الروائي محمد أبي سمرا ودور المثقف اللبناني

الأحد 2014/06/22
محمد أبي سمرا: المثقف شخص عادي ولابد من نزع الخرافة عن هويته

أسس الروائي اللبناني محمد أبي سمرا منهجا روائيا مختلفا في الرواية العربية سواء في أعماله الروائية الثلاثة “بولين وأطيافها”، “الرجل السابق”، و”سكان الصور”، أو في كتابيه “طرابلس.. ساحة الله وميناء الحداثة” و”موت الأبد السوري” اللذين استخدم فيهما كافة تقنيات السرد والدراما في رواية سيرة عشرات الأشخاص والأماكن، فهو يروي ويحلل ويستقصي ويشكل الرؤية ويعطي الأبعاد والدلالات، مؤكدا حسا روائيا متفردا جعل منه مبدعا من طراز فريد وعلامة روائية فارقة في السرد العربي الحديث.

يعمل محمد أبي سمرا في الصحافة “الثقافية” و”التحقيقات”، ويرأس قسم “تحقيقات الأحد” في جريدة “النهار” البيروتية، حاصل على شهادة ماجستير في العلوم الاجتماعية. وقد التقيناه في أبوظبي وكان لنا معه هذا الحوار.

بداية تحدث أبي سمرا أن كتابيه “طرابلس.. ساحة الله وميناء الحداثة” و”موت الأبد السوري” كتبا في وقت متزامن، فالأول بدأ العمل به من عام 2000 بعد حادثة كبرى وقعت بمدينة طرابلس تمثلت في صعود مجموعة من الخلايا الإسلامية على جبل وتنادوا بأن العالم سيفنى وينتهي بالألفية الثالثة، وكان ذلك قبل بدء قصة أسامة بن لادن، وبعدها بدأ تظهر في مدينة طرابلس خلايا أصولية إسلامية جهادية، هذه الواقعة كانت بداية البحث عن الخلفية الاجتماعية بالمدينة لهذه المجموعات الجهادية والسلفية، وخلال سفرات متلاحقة للمدينة وإجراء مقابلات مع أناس تشعب الموضوع وتحول إلى سيرة اجتماعية لمدينة بين عامي 1975 و2000، سيرها ورواتها من فئات متنوعة البيئات الاجتماعية والطبقية والحياة الثقافية، وقد استعملت في هذا الكتاب الطويل “450 صفحة” تقنيات السرد الروائي إنما من ناحية التحقيق وليس الرواية المتخيلة، بمعنى أن كل حدث أو شخصية يتم تقديمها تطرح مأزقا دراميا، الكتاب صحيح سوسيولوجي أو ميكروسوسيولوجي وسير لأشخاص وسيرة لمدينة بأطوار مختلفة، إنما طريقة الكتابة والشخصيات درامية، درامية بمعنى أن المصائر مرتبكة وملتبسة ومتصارعة، ونحن نعرف أن طرابلس عاشت حقبة طويلة من الحرب اللبنانية، طرابلس هي إحدى المعاقل التي وقعت فيها الحرب، كذلك الحرب مروية بسير مقاتلين وأناس مدنيين أناس في مناطق معينة، هي رواية متشابكة الخيوط والعوامل والعناصر.


الموت الأبدي


ويضيف أبي سمرا “كتاب “موت الأبد السوري” فكرته ولدت بعد عام 2005 حيث خرج الجيش السوري من لبنان، بعد اغتيال رفيق الحريري، السوريون جيشا ومخابرات وعمالا ومواطنين كانوا موجودين بلبنان منذ السبعينات، وعلى الرغم من ذلك ظل المجتمع السوري بالنسبة إلى اللبنانيين مجهولا، المجتمع السوري بما هو مجتمع سوري، كيف يعيش السوريون؟ كيف هي علاقتهم بالنظام والمخابرات والسجون والمدارس والتعليم والاقتصاد والثقافة.. إلخ، كل دورة الحياة الاجتماعية السورية لا يكتب عنها السوريون لأنهم يخافون ولأن ذلك كان ممنوعا، لذا لا يوجد تقليد لكتابة سرد يروي الحياة الاجتماعية السورية فعلا كما تعاش، لقد سحل الخطاب القومي العربي والخطاب البعثي وأخفى وغيّب كل إمكانية لاحتمال كتابة سرد عن حياة اجتماعية فعلية، عن وقائع أو حوادث حقيقية، الصحافة لا تروي هذا الشيء أصلا، مع أن عمل الصحافة هو أن تروي الحوادث والوقائع الاجتماعية اليومية للناس. في 2005 بدأت كتابة سير لأشخاص مزدوجي الانتماء “سوري لبناني”، مزدوجي الانتماء بمعنى أنه يمكن أن يكون عاش 15 عاما أو أقل أو أزيد في سوريا ومدة مقاربة في لبنان، أو أمّه سورية وأبوه لبناني أو العكس، محاولا رواية سير عن المجتمع السوري نفسه، فتجمع لي بين 2005 و2011 عدد من السير نشرت في جريدة النهار التي أعمل فيها، وما إن بدأت الثورة في سوريا، أكملت مع الرواة أنفسهم شهادات عن الثورة، لأنهم كانوا يشاركون في الثورة “المظاهرات والاحتجاجات خلال الأشهر الأولى عندما كانت المظاهرات والاحتجاجات سلمية وقبل أن تتحول للعمل العسكري”.

