الروائي الكويتي خالد تركي: وظيفة الكتاب توليد الأجوبة

رواية "ثلاثة من الشمال" تسلط الضوء على فصيل اجتماعي في غاية التعقيد متمثلاً في “البدون”، محاولة تلمس حياتهم القاسية في وطن لا يمتلكون أوراقه الثبوتية.
الأربعاء 2018/04/11
لا أحبذ النهايات المفتوحة

قضية البدون في الكويت شائكة. ليس في بعدها القانوني والنظامي فحسب، بل في البعد الإنساني الذي يظهر أكثر تعقيداً مع مرور الوقت وتعاقب الأجيال المولودين في الكويت. هذه القضية دفعت وما زالت تدفع بالروائيين للكتابة عنها من واقع حياتي يومي يقفون بأنفسهم عليه. “العرب” توقفت مع الروائي خالد تركي في حوار حول روايته الأخيرة التي تناولت بطريقة مبتكرة هذا الملف.

سحبت من عائلة الروائي الكويتي خالد تركي الجنسية الكويتية عام 2000، وكان عمره آنذاك خمس سنوات، على إثر اتهام جده بالانتماء إلى تنظيم قومي محظور في الكويت، حيث سجن على إثرها الجد من عام 1993 حتى أطلق سراحه في عام 2016، ثم توفي بالسرطان في 2017.

هذه الحادثة الدرامية الأليمة شكّلت وعيا خاصا، وذاكرة عميقة في كتابات خالد تركي المولود في جليب الشيوخ في الكويت، قبل أن ينتقل للسكن في الضواحي المجاورة، مصنفاً بأنه دون جنسية بعد أن كان كويتياً.

هذا الوعي بإنسانيته الخارجة عن الإنسانية، وبأسئلته اللامنتمية أفرز قضيته التي اشتغل عليها في روايته الأولى “ثلاثة من الشمال”، الصادرة مؤخراً عن دار كلمات الكويتية. تسلط الرواية الضوء على فصيل اجتماعي في غاية التعقيد متمثلاً في “البدون”، محاولة تلمس حياتهم القاسية في وطن لا يمتلكون أوراقه الثبوتية. وذلك عبر مغامرة خارجة على القانون، كحالة خلاص مما يشعرون به حيال النظام من قهر وتجاهل ولا مبالاة. وكأن الرواية عبر عوالمها السردية تحاول صناعة النتائج الطبيعية لهذا التجاهل في وقوع أبطالها فيما وقعوا فيه. محاولةً بطريقة ما أن توجه الملامة على النظام عبر تبريرها للجريمة تحت هذه المظلة السردية.

مغامرة خارجة على القانون
مغامرة خارجة على القانون

في ظل هذا التحليل يرفض ضيفنا هذا الاتهام ويرى بأن الرواية لا تقدم تبريرا للجريمة الأخلاقية أو الفساد، كما أنها لم تقدم انتقاداً واضحاً وصريحاً. يقول تركي “الرواية كانت تحاول تفسير هذه الظواهر وبحث أسبابها، وأعني بالظواهر لجوء بعض شباب الأقليات المضطهدة إلى عالم الجريمة أو الإرهاب محاولين بذلك تعويض فقرين، فقر مادي وفقر روحي، حيث يحاول أبناء الأقليات الذين لا يملكون أي هوية وترفض الدولة الاعتراف بحقهم الطبيعي بالمواطنة انتزاع هذا الاعتراف عبر إضفاء هالة ‘الجريمة والقوة‘ حول أنفسهم، لكن عند الاقتراب منها يجدها المرء هشة إلى الدرجة التي تجعله يشفق عليها”.

الحالة الدراماتيكية التي تصاعدت من خلالها سرديات الرواية في مشاهد بوليسية أمنية متلاحقة جعلت من مشاهدها مناخا مناسبا للأعمال السينمائية المدروسة على طاولة الأسئلة الفلسفية المتعلقة بالهوية، لذا يرى بعض القراء أنه لو انتهت الرواية بنهاية مفتوحة دون أن يكتب كاتبها صفحاتها القليلة الأخيرة لكانت ستزرع السؤال الحتمي في وعي المتلقي، المتمثل في احتماليتين: النجاة أو السجن. تاركةً المتلقي دون أجوبة أمام الاحتمالات.

في هذا السياق يؤكد خالد أنه لا يحبذ النهايات المفتوحة لأنها -حسب رأيه- تترك جرح السؤال غائرا، وإن وظيفة الكتاب هو توليد الأجوبة وليس الأسئلة. يقول معلقا “أنا أؤمن بأن الكتاب وسيلة للبحث عن الأجوبة أما الأسئلة فإن عقلك كفيل بها، فالمكتبة بما فيها من كتب هي المكان الأوحد لإيجاد الجواب المناسب لأسئلة العقل، وأنت تمضي عمرك تقرأ فيها إلى أن تحصل عليه وقد تمضي عمرك تقرأ ولا تحصل عليه”.

وفي سياق حديثنا عن مشكلة البدون في الكويت يرى ضيفنا أن “مشكلة البدون مأزق سياسي وأخلاقي للدولة وللمجتمع وللعالم بأكمله، ودور المثقف هو أن يفضح، يفضح كل شيء، العنصريين والمؤسسات المتواطئة معهم، ويشرح للعالم من خلال الأدب والرواية والشعر والفن أن عشر المواطنين الكويتيين لا يمكنهم العلاج ولا التعليم ولا السفر ويعيشون بأوراق مؤقتة أو بلا ثبوتيات، وأن المئات من الأطباء والمثقفين منهم يعانون من تهميش المؤسسات الثقافية وتجاهلها لهم”.

وفي سؤال عن قراءته للمشهد الروائي الكويتي المعاصر. يجيب تركي “المشهد الروائي الكويتي هذه الأيام يبدو نشطاً وممتازاً، أثبت الروائيون الكويتيون -بفعل إلهام فوز سعود السنعوسي بجائزة البوكر عن روايته ‘ساق البامبو‘- علو كعبهم خليجياً وحققوا انتشاراً عربياً لم يكونوا يحلمون به من قبل، هناك الأسماء المعروفة بثينة العيسى وسعود السنعوسي وناصر الظفيري وعبدالله البصيص وبقية الأسماء الشابة، لكني أشعر أننا بحاجة إلى رواية تحدث هزة في المجتمع، تكون مثل ضربة من الطوب على رأس القراء، مثلما حدث مع الحارس في حقل الشوفان لسالنجر وعوليس لجيمس جويس”.

15