الروائي المصري صبحي موسى: الأقباط مكون أصيل للثقافة العربية

صبحي موسى يحاول سد ثغرات الماضي في روايته "صلاة خاصة".
الاثنين 2020/05/18
المشكلة ليست في ما نروي بل في كيف نروي

إذا كانت الرواية ذات الخلفية التاريخية فرضت نفسها على ساحة الثقافة العربية في السنوات الأخيرة، فإنه ما زالت هناك جوانب مُستبعدة ومنسية، ربما رغبة في تجاهلها لأسباب عقائدية أو أيدولوجية، وربما لعدم وجود قراءات وافية عنها. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الروائي المصري صبحي موسى الذي يعتبر من أبرز الأقلام العربية التي تناولت التاريخ.

التاريخ نبع إبداع، مخزن أفكار، وبستان حكي لا ينتهي، يجذب ألباب المُبدعين، ويُغري الكثير من الروائيين للسرد والدخول إلى مناطق مُدهشة لرسم حكايات مُبهرة وجاذبة.

من هُنا يرى الروائي المصري صُبحي موسى أن فن الرواية بشكل عام يُمكن أن يستكمل النواحي المسكوت عنها في التاريخ، وهذا ما دفعه إلى كتابة رواية “صلاة خاصة” الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة.

تتناول الرواية جانبا من التاريخ المهمل أو المنسي للحقبة القبطية في مصر، حيث تتبع صعود وهبوط المسار القبطي، بدءا من تحول الشرق إلى الديانة المسيحية ووقوف بعض البلدان، مثل مصر أمام سطوة الرومان، وما تبع ذلك من تطور للفكر المسيحي خلال قرونه الأولى وقدر المساهمة المصرية في بناء الفلسفة المسيحية عالميا.

بدأ الروائي المصري صبحي موسى مشواره الإبداعي بكتابة الشعر وصدرت له عدة مجموعات شعرية أبرزها “صمت الكهنة”، و”حمامة بيضاء”، و”قصائد الغرفة”، ثم اتجه إلى فن الرواية ليقدم روايات “أساطير رجل الثلاثاء”، و”الموريسكي الأخير”، و”المؤلف”، و”نقطة نظام”، وشغل رئاسة تحرير مجلة الثقافة الجديدة بالقاهرة، وله مقالات ودراسات أدبية في عدد من الصحف، وفي سنة 2018 فازت روايته “نقطة نظام” بجائزة نجيب محفوظ للرواية مناصفة مع الكاتب والروائي إبراهيم عيسى.

تأملات عميقة

يقول صُبحي موسى لـ”العرب”، “لا توجد حقيقة تاريخية واحدة، سواء قديمة أو حديثة، بمعنى أن من يسجل التاريخ في القديم أو الحديث ينطلق من موقعه، وكل كاتب يتأثر بنشأته وجماعته وزمنه، ولنا أن نراجع ما كتبه المؤرخون العرب عن الثقافة الفرعونية، أو ما كتبه الرحالة العرب عن البلدان التي زاروها، أوما كتبه المستشرقون عن بلادنا، وهكذا نمت أساطير كبيرة لدينا عن الآخر، والعكس أيضا”.

ويؤكد أن الروائي الذي يستمد إبداعاته من خلفيات تاريخية يكمل الثغرات المسكوت عنها، ويقدم تاريخا بمذاق الحاضر، ما يعني أن الرؤية التاريخية هي مجرد قناع للفهم، فالروائي المعني بالتاريخ يسعى إلى فهم مأزق الإنسان الحالي من خلال وعيه التاريخي.

صبحي موسى يستمد إبداعاته من خلفيات تاريخية
جانب من التاريخ المهمل أو المنسي للحقبة القبطية في مصر

وفي تصوره، إن التاريخ هو العقل الباطن للأمة، ودور الكاتب التاريخي هو البحث في هذا العقل عن تفسير لما يجري الآن، وليس مجرد إعادة تمثيل الماضي.

يوضح موسى أن رواية “صلاة خاصة” حاولت إضاءة فترة مُعتمة في تاريخ الثقافة العربية، وهي الفترة القبطية، تلك الفترة تعتبر مكونا أصيلا للثقافة العربية بشكل عام، والمصرية بشكل خاص، وجسرا يربط أحوال المنطقة قبل ميلاد المسيح وبعده.

ويلفت إلى أن الثقافة القبطية نشأت كنوع من الرفض للهيمنة الرومانية على مصر وبعض بلدان الشرق، وتحول الأمر إلى صراع ديني بين المصريين الذين اتخذوا المسيحية ثقافة لهم، والرومان الذين لم يكونوا في البدء مسيحيين، ثم سرعان ما دخلوا في الدين المسيحي، وتبنوا الرؤية الأريوسية المخالفة للرؤية المصرية للمسيح وجوهره وقدمه.

