الروائي عبد الرزاق بوكبة: آن الأوان لنحصي مجازر الكتابة الأحادية لتاريخنا

الأحد 2014/02/16
أعمال تستلهم الوثيقة التاريخية وتنصف المرأة

بعد تجربة تراوحت بين الشعر والسرد، صدر مؤخرا للكاتب الجزائري عبد الرزاق بوكبة سفره الروائي الثاني الموسوم بـ”ندبة الهلالي” عن “منشورات الوطنية للنشر والإشهار” (ANEP) بالجزائر، وهي مغامرة سردية أخرى أرادت تغييب الراوي العليم في إحالة إلى الرواية الرسمية (الأرثوذكسية) للتاريخ.

عبد الرزاق بوكبة، كاتب وروائي جزائري من مواليد سنة 1971. يكتب مقالا أسبوعيا في الصحافة الجزائرية، مشرف على فضاء “صدى الأقلام” للمسرح الوطني الجزائري، وهو أيضا منشط ومنتج برامج أدبية في التلفزيون الجزائري. له عدة إصدارات منها “جلدة الظل” و”من دس خف سيبويه في الرمل” و”أجنحة لمزاج الذئب الأبيض”. الروائي عبد الرزاق بوكبة التقيناه في هذا الحوار ليحدثنا عن مولوده الإبداعي الجديد المعنون بـ”ندبة الهلالي”، وعدة مسائل أدبية أخرى وتجربته الإبداعية.

فوضى سردية

رواية بوكبة الجديدة “ندبة الهلالي” تبدأ بمغادرة الراوي، وهذا ما قد يدخل الكاتب في “فوضى” سردية قد تأتي في النهاية على بنية الرواية وقد توغل في الانفتاح على أصوات متعددة، عن هذه المسألة، يقول عبد الرزاق بوكبة:” الرواية بنت الانتباه كما ورد على لسان علي بلميلود أحد شخوص الرواية، أي أنها مشروع مؤطر بوعي حاد يعصمها من أية فوضى سردية أو زوائد دودية قد تخل بروائيتها، وإن انسحاب الراوي في ندبة الهلالي هو إشارة إلى الاستقالة المعنوية الجماعية التي أصبحت سيدة في المشهد الجزائري مؤخرا، إذ لا أحد بات يتحمل مسؤوليته تجاه الذاكرة واللحظة معا، مما خلق فراغاتٍ منحت الفرصة للهوامش كي تصبح متونا في بعض الأحيان، وإنني ككاتب أنتصر بالضرورة للهامش الخلاق، لكن ليس على حساب الحقيقة التاريخية والإنسانية.

لقد دفعت الراوي عمدا إلى الانسحاب لأنه أصر على أن يبقى عليما، يتتبع باقي الشخوص حتى في أقصى لحظاتهم حميمية، وهذه نظرة كرست العقلية البوليسية التي لم تنتج إلا الفوضى في ظل زعمها أنها تتوخى النظام”.

غياب الراوي أفرز وضعا جديدا بظهور مجموعة من “نوابه”، ونتج عنه ذلك التعدد في زوايا النظر.

يحضر اسم عبد الرزاق بوكبة كأحد شخوص الرواية، وهو أمر يطرح أكثر من سؤال

فهل تفرق “دم الحقيقة” بين هؤلاء؟ عن هذا السؤال يجيب بوكبة قائلا: ” أزعم أن التاريخ المكتوب في ظل تعدد الرؤى والأصوات حتى وإن كانت أنانية، أثرى وأفيدُ من التاريخ الذي يكتبه الصوت الأوحد، إذ يمنحنا التعددُ رغم انحيازات أطرافه فرصة للمقارنة والبحث”.

