الروائي المنشق سولجنيتسن يعود إلى روسيا مع الأوبرا

العمل الأوبرالي "يوم في حياة إيفان دنيسوفيتش" مأخوذ عن رواية قصيرة للأديب ألكسندر سولجينتسن والتي تستند إلى تجربته كمعتقل سياسي.
الاثنين 2018/12/10
الأديب المخلص للإنسان
 

طُرِدَ المؤلف والروائي المعارض، الراحل، ألكسندر سولجينتسن، من الاتحاد السوفييتي السابق ليقضي سنوات طويلة من عمره في المنفى رفقة عائلته، واليوم يقف نجله ليقود عملا أوبراليا جديدا قائما على أحد أعمال الأب الأدبية، وذلك على مسرح بولشوي، أحد أهم رموز الفن والثقافة في البلاد.

موسكو- يعود إيغنات سولجينتسن نجل الأديب السوفييتي الشهير ألكسندر سولجينتسن، الذي طُرد مع عائلته بعدما فضح للعالم فظائع معسكرات العمل القسري في الاتحاد السوفييتي، ليدير أوبرا تستند إلى أعمال والده ويوجه رسالة إلى بلده الأم.

ويندرج عمل “يوم في حياة إيفان دنيسوفيتش” الذي بدأ عرضه الجمعة في مسرح بولشوي الشهير في موسكو، في إطار مناسبات عدة مقررة في العاصمة الروسية احتفاء بمئوية ولادة سولجينتسن المنشق الفائز بجائزة نوبل للآداب.

ويعتبر ألكسندر سولجينتسن (1918-2008) أحد أبرز رموز الأدب الروسي في القرن العشرين. وقالت مؤسسة “نوبل” التي منحته جائزتها سنة 1970 في بيان لها إن سولجينتسن نال “جائزة نوبل” بسبب “القوة الأخلاقية التي اتبع من خلالها التقاليد التي لا غنى عنها في الأدب الروسي”.

وقد انتقل سولجينتسن هو وعائلته من ألمانيا إلى سويسرا ليستقر في نهاية المطاف في ولاية فيرمونت الأميركية قبل عودته إلى روسيا مطلع التسعينات من القرن الماضي.

القمع المتجدد

يقول إيغنات سولجنيتسن في مقابلة خلال تمرين على العرض “هذا تذكير بالطريق الذي قطعته روسيا. فسولجينتسن لم يعد محظورا بل يُدرس ويُقرأ ويُناقش”.

رسالة إلى البلد الأم
رسالة إلى البلد الأم

ويضيف قائد الأوركسترا البالغ من العمر 46 عاما والمقيم في نيويورك مع عائلته “إنه بلد مختلف تماما عن ذلك الذي طرد سولجينتسن في العام 1974، لكن لا يزال الطريق أمامه طويلا ليصبح (…) طبيعيا بالكامل ويشعر فيه الناس بحرية ورضا تامين”.

و”يوم في حياة إيفان دنيسوفيتش” رواية قصيرة لسولجينتسن تستند إلى تجربته كمعتقل سياسي. ويروي الكتاب الذي نشر العام 1962 في مجلة “نوفي مير” (عالم جديد) السوفييتية الليبرالية يوما في معسكر عمل قسري من خلال نظرة معتقل، وهو شهادة على القمع الستاليني والملايين من الضحايا التي حصدها.

في عرض الأوبرا الذي يقدم في قاعة صغيرة في مسرح بولشوي الشهير، حراس سجن يقومون بأعمال الدورية على شرفات وراء أسلاك شائكة، في حين تجول أضواء كاشفة في القاعة كما لو أنها تبحث عن أحد الفارين.

يقول مؤلف الأوبرا ألكسندر تشايكوفسكي إن المنشق الشهير كان متحفظا على تحويل أعماله إلى مسرحيات وعروض، لكنه حصل على موافقته في نهاية المطاف. وقد قدم عمل الأوبرا هذا للمرة الأولى العام 2009 في بيرم في منطقة أورال. ويقول المؤلف الموسيقي “للأسف توفي قبل مشاهدة العمل الأوبرالي” الذي عُرض للمرة الأولى بعد أشهر قليلة على وفاة سولجينتسن في العام 2008.

