الروائي خالد خليفة: لا تستطيع رواية واحدة أن تكتب تاريخ الكراهية

الاثنين 2014/01/20
خالد خليفة: كنت أحب أن أكون نحاتا

القاهرة-الروائي السوري خالد خليفة واحد من أهمّ الأسماء البارزة في سماء الرواية العربية، إذ وصلت روايته “مديح الكراهية” إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2008، ونال عمله الروائي “لا سكاكين في مطابخ المدينة” جائزة نجيب محفوظ للآداب لعام 2013. خالد خليفة الذي قاوم الحرب بالكلمة وعبّر في عديد المناسبات عن رفضه لما آل إليه حال سوريا، تحدّث إلى صحيفة “العرب” عن عديد القضايا الأدبية والسياسية الراهنة.

استطاع خالد خليفة، المولود في حلب عام 1964، أن يبرز في عالم الرواية، بعد أن تمكن من فرض اسمه بين قائمة كبار الروائيين العرب، بفضل أعماله المعبّرة عن حال المواطن العربي. وبعيدا عن الجوائز صار خليفة الاسم الأكثر تداولا على الساحة الثقافية، رغم كل ما يجري بسوريا الآن. خليفة هذا الرجل الذي يصرّ على مواجهة الكلاشنيكوف بالقلم والكلمة، يعترف بضعف الكلمة أحيانا، إلا أنه موقن بأنها تعيش، وحديث الرصاص ينتهي، ورغم كل هذا يظل متشبثا بأرض سوريا رغم مآسي الأوضاع هناك والأحداث القاسية التي تدور في حلب الشهباء.


كشف المستور


لئن تحصل الروائي السوري على جائزة نجيب محفوظ للعام 2013، ووصلت روايته “مديح الكراهية” إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية سنة 2008، فإنه يرى في الجوائز تقديرا معنويا ضروريا لأي مساهم من بعيد أو قريب في الميدان الثقافي، يقول خالد خليفة: “عندما أحصل على جائزة ما، أحتفل مع أصدقائي لأيام قليلة، ثم أنساها كأنها غير موجودة وأعود إلى كتابتي التي أعتبرها محرار التميّز والتفوق”.

نجحت رواية “مديح الكراهية” في أن تصل إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2008، وأحدثت ضجة كبرى آنذاك على المستوى الإعلامي، والحقيقة أنّ جلّ المهتمين بالشأن الثقافي تابعوا هذه الرواية وتناولها أغلب النقاد بالدراسة والقراءة. الرواية تناولت موضوعا جريئا على الأقل في فترة كتابتها، فهي قد عرّت نظام حافظ الأسد في فترة الثمانينات، واستطاعت أن تحلل الأوضاع آنذاك منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، يقول خالد خليفة عن متابعة الإعلام لهذه الرواية الحدث:” أنا سعيد طبعا بالصدى الإعلامي والاهتمام الذي لقيته مديح الكراهية وسعادتي بالقراء الجدد الذين تجتذبهم هذه الرواية أيضا، لكن لا تستطيع رواية واحدة أن تكتب تاريخ الكراهية أو ما حدث في الثمانينات، الزمن مازال طازجا وسيكتب عنه الكثير، أنا من موقعي ساهمت بما لديّ”.


فن ماكر


كثيرة هي المواضيع التي تناولها خالد خليفة في “مديح الكراهية” من بينها عالم نساء “حلب” الذي حاول كشفه والغوص فيه، وتعمّد في روايته أن يكون الصوت الأنثوي حاضرا وبقوة، وأن يكشف كم الطائفية التي نعيشها، يقول خليفة: “بالتأكيد لن أتورط بتقييم نجاحي أو فشلي في الغوص في عوالم شخصياتي، كل شيء متروك للتاريخ والقراء والنقد”.

يتواصل خالد خليفة مع قرائه عبر أفكار تترجم لحظات التأمل التي يقضيها عند الشروع في إنجاز أيّ عمل إبداعي، وعادة ما يستغرق الروائي السوري وقتا طويلا للخروج بعمل جديد، وهذا يعود بالأساس حسب رأيه إلى صعوبة تحقيق الأهداف المرسومة وصنع الحدث والتوفيق بين الجانب الفني وجانب الطرافة، لهذا كله يقول خالد خليفة: “الرواية فن ماكر يحتاج إلى التأمل الطويل في ما كتبنا، وأسعد الأوقات اقضيها مع الكتابة وليس بعد النشر، لا يعنيني عدد الكتب التي سأكتبها قدر العناية بأن تكون كتبا جيدة وغير عابرة وقريبة من القرّاء بجميع شرائحهم وخلفياتهم الفكرية”.


أكذوبة ديوان العرب


تعرضت رواية “مديح الكراهية” إلى عديد من التضييقات، بل ومنعت في أكثر الأحيان من النشر، هذا الشعور ربما انتاب خالد خليفة وهو يكتب “لا سكاكين في مطابخ المدينة”، عن هذه المسألة يقول خليفة: “لم أفكر للحظة واحدة وأنا أكتب روايتي الجديدة في المنع، ولم أقف عنده، الكتاب يصل إلى قرائه دوما، ونحن اعتدنا على المنع، بالإضافة إلى أن الرقيب دوما زائل والإبداع يمكث في الأرض”.

