الروائي المصري محمد الجيزاوي بين الأدب والفلسفة

الكتابة عن التاريخ الحديث الذي لا يزال شهوده على قيد الحياة، مهمة مُربكةٌ لأيِّ كاتب لمّا يتصل ذلك بالأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات التي شهدت تلك الأحداث، والتاريخ المصري الحديث مليء بالقصص والانعطافات التي تمثل حكايات منثورة يسعى اليوم كتَّابٌ شباب لإعادة صياغتها بعين الحاضر والمستقبل معاً، الكاتب المصري محمد الجيزاوي في روايته الأخيرة “الخمر ما عادت تسكر أحداً”، يحاول أن يقدِّم رؤيةً بانورامية للتاريخ المصري الحديث منذ انقلاب الضباط الأحرار على الملكية ووصولاً إلى ثورة يناير وما تلاها، “العرب” استضافت الروائي المصري وكان هذا الحوار حول الأدب والتاريخ والفلسفة.
الأحد 2016/08/07
الكتابة سؤال في الأدب وسؤال في التاريخ

محمد الجيزاوي كاتب مصري، ولد في القاهرة عام 1978، وحصل على الإجازة في الفلسفة من كلية الآداب في جامعة القاهرة، منذ روايته الأولى “المخلصون يرحلون غائباً” في 2011، سعى الجيزاوي إلى بناء مشروعه الأدبي الخاص، لتأتي روايته الثانية “سر العابر” 2013، ثم ليحقق نجاحاً واسعاً في روايته التي صدرت في طبعات متعددة ” الخمر ما عادت تُسكر أحداً” عام 2015.

تدور أحداث “الخمر ما عادت تسكر أحداً” الصادرة عن دار ليان في القاهرة عبر أربعة أجيال، في رابطة خفية بين الأجداد والأحفاد، وضمن لعبة السرد الدائري الذي اتخذها الجيزاوي في الرواية، أسأله عن خوفه من انفلات الإيقاع السردي في ظل تراكم الشخصيات وتنوع مصائرها، ليقول إنه في بداية الأمر وضع أمام عينيه أن الفكرة هي البطل، وبهذا كانت الشخوص خادمة للفكرة والأحداث وليس العكس، وفي سبيل ذلك حدَّد مسارات متصارعة تمثل التيارات الفكرية في المجتمع ودورها في صناعة التاريخ، محاولاً من خلالها رصد تطور هذه الأفكار في صراعها.

الرواية التي امتدت في أحداثها عبر سبعة عقود كان المكان فيها ثابتاً، بل سعى الكاتب في كثير من المفاصل الدرامية إلى تصوير الزمان والمكان بوصفِهما جزءاً من الحدث، عن هذا يقول ضيفنا إنه اختار تثبيت المكان وجعل الزمن كالرياح التي تجرى عليه لتجرفه طبقة بعد طبقة وتظهر تركيبات جديدة لإظهار حجم التغير بشكل جليّ واضح عبر الرؤية لهذا المكان، وهو يتغير شكلًا وفكرًا فداخل البيت الواحد نرى الجدّ المسيحي المتسامح مع أخيه المسلم، ثم ينهض ابنه مناجزًا بالعداء جاره الذي لا يقل عنه تطرفًا هو الآخر بدوره، ثم يخرج الأحفاد في الحياة الجديدة متعانقين من جديد ولكن على مستوى الفكر والإيمان بضرورة التحرير وليس على الفطرة البسيطة التي جمعت الأجداد، فالمكان ثابت في موقعه لكنه متجدد فوَّارٌ في تغيراته الجذرية عبر الزمن.

الواقع والخيال

رواية الجيزاوي ناقشت في فصولها مسارين، الأول تضمن تشريحاً للعقد الاجتماعي المصري و الثاني مقدِّمات وأحداث ثورة يناير عام 2011، هنا أسأل ضيفنا عن الفاصل بين الواقع والخيال في عمل يستند إلى التاريخ الحديث، ليقول إنّ معضلة كبيرة واجهته في الرواية ألا وهي كيف من الممكن جمع الخيال و الواقع في رواية تناقش المجتمع وتعتمد بشكل جذري على أحداثه التاريخية الحقيقية، تلك الأحداث التي تعامل معها الجيزاوي بوصفها أمراً محسومَ الوقوع ثم تعاطى معها بخيال السارد في انفعال الناس بها، وطرق استقبالها قبولًا ورفضًا، و بالتالي فإن المُحرِّك هو الواقع بينما الاستجابة كانت من الخيال بحسب ضيفنا.