وهي في مجملها قضايا فلسفية لاهوتية نشأت من خلال المدارس الفلسفية التي كانت الإسكندرية مركزا لها في ذلك الوقت، ولذا كان لهذه المدينة حضورها القوي في المجامع المسكونية، فالمصريون وضعوا لائحة الإيمان التي تعد الدستور الأول في الديانة المسيحية، وحددوا مواعيد الأعياد والصيام والاحتفالات الدينية، والتقويم القبطي كان هو الأكثر دقة لدى المسيحيين في العالم، والرهبنة نشأت وانتشرت على أيديهم.

ويكشف الروائي صبحي موسى أنه استغرق ثلاث سنوات كاملة في كتابة هذه الرواية، لكنه قضى قبلها عدة سنوات في البحث والتفكير والتأمل في المسألة المسيحية.

ويضيف “لقد كان يشغلني دائما الصراع القديم الذي أدى إلى مجمع خلقيدونية وانفصال الكنيسة المصرية عن الكنائس الكبرى وقتئذ في روما والقسطنطينية، وقرأت العديد من المراجع عن هذا الأمر”.

 كان التساؤل الشاغل لبال الروائي، مثلما شغل الكثيرين من قبل، هو توقيت تحول راية التسامح التي عبرت عنها مقولة “من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر” إلى راية عنف. معتبرا أن ذلك ليست له علاقة بالدين نفسه بقدر ما هو موصول بالطبيعة البشرية، فراية التسامح تظل مرفوعة طالما كان الشخص ضعيفا، لكن إذا أصبح قويا فالأمر يختلف، وهذا ما حدث مع المسلمين قبل الهجرة، وتغير إلى شأن آخر بعد الهجرة والفتح، وبالتالي تغيرت فكرة التسامح، وما كان مقبولا وقت الضعف لم يعد كذلك وقت القوة، وما حدث بعد فتح مكة هو نفسه ما حدث في الإسكندرية حين سعى الأقباط لتخليصها من الديانات الأخرى.

إذا كانت هناك أعمال محدودة، مثل رواية “البشموري” للروائية سلوى بكر، و”عزازيل” ليوسف زيدان، قد تناولت جانبا مقاربا، فإن صبحي موسى استفاد من كافة التجارب السابقة.

وأشار إلى أن “البشموري” صورت ثورة اجتماعية ضد ظلم بعض الحكام العرب، قادها الأقباط المصريون، أما “عزازيل” فتناولت قصة حب بين راهب وفتاة، وعلى هامشها جاء مشهد مقتل هيباتيا والحديث عن عزل نسطور دون أن تخوض في أسباب ذلك أو تحلل الوقائع التي أدت إليه، وهي كتابة أقرب إلى منطق الستينات في إعادة تمثيل الماضي دون تحليله أو التفكير في أسبابه. والمدهش أن الكنيسة انساقت إلى معركة ليست ثقافية بينها وبين الكاتب.

ويلفت إلى أن روايته “صلاة خاصة” معنية أكثر بتتبع التطور والتحول وتحليله عبر الإجابة عن العديد من الأسئلة؛ عمّا حدث، وكيف حدث، ولماذا حدث، وما أثر ذلك على واقعنا الآن، وكيف يمكن تجاوز هذا الأثر؟

في رأيه، إن التاريخ القبطي مُهمش لأن أي منتصر يسعى لكتابة التاريخ انطلاقا من لحظته هو، وكأن الدنيا بدأت منه، ولنا أسوة في التاريخ الفرعوني وتغيير الفراعنة لما كتبه السابقون عليهم وعن أنفسهم على مسلات وجدران المعابد، هكذا أيضا فعل المسلمون مع التاريخ القبطي، ليس بدوافع دينية، لكن لأن المنتصر يفرض ثقافته ولغته وتاريخه.

ثيمات جديدة

صلاة الأقباط
صلاة الأقباط

تغيرت ثيمات الرواية التاريخية في الوقت الآني عما كانت عليه في الستينات، حيث كانت لدى هذا الجيل معنية بالاسقاطات الرمزية، وكثيرا ما كانت الأندلس تستخدم للدلالة على فقدان القدس، وأبرز كتابات هذا الجيل في هذا المنحى ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور.

ويعتقد صُبحي موسى، أن الرواية التاريخية لدى كتاب التسعينات ومن بعدهم تغيرت فكرتها، فهي في غالبيتها تهدف إلى الفهم، وتسعى إلى وضع الاحتمالات والربط بين الظواهر والتجليات القديمة والحديثة، ساعية إلى اختبار هذه الاحتمالات حول الطبيعة البشرية وقدرتها على التصرف، حال تكرار الشرط السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومن ثم فالكاتب يسعى لفهم الحاضر على ضوء البحث في الماضي.

ويشدد على أن الروائي في حاجة إلى مستويات من اللغة للتعبير عن الزمن، ويمكن أن نجد في الرواية الواحدة أكثر من مستوى لغوى، فالماضي عادة يكون بلغة تتمتع بنوع من الجزل والتكثيف، والحاضر يكون بلغة سلسة وبسيطة، والآني أو اليومي يتضح من خلال الحوار الذي يكتب عادة بالعامية أو لغة أقرب إلى العامية.