كلنا يعلم أن كل عمل إبداعي جديد معرّض للنقد، وهو ميدان يشغل بال المبدعين الذين يحاولون مسايرة المجال النقدي، فكيف يرى خليفة حال النقد في اللحاق بما يتمّ إنتاجه إبداعيا، يقول مجيبا عن هذا السؤال: “اليوم النقد الصحفي أو المراجعات هي السائدة، وأعتقد أن النقد بمفهومه العميق لم يلتحق بالإبداع العربي، في الكثير من التجارب المكتملة منذ سنوات لم يقم النقد بالعمل عليها كمنجز منته”.

الكثير اليوم يعتقدون أن الرواية العربية ديوان العرب وهي تطرح نفسها كبديل عن الشعر، في هذا السياق يقول خالد خليفة: “لا يمكن للرواية أن تأخذ مكان الشعر، وفكرة ديوان العرب هي أكذوبة كبرى، العرب ليس لديهم أي ديوان اليوم، لا شعر ولا نثر، والثقافة في أدنى سلم اهتماماتهم”. كتب خالد خليفة العديد من الأعمال الدراميه المهمة، وظل أحد الأسماء الموجودة وبقوّة في ساحة الدراما السورية، رغم أن اللجوء إلى هذا الميدان له أسبابه ومبرراته، وهذا من شأنه أن يضيف الكثير إلى كل كاتب، وفي هذا الصدد يقول خليفة: “الدراما منحتني الاستقرار المادي، وفضاء جديدا أجرب فيه كتابة مختلفة، تمنحني اللذة أحيانا، وهي تمرين كبير على الصبر الذي يحتاجه أيّ كاتب شرط معرفته متى يتوقف إذا أراد لمشروعه الروائي الحياة”.


انتصار الإصرار


ما تعيشه سوريا، اليوم، ومنذ سنوات من أحداث وأوضاع مأساوية، ترجمته كتابات خالد خليفة، الذي تفاعل مع الثورة، ورفض ترك أرضه، المشهد صار ضبابيا بعد تدخل عديد الأطراف في الأحداث الدائرة هناك، وخصوصا “جماعة النصرة”، التي أثرت بشكل أو بآخر على الساحة السورية. عن مستقبل الثورة السورية، وعن تأخر انتصارها، يقول خالد خليفة: “الوضع، اليوم، ليس على ما يرام، لكن على المدى البعيد لن يحدث إلا ما خرج السوريون من أجله ودفعوا أثمانه أضعافا، وسوريا لن تكون إلا دولة ديمقراطية مدنية”. يعترف خالد خليفة بقدرته على كتابة الرواية، وهذا مجاله الأساسي، وإنتاجه محصور في هذا الجنس من الكتابة، وهو يقرّ كذلك بأنه لو احترف غير الرواية وخاض مجالات إبداعية فنيّة أخرى، يقول: “أعتقد بأنني سأكون كاتب قصة أو شاعرا متوسط الموهبة لو تطاولت على هذه الفنون، أنا مكتف بما لديّ، ولا أحاول تضييع وقتي وما أكتبه من فنون أخرى أبدو فيه هاويا، إلا أنني دوما أشعر بأنه كان من الممكن أن أكون نحاتا، والفن الذي أحب أن أهبه وقتي هو الكتابة للسينما لو كانت هناك ظروف إنتاج مواتية خاصة بعد تجربتي الطويلة في الكتابة للتلفزيون”.


لسنا متعالين


ينفي خالد خليفة صفة التعالي عن كتّاب الرواية، وإحساسهم بأنهم الأفضل، يقول في هذا السياق: “لا أعتقد بأنهم متعالون لكن الوقت الطويل الذي يقضونه في كتابة نصوصهم يجعلهم يشعرون بأنهم يبذلون جهودا أكبر مما يبذله رفاقهم كتاب الفنون الأخرى”.

يقول ميلان كونديرا: “إن الفعل غير الأخلاقي الوحيد في مجال الرواية ألا تتطرق إلا إلى المعلوم، ولا ترتاد عوالم جديدة”، فهل يتفق خالد خليفة معه في قصدية فن الرواية، يقول خليفة: “لا أعتقد بأن الإخلاص إلى المعلوم فعل لا أخلاقي خاصة وأن الرواية لم تحدّد لأحد قواعد ثابتة، يستطيع الكتاب بارتياد عوالم غير معلومة وغير مخترعة وإلا لماذا الخيال جزء أساسي من الكتابة”.

لكل إنسان أحلامه، ولعل الأديب والروائي له أحلام تختلف عن الناس، وحلم خالد خليفة في المجال الثقافي والمجال الخاص جدا، يتمثل في أن تصبح القراءة جزءا أساسيا من يوميات أيّ مواطن عربي، وهذا يتطلب عملا طويلا ودؤوبا من قبل الجميع؛ لا معرفة دون القراءة.

أما عن مشروعه الثقافي، يقول خالد خليفة: “ليس لديّ مشروع ثقافي كما توحي به كلمة مشروع، أمنيتي الوحيدة أن أكون روائيا جيّدا، تستطيع نصوصه مساعدة الناس في مراجعة ذواتهم، وتمنحهم السعادة والمتعة”.

لكل أديب ذروة يصل إليها، فهل يعتقد الروائي السوري أنه بلغ ذروة كتاباته بـ”مديح الكراهية”، في هذا الشأن يقول: “لا أعتقد بأنني قلت كل ما عندي خاصة على صعيد التقنيات الروائية، لكن لا يعني هذا بأنني سأكتب بشكل أفضل؛ عند بداية أية رواية يعود إليّ الارتباك نفسه الذي كنت أشعر به وقت كتابتي لروايتي الأولى”.

15