ويضيف قائلا: ” التاريخ بحث، ولقد آن الأوان لنعدد المجازر التي ترتبت عن الكتابة الأحادية التقديسية لتاريخنا الجزائري التي بررت وجودَها بحرصها على الوحدة الوطنية والوصول بالإنسان الجزائري إلى مقام المواطن الصالح، فإذا بنا نصل إلى إنسان باحث عن ذاته داخل ركام من التشوهات عطلت الذاكرة، وستعطل المستقبل إذا لم نتحرك في ظل تكامل من المنظومات المعنية”.

المتأمل في الرواية الجديدة لبوكبة يلاحظ أن ثمة مشكلة بين الراوي وبين الرواة، رغم حرص المؤلف على عد التقاطع بين هذين الحدثين السرديين، إلا أن بوكبة يؤكد أن هذه المشكلة تبقى مطروحة بما أنه جزائري، فيقول: “هي مشكلتي مع ذاتي ذاتها كإنسان جزائري يصبح على شعار مقدس من قبيل “الاشتراكية خيار لا رجعة عنه”، ثم يمسي على شعار مقدس آخر ينسف الأول نسفا من غير تمهيد أو تبرير، يكبر مرفوقا بعبارة “أغلق فمك” في الأسرة والشارع والمدرسة.

تعدد الأصوات

لقد تفطنت إلى أنني كنت منذ صغري أرمي الروايات التي تعتمد على الراوي العليم الذي يسرد لحظات شخوص الرواية حتى داخل المراحيض، لذلك فقد تجنبتْ ندبة الهلالي هذه الطريقة من خلال تحرير الشخوص وطرد الراوي”.

تميزت الرواية الجديدة لبوكبة بكثرة الشخوص، وهو أمر يبرره الكاتب بقوله:” تأمل التظاهرات التي يسيطر فيها شخص واحد على منصة الحديث، وتلك التي لا سيد على منصتها، حيث يكون متاحا للجميع أن يتحدثوا.. أن يصرخوا، فستجد أن عدد قاصدي الثانية أكبر بكثير من الأولى، لذلك فإن ما أسميتها أنت كثرة في عدد شخوص ندبة الهلالي أملتها بِنْية الرواية نفسها باعتبارها كانت منصة مفتوحة على حرية الصوت”.

ويضيف عبد الرزاق بوكبة قائلا: ” لقد كنت أصحو صباحا فأجد صوتا جديدا قد دخل إلى الفضاء من غير أن يطرق أو يستأذن، ويشرع من غير أن ينتظر إشارة في ممارسة ذاته داخل الفضاء، تماما كما يحصل في مخيمات اللاجئين، إذا ليس مبررا أن يسأل القائم على المخيم وافدا جديدا: لماذا أتيت، أو ماذا تريد؟”.

يحضر اسم عبد الرزاق بوكبة كأحد شخوص الرواية، وهو أمر يطرح أكثر من سؤال: هل كان الكاتب محايدا مع هذه الشخصية مقارنة مع الرواة الآخرين؟ عن هذا السؤال يجيب بوكبة قائلا: ” لقد وجدت نفسي داخل مخيم السرد هذا مجرد لاجئ عليه أن يناضل هو الآخر من أجل أن يجد له حيزا، ويدافع عنه بعد أن يجده، إذ لا تنس أن هذه الوضعية القائمة على حرية الحركة والفعل داخل الفضاء تخلق كمّا رهيبا من الأنانيات، وقد وجدتني مشدودا بحبلين على مدار الرواية: حبل أن أقول ذاتي مثل باقي الشخوص، فأنا أيضا ذات لها دوافعها لذلك، وحبل أن أبقى حريصا على تحيّن المفاصل المناسبة لذلك حتى لا أخل بروائية روايتي.

لقد عشت تجربة قاسية ولذيذة في الوقت نفسه، فهمت من خلالها معطياتٍ إنسانية كثيرة سأستفيد منها فيما يلي من تجاربَ في الكتابة والحياة”.


