الروائي ليوجين يون يفضح أسرار العلاقات الخاصة

رواية "الموبايل" أشاد بها عدد من كبار نقاد الأدب الصيني وكما حققت الرواية نجاحا كبيرا، كما تم تحويلها لفيلم سينمائي في نفس العام الذي صدرت فيه طبعتها الورقية.
الأحد 2018/06/17
روائي لامع وروايته "الموبايل" اعتبرت فتحاً في الأدب الصيني الحديث

تعد رواية “الموبايل” للروائي الصيني الشهير ليوجين يون، من أوائل الأعمال الإبداعية العالمية التي عالجت برؤية فنية وجمالية ممتعة تأثير جهاز الموبايل في المجتمع والعلاقات التي تربط أفراده، انطلاقا من الأسرة ومرورا بالعمل وانتهاء بالمحيط الاجتماعي، فالرواية التي ترجمها وقدم لها د.حسانين فهمي حسين، والتي صدرت لأول مرة في عام 2003 عن دار نشر تشانغ جيانغ اليانجستي للفنون والآداب، تدور أحداثها حول الإعلامي المعروف يانشوإي مقدم برنامج “بصراحة” بالتلفزيون الصيني، وعلاقته بثلاث شخصيات نسائية: زوجته يووين جيوان، التي انفصلت عنه بعد زواج دام عشر سنوات، أقل ما يقال عنها أنها كانت مليئة بالحب والتضحية من جانب واحد، من جانب الزوجة التي تتحمل الكثير في مواجهة الزوج الذي يستغل شهرته الإعلامية ليقيم علاقات عاطفية مع معجباته.

عندما نسي الموبايل في البيت مصادفة، بدأت القصة، لتكتشف زوجته السر الذي كان كافيا لأن ينهي العلاقة في ما بينهما، ولتتوالى المصائب التي كان الموبايل سببا في وقوعها للبطل يانشوإي وصديقه الأستاذ الجامعي فيي موه. وعشيقته وويويه ـ الشخصية الثانيةـ التي كانت سببا رئيسا في طلاقه من زوجته، والتي تمكنت في النهاية من تهديده بصورة التقطتها وهما معا وأرسلتها له عبر موبايله لتهدده بها، وتطلب مساعدته في تزكيتها للعمل كمذيعة ببرنامج التوك شو الذي يقدمه.

الشخصية الثالثة صديقته شين شويه، الأستاذة بقسم التمثيل بمعهد المسرح ببكين والتي تعرف عليها بعد طلاقه من يووين جيوان. ليقدم لنا الكاتب “الموبايل” هذا الجهاز الذي استغله البطل يانشوإي كأداة للكذب والخداع، بشكل يتنافى تماما مع اسم ومضمون برنامج التوك شو “بصراحة” الذي يقدمه يانشوإي على شاشة التلفزيون، مع المفارقة الكبيرة بين اسم البطل يانشوإي الذي “يعني الجاد أو الملتزم” واسم البرنامج “بصراحة” وشخصية مقدمه الذي هو بعيد تماما عن الصراحة والالتزام. ويكشف في الوقت ذاته عن الكذب والزيف اللذين يسيطران على حياة شخصيات الرواية الأساسية بمن فيهم الأستاذ الجامعي فيي موه صديق يانشوإي وزميله في إعداد برنامج “بصراحة”، هذا البرنامج الذي يقوم بشكل أساسي على قول الحقيقة، في حين أن مقدمه غارق في الكذب.

"الموبايل" من أوائل الأعمال الإبداعية العالمية التي عالجت برؤية فنية وجمالية ممتعة تأثير جهاز الموبايل في المجتمع والعلاقات التي تربط أفراده،

