من المآسي إلا أنني لست مع السوداوية التي تميل إلى طرف دون آخر. الكثير من الروايات مدانة بالزيف لأنها تكتب لأغراض سياسية، وبنوايا غير فنية وتديم التسطح. “ليلة لشبونة” لريمارك هي رواية إنسانية في المقام الأول وهذا ما تفتقر إليه الرواية العربية. “مسيو داك” تختلف تماما عن السائد وهذه هي الرواية التي أؤمن بها.

الرواية محاولة للابتعاد عن الأجواء المكرورة وبعض القراء اللبنانيين وجدوا أنفسهم في مواجهة شيء لم ينتبهوا إليه من قبل
الرواية محاولة للابتعاد عن الأجواء المكرورة وبعض القراء اللبنانيين وجدوا أنفسهم في مواجهة شيء لم ينتبهوا إليه من قبل

خلق الالتباس

يرى عبدالستار أن الرواية رهينة وعي كاتبها وإحساسه، والأعمال الأدبية في العموم لا تُكتب إلا بحافز التيقن وهي لصيقة بالمنظومة الأخلاقية والفنيّة للكاتب، فالروايات لا تُكتَب من فراغ، ولكن قربها من الحياة لا يعني أن أحداثها حقيقية. بالتالي، فالكتابة الجيدة تخلق الالتباس وتُنتِج الأسئلة وتحوم حولها الشكوك. ووظيفة الفن إزاحة انطباعاتنا التقليدية عن الحياة، فكل شيء يمكن أن يختلف إذا ما غيرنا زاوية نظرنا إليه.

يتحدث عبدالستار عن الأسباب التي دفعته إلى الكتابة عن مُدُن لبنانية في روايته الجديدة قائلًا “وقعت في غرام لبنان ككل الذين يقدسون ثالوث الطبيعة، والحرية، والجمال. عثرت على بلدة بمهريه أولا ثم حمّانا التي وجدتها متطابقة مع شغفي. لقد وجدت حمّانا تشبهني. نحن لا نعثر على باريس ولندن وروما، لأن هذه المدن كبيرة كالأحلام، لذلك هي معلومة حتى لو لم نزرها، أما مع البلدات الصغيرة التي تظهر لنا فجأة فالأمر يختلف تماما. أسرتني حمّانا، ووجدتها تُشبِه الأشياء التي ضاعت مني.  في أحيان كثيرة الرواية هي التي تخلق نفسها حين تتجمع كل العناصر في ورشة العقل”.

تقوم رواية “مسيو داك” على علاقة حُب وارتباط غير تقليدية بين البطلين رُبى وزياد اللذين أطلق عليهما الكاتب مسيو ومدام “داك” إشارة إلى شخصية “داك” في ديزني، وترتكز على رحلتهما المُشتركة في التعامل مع أزمة الحشرة mevia  التي تهاجم حدائق الكرز في بلدة “حمّانا” استنادًا إلى إيمان قوي بطاقة الحب وقوة الحضارة.

يُبين عبدالستار أنه قد استعان بكل مكونات الهوية اللبنانية لتسليط الضوء على فكرة الطبيعة باعتبارها البديل والحل معا، فالكثير من الروايات تناولت الحرب في بيروت والحياة الصاخبة فيها ولكنه ذهب إلى حمّانا ليقول أن بالإمكان محاربة كل الظروف الصعبة بطاقتي الإيمان والحب. كما أن الحشرة mevia التي تهاجم جنينة الكرز في حمّانا هي كناية عن الإصرار الذي نتلقاه من التعكير.

ويضيف، بلداننا تعيش بقانون الأزمات، وإذا ما بقينا نعتاش على هذا الصراع السياسي البليد فلا شيء يمكن أن يتغير.  في “مسيو داك” أردت القول أن بإمكاننا دوما إيجاد القضية والمضي إلى الهدف وهو الحياة الجديدة القائمة على الحب. كما أن العودة إلى الجذور الحضارية تمنحنا معرفة دقيقة بأنفسنا وتخلصنا من التشويه الذي نعيش فيه.