الشمعة تحرقني

العنوان الفرعي لـ”ندبة الهلالي: من قال للشمعة أح” يحيلنا إلى العنوان الفرعي لروايتك الأولى “جلدة الظل: من قال للشمعة أف” والصادرة عام 2008 ما هي حكايتك مع الشموع، فهل ستنتهي عند هذين النصين؟ عن هذا السؤال يجيب قائلا: ” أنا خرّيج قرية جزائرية كانت تنام على الحكايات، وكان إطفاء الشمعة من قبل الحاكي دليلا على حلول وقت النوم، وهو الوقت الذي كان يرعبني، حتى أني وضعت مرة يدي فوق الشمعة حين همّتْ جدتي مريم بإطفائها فاحترقت.. هل لاحظت؟

ليست الشمعة داخل تجربتي مجردَ ديكور يمكن التخلي عنه من غير أن يحدث اختلال ما، إنها حامية الحكاية، بل هي الحكاية نفسها، ما دامت الحكاية لا تتم إلا بها”. ويضيف حاولت في الجزء الأول من الثلاثية أن أبحث عمّن يرغب في إطفائها “أف”، وفي الثاني الذي هو ندبة الهلالي عمّن احترق بها “أح”، فيما سأبحث في الثالث المعنون برقصة اليعسوب: من قال للشمعة أخ، والذي هو قيد الانكتاب عمّن زهد فيها”.

عبد الرزاق بوكبة، كاتب وروائي جزائري من مواليد سنة 1971. له عدة إصدارات منها "جلدة الظل" و"من دس خف سيبويه في الرمل" و"أجنحة لمزاج الذئب الأبيض"

تحضر المدينة مركزا في “الندبة” لكنها تحولت إلى هامش في “جلدة الظل”.. فهل تحوّلت قرية بوكبة أولاد جحيش إلى “أندلس مفقود”؟ في هذا الشأن يقول: “تساءلتُ مبكرا: كيف فشل الاستعمار الفرنسي في تحويل القرية الجزائرية عن ذاكرتها رغم كل محاولاته المدججة بترسانة من المبادرات على مدار قرن واثنتين وثلاثين سنة، فيما حصل ذلك خلال أقل من نصف قرن من الاستقلال؟ أليست مفارقة؟ إنني كلما عدت إلى قريتي أجد أنها تخلت عن حكاية ما، عن طقس ما، عن ملمح ما، حتى أوشكت على أن تتحول إلى كتلة إسمنتية لا ذاكرة لها، وهذا الواقع المؤلم هو الذي دفع بي إلى إعادة استحضارها في كتاباتي. قلتَ إنني أراها أندلسي المفقود؟ لكنني لست ممن يحب الوقوف على الأطلال إلا ليعصم نفسه من التحول إلى طلل، ذلك أن مصير الإنسان في أحيان كثيرة ليس إلا مصيرَ مكانِه نفسِه”. ويتابع بوكبة قوله: ” لقد رفدتْ القريةُ ثورةَ المدينة في الجزائر على الاستعمار، فيما زودت مدينة الاستقلال القرية الجزائرية بالإرهاب، وهي من المفارقات التي اشتغلت عليها في ندبة الهلالي”. عبد الرزاق بوكبة منشغل هذه الأيام بكتابة نص جديد، لم تعرف ملامحه، إلا أنه اعترف لنا بأنه بصدد إنجاز الجزء الثالث من ثلاثية الشمعة بعنوان “رقصة اليعسوب”، والتي قال عنها:” لقد تطلب مني هذا الجزء كثيرا من الحفريات في التاريخ الوسيط للجزائر، والبحث في السياقات التي شكّلت نماذج من المثقف المناهض للسلطة مثل سيدي أبي مدين شعيب المتوفى عام 1198 وسيدي محمد بن عمر الهواري المتوفى عام 1439، كما تطلب مني كثيرا من السفريات، لذلك قررت أن أتأنّى حتى لا أقع في الاستعجال والارتجال، وأباشر خوض تجربة روائية موازية أشتغل فيها على الإحساس بالخوف في الحرب عنونتها مبدئيا بـ”توابل الثعلب”.

16