تبدأ الرواية بالحديث عن حياة يانشوإي في الريف الصيني قبل انتقاله إلى بكين والعمل في مجال الإعلام، ومنه إلى عالم الشهرة والكذب، ثم تصور حياة يانشوإي مع زوجته يووين جيوان الموظفة بإحدى الشركات العقارية، الجميلة الهادئة التي لا تفارق الابتسامة وجهها، قبل أن تكتشف بالصدفة كذب وخيانة زوجها لها من خلال موبايله. وعلاقة يانشوإي بوويويه، التي كانت سببا مباشرا في طلاقه من زوجته، والتي استطاعت أن تستخدم الموبايل لتهديده وابتزازه لمساعدتها في تحقيق غرضها للعمل مذيعة ببرنامج “بصراحة”، ثم علاقته بصديقته التي تعرف عليها بعد الطلاق مباشرة شين شويه، المدرسة بقسم التمثيل بمعهد المسرح ببكين. وتصوير صخب المدينة ومعاناة ومتاعب أهلها، من خلال رحلة البطل من مسقط رأسه بمقاطعة خه نان للعمل ببكين، ثم الزواج والولوج في عالم الشهرة حتى الطلاق. وكأنه كان يعيش في حلم طويل منذ أن قدم إلى المدينة، ليصبح مجرد دمية تنطق بالكذب دون سواه، من خلال جهاز الموبايل الذي تحول إلى قنبلة موقوتة ينتظر انفجارها في أي لحظة. وتنتهي الرواية بالعودة إلى الحديث عن الريف الصيني، للتأكيد على ارتباط الكاتب ليووجين يون بتاريخ وثقافة مسقط رأسه مقاطعة خه نان والريف الصيني بوجه عام، والبحث عن الجذور الثقافية لشخوص أعماله. ليلتقي في هذه النقطة بمويان في اهتمامه بالكتابة عن مسقط رأسه قاومي بمقاطعة شاندونغ، الذي اتخذه مويان مسرحا لعدد كبير من أعماله، ليؤكد على الاتجاه القائل بالعلاقة الوثيقة بين الكاتب ومسقط رأسه.

وفي مقدمته للترجمة الصادرة عن دار ضفاف عرف د. حسانين فهمي حسين بالروائي الصيني ليوجين يون موضحا أنه ولد في عام 1958 بمقاطعة خه نان، وتخرج في قسم اللغة الصينية بجامعة بكين العريقة عام 1982.

أحد أهم الأصوات الأدبية في جيل ما يعرف بجيل الرواد الذين لمعت أسماؤهم على الساحة الأدبية الصينية منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، الجيل الذي يضم سوتونغ، قه فيي، مايوان، تسان شويه، يوهوا، خان شاوقونغ ومويان صاحب “الذرة الرفيعة الحمراء” الحائز على نوبل الآداب 2012. عمل عقب تخرجه في عام 1982 بمجلة “الفلاح اليومية”. درس خلال الفترة من 1988-1991 الأدب الصيني بمعهد لوشيون بجامعة المعلمين ببكين بمرحلة الدراسات العليا. نشر منذ عام 1987 بمجلة “أدب الشعب” الصينية عددا من الأعمال القصصية مثل “البُرج”، “السَرية الجديدة”، “جهة العمل” وغيرها من الأعمال التي تصور الحياة في المدينة الصينية من خلال أسلوب نقدي ساخر عبر عن اتجاه الكاتب في تناول القضايا الحياتية لأبناء الشعب الصيني، وانحيازه لجمهور البسطاء في هذا المجتمع، والتعبير عن معاناتهم وآلامهم التي كان قريبا منها من خلال تواصله الدائم مع المهمشين والبسطاء في المجتمع الصيني.

وأضاف “كغيره من أبناء جيله من الروائيين الصينيين المعاصرين، يتخذ ليوجين يون من مسقط رأسه مدينة يانجين بمقاطعة خه نان مسرحا للكثير من أعماله، فتميزت أعماله بلغة وأسلوب فكاهي يحمل طابع خه نان. ولا يكاد يخلو عمل من أعماله من التغني بتاريخ وثقافة وعادات وحياة أهل خه نان. حصلت قصته ‘البُرج’ على جائزة أفضل قصة قصيرة 1987-1988. أبدع ليوجين يون عددا كبيرا من الأعمال القصصية والروائية التي حازت تقدير النقاد والقراء في الصين وخارجها من خلال ترجمة عدد من أعماله إلى اللغات الأجنبية. تم ترشيحه مع عدد من الروائيين الصينيين المعاصرين لجائزة نوبل في الآداب. من أهم اعماله روايات ‘جهة العمل’، ‘السَرية الجديدة’، ‘البُرج’، ‘المسؤول’، ‘لستُ خائنة’ و’رُب جملة بعشرة آلاف جملة’. توجت أعماله بحصول روايته ‘رُب جملة بعشرة آلاف جملة’ على جائزة مادون الأدبية (نوبل الأدب الصيني) في دورتها الثامنة عام 2011. ترجمت أعماله إلى اللغات الإنكليزية، الفرنسية، الألمانية، اليابانية، الكورية، الروسية، الإسبانية، المجرية، الفيتنامية وغيرها من اللغات الأجنبية”.

