الروائي عزت القمحاوي: مثقفو مصر منخرطون في معركة المستقبل

الثلاثاء 2014/03/04
القمحاوي: "البلاد الجميلة لا تجعل من أبنائها طارئين في بلاد أخرى"

القاهرة - “في غرفة فسيحة، يسمونها جناحا، يعيش؛ لا يعرف متى يمكنه أن يغادر ولا يتذكر لمَ ومتى جاء؟ يشعر أحيانا أنه كان في هذا المكان من قبل، وأحيانا يتخيّل أنه شاهده في فيلم بالأبيض والأسود، بينما يجعله عجزه عن الفرار يعتقد أنه نائم على سريره في بيته” هكذا بدأ الروائي المصري عزت القمحاوي روايته الجديدة “البحر خلف الستائر” قاصدا الولوج إلى عمق العزلة وما تفرضه على أصحابها من وحشة واغتراب؛ “العرب” التقت القمحاوي فكان الحوار التالي:

الكاتب والروائي عزت القمحاوي من مواليد محافظة الشرقية في مصر، عمل مديرا لتحرير “أخبار الأدب”، ثم مديرا لتحرير مجلة “الدوحة”، وفاز بجائزة نجيب محفوظ المقدّمة من الجامعة الأميركية عن روايته “بيت الديب”، تعتبر روايته “البحر خلف الستائر” أحدث رواياته بعد “غرفة ترى النيل”، و”الحارس″، و”مدينة اللذة”، و”بيت الديب”، كما أن لديه كتبا لا تنتمي إلى النوع الروائي على رأسها كتابا “الغواية” و”الأيك في المباهج والأحزان”.


رواية العابرين


يقول القمحاوي عن روايته الجديدة “أنا أفكر قليلا في التقنية وأعتقد أن العمل الروائي دائما يحتاج الكاتب فيه إلى الإنصات لعالمه، وهذا يؤدّي إلى أن يختار العمل وتقنياته ولغته، فالروائي من بين كل ممارسي الإبداع من المفترض أن يمتلك لغة لكل رواية حسب طبيعة العالم الذي يتناوله”.

القارئ شريك للروائي في توليد المعنى أكثر من المفكر الذي يمتلك فكرة واضحة بالنسبة إليه يقدمها للقارئ

وفي ما يتعلق بعمق تركيز الرواية وقربها إلى القصة القصيرة منها إلى الرواية يقول القمحاوي “الرواية بالفعل أقرب للقصة القصيرة نظرا لتركيزها، بدأت كتابتها كقصص قصيرة وبدأت بنصوص من الوسط، ولكن الشخصيات ألحت في العودة مرة أخرى وانحازت الكتابة للرواية في النهاية، فهي تحمل الكثير من خصوصيات القصة القصيرة من حيث شاعرية الجملة واختصارها واختزالها، وتحمل أيضا سمات السرد الروائي”.

يردّد القمحاوي في روايته “البلاد الجميلة لا تجعل من أبنائها طارئين في بلاد أخرى” ويعتبرها جملة بها الكثير من الأسى والتعبير عن الواقع، فالبرج يعطي ظلال منطقة الخليج التي يفد إليها التقني والعامل البسيط، كما أن نزوح العمالة للخارج يعكس فشلا في البلد على استيعاب قدرات أبنائه.

وعن سبب اعتماده على صوت الراوي في الرواية يقول القمحاوي “الشخصيات تتغير، والباقي هو البرج بفكرة العزلة، لذا فالراوي يروي عن هؤلاء العابرين ويراقبهم جميعا”.


قسوة العزلة


ويؤكد القمحاوي أنه ليس من دور الرواية أن تقدّم أفكارا ولكنها تفعل ذلك، فكل الروايات من المفترض أن تقدّم أفكارا ولكن بشكل غير مباشر، تمثيلات الأحداث تنتج عنها رسالة تصل إلى القارئ وهذا جزء من فضائل الرواية، حيث أن القارئ شريك للروائي في توليد المعنى أكثر من المفكر الذي يمتلك فكرة واضحة بالنسبة إليه يقدّمها للقارئ، ومساهمة القارئ في تلقي الفكر أقل من مساهمته في تلقي الإبداع، ومن هنا تتجلى متعة الإبداع، ففي “البحر خلف الستائر” لا توجد مقولة مباشرة ضدّ العولمة، ولكن من خلال قسوة الوحشة سيدرك القارئ أن هناك موقفا يضمره الروائي من العولمة، فهذا موقف أصل إليه بالحسّ أكثر من التأمل الفكري.

رواية القمحاوي لا تقدم أفكارا جاهزة

ويستطرد “أوازن بين شخصي في حالة القرية والمدينة والمدينة الغريبة التي لا يعرفني فيها أحد، حيث أشعر بالأمان بصورة كبيرة في القرية التي لا أضطرّ فيها إلى حمل أوراق شخصية أو نقود، ويتناقص الأمان تدريجيا باختلاف المكان، أقصى وأقسى عزلة تتجلّى في البرج حيث تظهر تمثيلة السرد موقفا سلبيا من العولمة”.

ويرجع الفضل في اختيار عنوان روايته الجديدة “البحر خلف الستائر” إلى صديقه الشاعر وليد الخازندار، قائلا إنه أول من يقرأ مسودات أعماله، كما أن عددا قليلا من الأصدقاء يقرؤون له قبل النشر.


كاتب كادح جدا


وعن مدى حضوره الشخصي في أعماله يؤكد القمحاوي أن حضوره الشخصي نادر، وعندما يجد روائيا يكتب سيرة ذاتية في رواية جيدة يشرح أنه بانتظار العمل التخييلي الذي لا يوجد فيه ذات المؤلف، قائلًا “من الممكن أن أكون هذا الراوي في “البحر خلف الستائر”، أو أحد شخصيات رواية “غرفة ترى النيل”، ولكن فيما عدا ذلك لا وجود لي على الإطلاق”.

