الروائي العماني نبهان الحنشي: لا خطوط حمراء في الكتابة

لا يمكن الفصل القسري بين الرواية والمجتمع الذي ولدت فيه، فهي بقصد أو دونه ابنة هذا المجتمع بكل ما يعجّ به من صراعات ومشكلات، من أفكار وأحداث، لذا فإن حضور الخيال لا يعني بالضرورة تحييد الواقع أو تهميشه، في الوقت ذاته فليست الرواية مطالبة بأن تكون انعكاسا مرآويا للواقع والمجتمع. “العرب” حاورت الكاتب العماني نبهان الحنشي عن روايتيه وعوالمهما، اللتين أبرزتا الكثير من تناقضات المجتمع العماني، فضلا عن قضايا ثقافية أخرى.
الأربعاء 2016/07/13
الخيال هو مقياس الإبداع

نبهان الحنشي، كاتب وروائي عماني مغترب يعيش في بريطانيا. نشر مجموعة قصصية “وما بكى” عام 2006 ثم ألحقها بأخرى “ظل يسقط من مرآة” (2009)، قبل أن يتحول إلى الرواية، وينشر “امرأة تضحك في غير أوانها” (2014)، ثم “ضوء خافت لذاكرة مهتزة” (2016). وهو إضافة إلى ذلك ناشط حقوقي وسياسي، غادر عُمان في ديسمبر 2012 بعد التضييقات الأمنية التي تعرض لها بسبب نشاطه ومقالاته، والتي كان آخرها السجن. وعاش متنقلا بين لبنان وتركيا قبل أن يستقرّ حتى الوقت الحالي في بريطانيا.

رواية المجتمع

في روايته “ضوء خافت لذاكرة مهتزة” تحضر التغيّرات السياسية والمشكلات الاجتماعية في لبنان بشكل واضح ضمن الرواية من خلال الراوي المغترب الذي يصطدم بواقع ليس أقل قسوة من الواقع العماني الذي اغترب عنه. وعن دوافعه للكتابة حول هذه الثيمة يقول الحنشي “الرواية كانت أشبه بتسجيل يوميات تشكلت على صورة ملامح من حياة مغترب. الثيمة التي طغت على الرواية لم تكُن من ابتكار الكاتب، بل كانت مجرد أحداث واقعية، اعتمد عليها الكاتب لتقديم رواية مطعّمة بنكهة عاطفية.

الرواية أحيانا ومن غير قصد تكون شاهدا على التاريخ ومدوّنا لأحداثه، من وجهة نظر الكاتب، أو الحقيقة كما يراها الكاتب، ولكن هذا ليس شرطا يجب على الكاتب أو الرواية أن تتورط فيه. فالكتابة فعل مستقل، حتى وإن اعتمد الكاتب على أحداث واقعية، إلا أن الإبداع الحقيقي يظهر من خلال توظيف الكاتب للبيئة المحيطة به أو الخلفية الاجتماعية، الدينية والمذهبية، إلخ. التي أتى منها أو ينتمي إليها، في صياغة وخلق حكاية تنتمي إلى الخيال، مهما كانت درجة التقارب بينها وبين الواقع”.

في روايته “امرأة تضحك في غير أوانها” هناك تصوير لتناقضات المجتمع العماني والبعض من المشكلات التي يعانيها جرّاء أعراف بالية لا يزال المجتمع متمسكا بها، رغم ما تجلبه له من إعاقة للتقدم والتطور، وبسؤاله هل تعتقد أن الرواية لها دور إصلاحي في المجتمع؟ وما هو الدور الأمثل الذي يتعين على الرواية أن تقوم به؟ يجيب الحنشي “الرواية ليست مصلحا اجتماعيا أو مرشدا أخلاقيا، فحصرها في هذا الجانب ينتقص من قيمة العمل الأدبي ويقتل روح الإبداع فيه.

إن تناول الرواية للواقع الاجتماعي ومشكلاته الاجتماعية الطبقية القبلية والمذهبية، هو نبض الشريان الذي يضخّ الحياة في العمل الأدبي، ولكن كما أسلفت، الخيال هو مقياس الإبداع الذي يستطيع الكاتب من خلاله تقديم توظيف للظروف والأدوات من البيئة المحيطة به لخلق بيئة تنتمي إلى العمل الأدبي وحده”.