رواية صينية تفضح أسرار العلاقات الخاصة
رواية صينية تفضح أسرار العلاقات الخاصة

ورأى د.حسانين فهمي أن ليوجين يون يتميز بين أبناء جيله بأعماله التي تغوص في الواقع الصيني المعاصر، وتهتم بتحليل العوالم النفسية للشخصيات، وخاصة تلك الفئات الاجتماعية القريبة من الكاتب، وذلك بأسلوب ساخر يسلط من خلاله النقد للكثير من سلبيات الحياة اليومية المعاصرة في الصين، بأسلوب يجعله قريبا من تيار الواقعية النقدية الساخرة التي تميزت بها أعمال لوشيون (1881-1936) رائد الأدب الصيني الحديث (1919-1949) وعميد القصة الصينية، صاحب الأعمال القصصية المعروفة “يوميات مجنون” و”قصة آكيو الحقيقية” و”الدواء” وغيرها من الروائع القصصية، وقريب في الوقت ذاته من الأسلوب الفكاهي الساخر الذي تميز به الروائي والمسرحي الصيني المعروف لاوشه (1899-1966) صاحب مسرحية “المقهى” ورواية “الجمل شيانغ تسه” وغيرهما من الأعمال. ليؤكد على ما ذكره أكثر من كاتب من أبناء جيله من تأثرهم الواضح بكتابات لوشيون وغيره من رواد الأدب الصيني الحديث، أو كما ذكر مويان في حوارنا معه عقب فوزه بنوبل الآداب 2012 “يتميز الأدب الصيني الحديث والمعاصر بمحافظته على التواصل بين الأجيال المتلاحقة، فكان لإبداعات الكتاب الصينيين الممثلين للأدب الصيني الحديث قبل تأسيس جمهورية الصين الشعبية وعلى رأسهم لوشيون، كان لهم تأثير واضح على إبداعات عدد من الكتاب المعاصرين الذين أنتمي إليهم. فقد استطاع لوشيون أن يفتح أمامنا الطريق للكتابة في الواقعية النقدية، ووضع أمامنا عددا من الموضوعات الأدبية الهامة التي استطعنا أن نكتب فيها، وخاصة في ما يتعلق بالاهتمام بالإنسان البسيط ومشكلاته الحياتية”.

وأشار إلى أن “الموبايل” نالت منذ صدور طبعتها الأولى في الصين عام 2003 تقدير النقاد والقراء الصينيين، وأشاد بها عدد من كبار نقاد الأدب الصيني. كما حققت الرواية نجاحا كبيرا داخل الصين، وتم تحويلها لفيلم سينمائي في نفس العام الذي صدرت فيه طبعتها الورقية في عام 2003، حمل نفس الاسم “الموبايل”، من إخراج المخرج الصيني المعروف فينغ شياوقانغ وبطولة النجم الصيني قه يوو. حقق الفيلم نجاحا جماهيريا كبيرا، وحصد الفيلم والبطل قه يوو جوائز عدة.

وانتشر في المجتمع الصيني آنذاك عدد كبير من التعبيرات التي جاءت على لسان البطل والشخصيات الرئيسية في الفيلم (الرواية)، مثل “أنا في اجتماع دلوقتي”، “مش عارف تتكلم”، “خلاص أنا هاتكلم وأنت أسمعني”، “أنت كنت شقي قوي إمبارح”. بل وقيل إن الرواية ثم الفيلم كانا سببا لقيام عدد كبير من الزوجات والصديقات في الصين بمراقبة هواتف أزواجهن وأصدقائهن، خشية أن يكون بها مثل ما احتوى عليه موبايل يانشوإي بطل العمل. وإن كان هذا حدث قبل انتشار تقنية الهواتف الذكية والانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، فكيف ستكون “القنابل الموقوتة” التي ستنفجر بسبب الموبايل بتقنياته الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي وبرامج “الشات”؟ وتم تحويل الرواية كذلك إلى مسلسل تلفزيوني بنفس الاسم في عام 2010، تم عرضه في أربع محطات صينية (محطات بكين، شينجين، الشرق وجه جيانغ) من بطولة النجم الصيني وانغ جه ون والنجمة كه لان والنجم تشين داومينغ والنجمة ليو بيي.

11