ويشير القمحاوي إلى أن إيقاع نشره لرواياته يكون كل عامين، فهو يكتب بشكل سريع ولساعات طويلة، لكنه يراجع ببطء شديد، فهو لا يكف عن الكتابة أو المراجعة، زمن الكتابة لديه لا يتجاوز ثلاثة أشهر، لكن المراجعة تكون لفترة طويلة. ويضيف: "أنا كاتب كادح جدا، و ليس لديّ رفاهية الطقوس، فالعمل في الصحافة يجعل الوقت ضاغطا، لذا درّبت نفسي على الكتابة في أيّ وقت، لا شرط لي إلا الصمت والأماكن المنعزلة أثناء الكتابة".وفيما يتعلق بالجوائز وما تمثله له كأديب يقول القمحاوي “الجوائز لا تمثل لي شيئا على الإطلاق، فهي كفوزي باليانصيب تماما، وهذا ليس موقفا من الجوائز وإنما معرفة مني بطبيعة الإبداع الذي هو باب اختلاف، تستطيع تقييم كتاب علمي بشكل متكامل، لكن في الرواية فإن لجنة التحكيم تتكون من عدد من الأعضاء المتميزين، غير أنه يوجد آخرون بالطبع لهم رأي مختلف في الرواية، فمعركة الكاتب مع نصه فقط، ولكن الجائزة تكون مفيدة أحيانا في مخاطبة نوع معين من القراء لا يعترفون إلا بحملة الجوائز، كما أنها تساعد على انتشار الأعمال، فالجائزة قيمتها كما ترتضيها لنفسها وكما يرتضيها القائمون عليها، إن كانت سيئة الاختيار صارت عديمة القيمة”.


أزمة قراءة


وعن كتابيه “الغواية” و”الأيك في المباهج والأحزان” اللذين يصنفان خارج النوع الروائي يقول القمحاوي “ردود الفعل عنهم أسعدتني، هم بمثابة حفلة كتب وقراءة تحفز القارئ لعناوين معينة، ولا أظن أنني خاطبت فيها القارئ الذي قرأ الكتاب المرشح فقط، وينتمي الكتابان إلى “كتب الأفكار” التي أحب كتابتها لكي يكون صوت المؤلف خافتا في الروايات ولأضع أفكاري فيها، وأدخل إلى الإبداع غير معني ببث أفكار بعينها. فهي بمثابة إنعاش لذاكرة القراءة خصوصا أنني لا أتبع طريق الباحثين ولكن ما يرد على ذاكرتي من أجمل ما قرأت”.

“ما أثقل أن يكون الكائن مواطنا في العالم الثالث ومحبا للكتب في الوقت ذاته”.. جملة ذكرها القمحاوي في كتابه الغواية، وعلى الرغم من ذلك هو يرفض الإقرار بأن هناك أزمة قراءة في العالم العربي قائلًا “أوذيت عادة القراءة في فترة السبعينات حتى أواخر التسعينات، وكادت أن تموت بموت الطبقة الوسطى بعد الانفتاح الاقتصادي، ولكن في أواخر التسعينات حتى عام 2011 انتعشت عادة القراءة بشكل جيد حيث انتشرت المكتبات ودور النشر، ولكنها تأثرت سلبيا بعد ذلك في الأعوام الثلاثة الأخيرة حيث ضغط الشأن السياسي، ولكن على كل حال فإن التلقي الثقافي يرتكز على وضع المؤسسات لهذا الشأن في متناول الناس وأن يكون الوضع الاقتصادي والحضري يسمح بذلك، فالثقافة فعل رفاهية في النهاية، لا يمكن أن يشتري أحد كتابا وهو في حاجة إلى الطعام، هي حركة التاريخ التي تؤثر في عادات الناس″.


كتابة الواقع


وعن الأعمال الجديدة التي هو بصدد كتابتها يقول القمحاوي “كانت هناك رواية كتبت منها شوطا طويلا، ولكن توقفت لأن الواقع انتصر وتجاوز خيالي، حيث وضعت تصورا ووجدت الأحداث السياسية تسير في نفس الخط فشعرت أنني أكتب أخبارا وليس رواية، أعدّ في الفترة الحالية كتابا خارج النوع الروائي مثل “الغواية” و”ذهب وزجاج”، عن الفوتوغرافيا، فأنا مهموم هذه الأيام بهذا الموضوع ودور الفوتوغرافيا في الثورة وكيف كانت سلاحا فيها، حيث أرصد على سبيل المثال استخدام صور المرأة في ثورة 25 يناير من قبل المصورين الموالين لمبارك الذين صوّروا المرأة المنتقبة للإيحاء بأنها ثورة إسلامية وآخرون يصوّرونها من جانب مدني، فنظام الأسد على سبيل المثال كان يحرص على أن يكون كل المتحدثين باسمه سيدات للإيحاء بأنه نظام علماني.

وعن رؤيته للوضع الثقافي المصري يقول “الوضع الثقافي يقاس على الوضع السياسي ولا يقاس على نفسه، فالحالة السياسية التي نمرّ بها رجراجة، المثقف ومنتج الثقافة منخرطان في ترتيبات المستقبل القادم؛ الثقافة ليست على أرض ثابتة مثل السياسة، ونحن الآن في وضع انتقالي، وسؤال الثقافة يكون صعبا في الوضع الانتقالي.


* بالتعاون مع وكالة أنا برس

15