ربى وزياد في الرواية التقيا على قصة أدونيس وعشتروت، وهو حب لابد له من صنع الإرادة. في كل لقاء توأمي بين المرأة والرجل هناك فعل يرتقي إلى مستوى المعجزة. نحن البشر نعمل في سعينا إلى المباهج على رفع مستوى الطاقات وهذا يساعدنا في انتظار الغد. فمن يتابع القنوات الإخبارية اللبنانية ويذهب بعدها إلى جبل لبنان لابد أن تصيبه الصدمة فلاشيء يستوجب حدوث كل هذه الفوضى. لبنان مثلا تملك مقومات تفردها كطبيعة وحضارة وهذا ما على اللبنانيين التركيز عليه بدل الخوض في إشكالات ضبابية، وهذا ما تقوله “مسيو داك”.

أصدر عبدالستار عمله الأول في التسعينات، وينوه بأنه منذ العمل الأول “ليلة الملاك” وهو يسعى وراء آلية اشتغال بشأن يوتوبيا زمانية ومكانية، من ثم يمكن القول إن مشغله الروائي وحتى القصصي بُني على مرحلتين،  ومُجمل ما فكر فيه وتدرب عليه في الأعمال الأولى استعان به في المرحلة الثانية التي تبدأ برواية “يوليانا” الصادرة عام 2016 ببيروت عن دار هاشيت أنطوان.

نزار عبدالستار: "مسيو داك" تختلف كثيرا عن رواياتي السابقة وقد تفاجأ بها القراء في العراق ولكنهم تقبلوها باهتمام
نزار عبدالستار: "مسيو داك" تختلف كثيرا عن رواياتي السابقة وقد تفاجأ بها القراء في العراق ولكنهم تقبلوها باهتمام

فهو يؤمن بالهوية الفنية ويعني بها أننا نحتاج إضافة إلى الأسلوب وصناعة النص إلى عوالم تتشكل من الذات المتفردة للكاتب، لذلك لا يصح أن تتشابه الروايات، ومن غير المُجدي أن يكون نسخة من كاتب آخر.

ويستطرد، “مسيو داك” تختلف كثيرا عن رواياتي السابقة وقد تفاجأ بها القراء في العراق ولكنهم تقبلوها باهتمام، ولا يختلف الأمر على مستوى القراء اللبنانيين واعتقد أنها نجحت في جذب القراء بسبب موضوعها المغاير.

كنت حريصا على أن تكون هذه الرواية إضافة جديدة ليس فقط على مستوى التاريخ الروائي العربي وإنما على المستوى القرائي، فهذه الرواية ليست سياحية كما أن الكثير من القراء اللبنانيين وجدوا أنفسهم في مواجهة شيء لم ينتبهوا إليه من قبل، وهذا هو التحدي الأكبر بالنسبة للجدية الفنية التي ظهرت عليها الرواية وحجم الإقناع الذي حققته.

البناء الدائري

على مستوى الشكل، لم يتبع الكاتب في روايته “مسيو داك” البناء الخطي أو التصاعدي في السرد، فتبدأ الرواية في المكان الذي تنتهي فيه، وتأتي الأحداث بشكل غير متسلسل أو متتابع ليُعيد القارئ تشكيلها في ذهنه.. وهنا يوضح عبدالستار أن البناء يلعب الدور المهم في الروايات القصيرة، وعمليا وعلى غير المشاع يحتاج ضمير المتكلم في الرواية إلى تكنيك مكثف لموازنة شخصية الرواية مع المتلقي، فمن غير المنطقي أن تروي الشخصية كل ما تعرفه عن نفسها، لهذا فالبناء الدائري هو الأفضل ويستهويه بشكل شخصي لأن فيه مهارة ورشاقة كبيرة، ويجعل ذهنية القارئ متحفزة وحاضرة في التفكير، مشيرا إلى أنه أثناء الكتابة لا يستطيع التفكير بأحد.

ربما يفعل هذا بعد المسودة الأولى، لكنه يعتقد أن مسألة التفكير بالقارئ هي جزء من بنية الكتابة الاحترافية، خاصة إذا ما ارتبط هذا بنمو قرائي. فمع كل رواية جديدة هناك مبحث للتلقي وهذا يترسخ في ذهنه ويصبح جزءا من حرفيته الكتابية.

15