وهناك معادل آخر يتم استخدامه لتبيان فوارق الزمن ومستوياته، وهذا المعادل هو الإيقاع، فعادة ما يكون إيقاع السرد في الماضي بطيئا دلالة على التأمل والحكمة، أما الحاضر فسرده أسرع كدلالة على الخفة والمعاصرة، ويلجأ الكاتب إلى عوامل عدة للتأثير في قارئه وإشعاره بمستويات الزمن التي في النص.

تبدو ساحة الرواية بلا شك مزدحمة، لكن صبحي موسى يرى أن المشكلة ليست في ما نروي، لكنها في كيف نروي، فمهمة الكاتب أن يمتّع قارئه، ويخلق حيلا جديدة للسرد والتعبير عما يريد قوله، ومن ثم فأكبر معضلة تواجهه كيف يروي، وليس ما الذي سيرويه، فموضوعات الفن لا تزيد عن نيف وثلاثين موضوعا، وتبقى العبرة بجودة السبك، حسبما يقول الجاحظ.

يؤكد موسى في حواره مع “العرب”، أن الروائي لم يعد قادرا على فهم نفسه، وليس تغيير العالم من حوله، وأعلى طموحاته أن يفهم ما يجري بداخله ومن حوله، فهناك كاتب تشغله المسألة النفسية، ومن ثم يخصص مشروعه لفهم الدهاليز المظلمة في أعماق النفس البشرية، وآخر يشغله البحث في الهوية والتاريخ والمجتمع، وثالث يسعى لنسج الأساطير وقصص الحب ومعرفة كيف تؤتي ثمارها في واقع معقد كالذي نعيشه، وهذه كلها أسئلة للفن، والكل يتحرك وفقا لطبيعته واحتياجه، ولم تعد هناك مساحات للنبوءة ولا للقدرة على تغيير العالم، فهو أكثر تعقيدا من القدرة على فهمه وليس تغييره.

الروائي الذي يستمد إبداعاته من خلفيات تاريخية يكمل الثغرات المسكوت عنها، ويقدم تاريخا بمذاق الحاضر

هناك كثير من الأعمال الرصينة والجيدة لا تلفت أنظار المجتمع الثقافي، بينما توجد أعمال متوسطة القيمة لامعة وتحظى باهتمام واسع. وهنا يقول موسى، إن “خفوت وذيوع عمل روائي ما يتعلق بأمور كثيرة خارج نطاق الفن، لكنها تتماس مع الفن، عادة ما يقوم بها الكاتب بنفسه، لأننا في مجتمعات بسيطة يؤدي فيها المبدع بكل ما يخص فنه بدءا من الكتابة والنشر والتوزيع والدعاية والترويج والتسويق، ومن ثم فهناك من يجيدون عمل هذا الدور، ويطلق عليهم دائما لفظ شلة وجماعة وغيرها”.

ويتابع أن هناك من يفشل في الدخول في ثقافة القطيع هذه، فينجح في كتابة نص جيد، لكنه يفشل في أدوار الدعاية، وعدم قدرته على الانتماء إلى “شلة”، أو عدم تمكنه من تكوين خطاب شعبوي على منصات التواصل الاجتماعي، فنصه لا يترجم وربما لا ينال ما يستحق من الجوائز، ما يغلق عليه دائرة من التهميش، وغالبية الكتاب الحقيقيين يهزمون من خارج الكتابة نفسها.

ويرى موسى كتابا كبارا قدموا منجزا مهما وهم شباب، لكن الأضواء لم تأتهم إلا متأخرة، بحكم ثقافة الدور، أو أنهم الذين استطاعوا البقاء على قيد الحياة، وكان لا بد أن يكتبوا، ليس لأن لديهم جديدا يقدمونه، لكن ليطيلوا البقاء تحت الأضواء أكبر قدر ممكن، رغم أن هذه الكتابة تخصم من رصيدهم لدى القارئ.

وحول جائجة كورونا وإذا ما كانت موحية للمبدع بأعمال معينة، يقول صبحي موسى “أعتقد أن كورونا ستترك أثرا أو ظلا في كتابات الكثيرين من أبناء جيلي أو الأجيال التالية، وربما تصدر كتابات تحتل كورونا فيها دور البطولة حتى قبل أن تنتهي الجائحة نفسها، لكن هذه ستكون كتابات متعجلة وأقرب إلى العمل الصحافي منها إلى العمل الإبداعي القائم على التأمل ومحاولة الفهم أو تقديم وعي حقيقي”.

 ويضيف “عن نفسي أعتقد أن جائحة فايروس كورونا بوصفها حدثا عالميا امتد لفترة ونال حضورا إعلاميا ضاغطا، وترك أثرا نفسيا كبيرا لدى الجميع، سيكون شبحا يظهر بشكل أو آخر في كتابة ستأتي في ما بعد، وقد يحتل دور البطولة إذا تمكنت من فهمه بشكل كاف، لكن لا أعرف ما الذي سيأتي في علم الغيب، فالكتابة كما يقولون رزق”.

15