أدلجة الأديب سقطة كبيرة

عن الذاتية والذاكرة الجمعية التي قد تدفع بالرواية إلى مصاف الوثائق التاريخية، يقول ضيفنا إنه يؤمن أن “التاريخ هو الرجل الكذَّاب الذي يُبجِّله الجميع”، ومن هنا كانت نقطة البداية والدافع نحو إيجاد المخطوط، فتزوير تاريخ الثورة المصرية وأبطالها ما يزالون على قيد الحياة يضع استمرار تناقل أحداثها مستقبلاً خاضعاً لما يتم تداوله اليوم، ولذلك فالجيزاوي يعتبر “الخمر ما عادت تسكر أحداً” توثيقاً للحكاية كلها منذ سبعين سنة من وجهة النظر الأخرى المقابلة للنظام.

اللهجة المحكية

اعتمد الجيزاوي في لغة الحوار السردي على المحكية المصرية، ورغم وجود لغة جميلة وعذبة في النص إلا أنه آثر الاتجاه نحو العامية، هنا أسأله عن تأطيره العمل بالمحليَّة ليقول إن غايته كانت إيصال الفكرة البسيطة لعمل دسم ومفعم بالأفكار والأحداث استناداً إلى ما حدث طيلة سبعين سنة من عمر البلاد، فضلاً عن قرب المحكية المصرية من الروح خاصة في حالة الحوار الداخلي بين الشخصيات مع الثبات على العربية الفصحى في حالة السرد العام.

تبرزُ في طيات الرواية فكرة صناعة الأسطورة أو البطل المخالف للمجتمع، شخصية نورالدين مثلاً، و في هذه النقطة أسأل ضيفنا عن حاجة المجتمع اليوم إلى هذا النموذج للخلاص، ليقول إنه يعتقد أن العقلية الشرقية عامة والعربية خاصة، لا تزال أسيرة لفكرة البطل الأسطورة الذي يستطيع أن يغيّر العالم.

ورغم رفضِهِ لهذه الثقافة بشكل شخصي إلا أنَّهُ استعانَ بها لدعم الفكرة الجوهرية المتمثلة في تحرير العقل الجمعي واستثارة الهمة للتغيير ممثلة في شخصية نورالدين ولذلك حرص على رفعه سريعًا من العمل عبر موته المبكر لتبقى الفكرة ويزول الشخص، وبذلك يتمكن السارد من العودة بذلك لدعم فلسفته الخاصة بأن التغيير يجب أن يأتي من العامة وينبع منهم ولا يُهدى إليهم من شخص خارق.
القارئ يرى الهرَم من أعلاه

الأديب والسياسة

يؤمن محمد الجيزاوي أن أدلجة الأديب سقطة كبيرة وتحجيم لجموح خياله وانطلاقه الأدبي، وحتى لو كان له انتماء معين فعليه ألاّ يدعو إليه عبر قلمه وإلا أصبح سياسيًا وليس أديبًا، وغاية الأمر أن يتبنى فكرة عامة غير محددة بإطار سياسي معين أو أيديولوجيا محددة، هنا يقودنا الحديث إلى الكتابة عن الثورة المصرية في ظل الانقسامات السياسية الحاصلة في مصر وما ترتّب عنها في وقت لاحق من تغييرات، فهل كانت هذه الأحداث تشكل هاجساً وخوفاً للكاتب في أن يضعه المتلقي ضمن انتماء سياسي معيَّن، ليقول ضيفنا إن الرواية تعبير عن جيل ثورة يناير.

ومع ذلك لا يمكن تصنيف الكاتب مع حزب بعينه أو فصيل بذاته لأنَّهُ كان ضد الجميع على مدار سطور الرواية، وانتصاره الوحيد كان لفكرة التغيير دون تحديد شكل هذا التغيير أو وضعه في قالب أيديولوجي معيَّن.

الاتجاه نحو الفلسفة

يكشف الكاتب المصري محمد الجيزاوي النقاب عن روايته الجديدة التي سترى النور مع مطلع العام القادم 2017، والتي تدور في فلك فلسفي بعيداً عن عباءة التاريخ والسياسة، ليصل بها إلى الفضاء الأرحب كما يصفه، الفضاء الإنساني والعالمي الذي لا يُعبِّر عن مجتمع بعينه ولا واقع بذاته إنما يناقش هواجس الإنسان ومخاوفه، حيث تدور الفكرة الأساسية للرواية حول نظرة الإنسان إلى نفسه، وهل يراها حقًا أم يظنّ ذلك فقط.

يقول ضيفنا إن العمل سيكون قلباً لكل القواعد بحيث يقوم على تقديم رؤية مخالفة تمامًا للثوابت ذات الرؤية الأُحادية، فالسارد يناقش فيها سبب الإشارة إلى أفعال على أنها تمثل الشرف وأخرى تمثل الخزي، ضمن ثنائيات تتضمن الإيمان والزندقة والجنون والتعقُّل، وغيرها، في محاولة يصفها الكاتب بأنها ستأخذ القارئ إلى زاوية رأسية ليرى الهرَم من أعلاه.

كاتب من سوريا

14