الإرث المشترك

احتفاء بمئوية ولادة الأديب في 11 ديسمبر، ستدشن السلطات نصبا جديدا تكريما له في موسكو. وتقدم مسارح عدة إنتاجات تستند إلى أعماله فيما أطلقت بلدية موسكو تطبيقا يقترح “زيارة موسكو مع سولجينتسن”.

لكن بعض الأصوات تتهم حكومة فلاديمير بوتين بالاستمرار في قمع الفنانين والمثقفين. ويرفض إيغنات سولجينتسن من جهته أن يقيم رابطا بين والده الذي التقى فلاديمير بوتين مرات عدة قبل وفاته ولم يكن ينتقده، والمعارضين الحاليين.

عاد ألكسندر سولجينتسن إلى روسيا عام 1994 بعد عقدين أمضاهما في المنفى إثر صدور كتاب “أرخبيل الغولاغ”. وقد أمضت عائلته الجزء الأكبر من تلك السنوات في ولاية فيرمونت الأميركية حيث كان المنشق السوفييتي يعيش بعيدا عن الأضواء.

وعادت العائلة برمتها إلى روسيا باستثناء إيغنات الذي له مسيرة مشرقة في قيادة الأوركسترا وكعازف بيانو في الولايات المتحدة. ويعمل شقيقاه في مجال الاستشارات في موسكو.

إيغنات الذي يحمل الجنسيتين الأميركية والروسية يقر بأنه يشعر “أحيانا ببعض الضيق” لوقوعه بين هاتين الثقافتين في جو التوتر الحالي. لكنه يرفض كليا فكرة “حرب بادرة جديدة” بين روسيا والغرب.

ويقول بغضب “عندما أسمع الناس يقولون إن الوضع عاد إلى ما كان عليه في الماضي أعتبر أن هذا جنون وسخف”، معربا عن أمله في تحسن العلاقات بين موسكو وواشنطن في المستقبل القريب وهو يؤمن تماما بأن للثقافة دورا تلعبه في هذا المجال.

حراس سجن يقومون بأعمال الدورية في حين تجول أضواء كاشفة في القاعة كما لو أنها تبحث عن أحد الفارين

ويؤكد “حتى خلال الحقبة السوفييتية كانت الثقافة أفضل سلعة موجهة للتصدير في الاتحاد السوفييتي. أدرك قدرات روسيا والمواهب التي تحويها. فالمسرح والفنون يذكراننا بإرثنا المشترك”. ويعود إيغنات إلى الحديث عن طفولته التي يرى أنها “كانت طبيعية بصورة مخيبة للآمال”.  ويوضح “لم تكن طفولتي مختلفة عن أقراني، باستثناء أنه كان لدينا الكثير من الأمور التي تحدث في المنزل، بالمقارنة بما لدى آخرين”.

ويلفت إلى أن المؤلف المعارض كان “طبيعيا بشكل مثير للدهشة، بالنظر إلى أنه كان رجلا عظيما. فقد كان لديه القليل جدا من العادات الغريبة”. ويعيش إيغنات سولجينتسن، وهو الأوسط بين ثلاثة أبناء، في نيويورك، ولكنه يأتي دائما إلى روسيا لتقديم حفلات. وأعرب الموسيقار المعروف عن أمله في أن يكون قد ورث جزءا من موهبة والده.

ويقول الابن إن والده “كان مخلصا جدا لعمله، وكان يتمنى أن نحترم أعماله وأن ننضم إليها”. ويوضح أنه بالطبع لا يقصد بالانضمام إلى أعماله “من خلال تأليف كتب، ولكن في مجمل ما تقوم به الأسرة في المنفى، وهو أمر بدأ حتى الأطفال المشاركة فيه شيئا فشيئا”.

15