القصة القصيرة ليست تمهيدا لكتابة عمل روائي

وعن إشكالية العلاقة المثلى بين ما هو ثقافي وما هو سياسي، وإلى أي مدى يحدّ انخراط الرواية في الأفكار والمسائل السياسية من جماليتها، يقول الحنشي “ليست السياسة وحدها، بل أي جانب آخر مثل الاجتماعي والاقتصادي، إلخ. فالكاتب له الحق في الاستفادة من كل هذه الجوانب، وليس له الحق في استخدامها من أجل الانتصار لجانب ما على حساب آخر، أو لطائفة أو لدين أو لمذهب، إلخ.

العمل الأدبي ليس سلاحا للقضاء على الخصوم، ولا وسيلة للمساجلة وتسجيل النقاط، بل هو جنس أدبي أعمّ وأشمل، يحتوي على الجميل والقبيح، الأبيض والأسود، النهار والظلام، الحب والكراهية، الحرب والسلام… دون أن يكون هذا العمل ممثلا لأي جانب من هذه الجوانب بقدر ما يعطي للقارئ التفاصيل، التي تساعده على تكوين فكرة عامّة -ليست بالضرورة أنها صحيحة- من خلال المشاهد التي يتضمنها هذا العمل الأدبي”.

تعقيد القصة

كتب نبهان الحنشي القصة القصيرة قبل أن يتحول إلى كتابة الرواية، إذ كتب مجموعة قصصية بعنوان “وما بكى”، وأخرى بعنوان “ظل يسقط من مرآة”، وبسؤاله عن سبب تحوله إلى كتابة الرواية يوضح “القصّة القصيرة فن أدبي أجده أكثر تعقيدا من الرواية. في الرواية لديك الكثير لتقوله، والكثير لتكتب عنه، والقارئ يضع في اعتباره أنّه أمام مادة دسمة.

لكنّ القصّة القصيرة، لديك خيط رفيع، يجب أن تكون حذرا في استخدامه لربط عناصر قصتك به، ذلك أن القارئ ما إن يجد نفسه قد فقد الربط بين عنصر وآخر، حتى يتوقف عن القراءة. فمن السخافة بمكان أن نقول إن القصة القصيرة هي تمهيد لكتابة عمل روائي، وكأن الأمر أشبه بالتدرّب على نموذج ما قبل الشروع في ممارسة شيء حقيقي”.

وهم الحدود

انتقالا إلى الحديث عن المحلية في الأدب ودورها في خلق أدب إنساني صادق، ومدى كونها عائقا في وصول الرواية إلى أقطار عربية أخرى، يقول ضيفنا “الكاتب يبقى ابن مجتمعه، ويبقى القارئ منجذبا أكثر لمعرفة كل ما يتعلق بالبيئة التي خرج منها الكاتب، حتى القارئ الذي ينتمي إلى البيئة نفسها، يبقى مشدودا إلى معرفة مجتمعه من وجهة نظر الكاتب، وكيف سيجد مجتمعه وشخصياته، وتفاصيل حياته تتحول إلى عمل خيالي، وإن تشابه معها في صورته العامة إلّا أنه يبقى مجرّد خيال.

وعادة ما تكون المحلية هي الخيط الأكثر متانة الذي يربط الكاتب بالقارئ ويُكسبه ثقته”. أما في ما يتعلق بالحدود التي يتوقف أمامها عند كتابة أي عمل أدبي، يوضح الحنشي أن الخطوط الحمراء ما هي إلا وهم وخرافة، ما إن يضع الكاتب نفسه تحت تأثير فكرتها، حتى يفقد “شغفه” الحقيقي في تقديم عمل أدبي متكامل الأركان، أو بصورة أدق يفقد مصداقيته نوعا ما.

لذلك عادة ما يلجأ البعض من الكتّاب إلى كتابة أعمال روائية مغرقة في العاطفية بصورة يفقد فيها الزمان والمكان أهميتهما في العمل الروائي، وتتلخص كافة الشخصيات في شخصيتين اثنتين، أو ربما واحدة.

وعن التحديات التي يواجهها الكاتب عادة، يقول ضيفنا “الدعم والنشر؛ الأغلبية العظمى من الكتّاب العرب ينشرون على حسابهم الخاص، ذلك أنّ معظم المشاريع الثقافية المدعومة تكون عادة مشروطة، خاصة إذا ما كان للكاتب توجّه سياسي أو فكري عكس رغبة النظام السائد.

كما أن الناشر عادة، ولحفظ مصالحه مع مؤسسات الدولة التي ينتمي إليها الكاتب، فإنه يمتنع عن النشر للكاتب حتى وإن كان الكاتب يموّل نفسه بنفسه، بالتالي فمن المرجح جدا أن لا يجد الكاتب ناشرا ينشر له”.
15