الثقافة اليسارية خلقت أوهاما حول المثقفين ودورهم، وهذا خارج من الفكرة الماركسية اللينينية أن المثقف هو قائد الحزب وقائد الشعب وقائد الجماهير


مجتمعات الشام


وحول ما إذا كانت مجتمعات الشام لبنان وسوريا ذات تركيبة طائفية، رأى أنه في لبنان بالإمكان القول إن تركيبته السياسية والاجتماعية طائفية، “منذ القرن التاسع عشر والجماعات اللبنانية تعي أن تركيبتها طائفية وتتصرف على أساس أن لبنان دولة من متحد طوائف، هم يعون ذلك ويعيشونه علنيا، في سوريا حتى عشية الثورة كانوا يقولون لا ليس عندنا مجتمع طائفي، لكنى أظن أن البعث والنظام التوليتاري البعثي كما محا التاريخ ومحا المجتمع، ومحا الرواية الفعلية عن المجتمع، محا كذلك من أذهان السوريين أنهم جماعات متنوعة، هناك مقولة أساسية عن موضوع سوريا أن النظام السوري يتصرف وكأن المجتمع غير موجود، وأن الدولة السورية هي دولة استراتيجية للمنطقة تدير شؤونها، المجتمع السوري لا وجود ولا أهمية له إلا بكونه مجتمعا صامتا وساكتا، تم اختصاره في حزب البعث وقائده “بشار الأسد أو أبوه من قبل” بصفته شخصية استراتيجية تدير شؤون المنطقة.

وأوضح أبي سمرا “في لبنان كنا نستغرب خلال السبعينات والثمانينات والتسعينات أن الصحف السورية ليس بها خبر عن جريمة أو حادثة اجتماعية أو نزاع سياسي بين حزبين أو طرفين أينما كانا، ليس إلا أخبار القائد وأخبار الحزب البعثي واجتماعاته وتصريحات القائد فقط، إذن المجتمع مغيب ومختف وغير موجود، لذا هذا الكتاب “موت الأبد السوري” محاولة لرواية المجتمع، العنوان الفرعي “شهادات من جيل الصمت والثورة” وفكرة “الأبد” هي فكرة الصمت، الأبد هو الموت”.

سرد يروي الحياة الاجتماعية السورية فعلا كما تُعاش


إيران والأسد


ونفى أبي سمرا أن يكون محللا سياسيا أو استراتيجيا وقال “أنا روائي وليس لديّ أي وهم بصدد مصائر مجتمعات أو دول، ولكن أستطيع الفهم والقول طبقا لما نعيش في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين، كأن المشرق العربي في حالة تفكك جديد سببه عاملان أساسيان الأول الأنظمة التي كانت قائمة نظام صدام حسين ونظام حافظ الأسد ومن بعد بشار الأسد، والعامل الثاني الطموح الإيراني بخلق جماعات مسيطرة ومسلحة داخل هذه الدولة واعتبارها جماعات يديرها النظام الإيراني، حماس في فلسطين، النظام السوري أو بقيته المشلولة، حزب الله في لبنان، والنظام القائم الآن في العراق، كل ذلك تديره إيران، وحافظ الأسد كان يفعل نفس الشيء، يعني هذه الفكرة الاستراتيجية العبقرية لحافظ الأسد أنه كان يخلق جماعات مخابراتية أو حزبية داخل هذه المجتمعات وإدارتها خارج النظام الذي يتبع هذه الدولة أو تلك، حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان، حافظ الأسد كان يفعل نفس ما تفعله إيران، أدار لبنان بهذا الشكل، جماعات لبنانية يجب أن تبقى على عداوات متناسلة دائما ويمنع عليها أن تتفاهم أو تلتقي على مائدة حوار إلا بإرادة حافظ الأسد وعبره هو نفسه”.


إيران قوة إقليمية


وأكد أبي سمرا أن إيران تسعى لأن تصبح قوة إقليمية هائلة، ففي اليمن لديها الجيب الحوثي، وفي فلسطين لديها حماس، وفي لبنان وسوريا والعراق، قوة إقليمية من اليمن لفلسطين، إلى متى سيظل هذا الشيء؟ لا أعرف، الاحتمال أن تصل هذه الجماعات المتصارعة إلى أن تنهك إنهاكا كاملا بعد اقتتال مرير، وتدمر بعضها لدرجة لا يترك لها مخرجا مما هي فيه إلا أن تتوقف عن الحرب، لكن من جانب آخر هل الإرادة الإيرانية ستسمح بتوقف هذا الاقتتال؟”.

ويضيف “النظام الايراني يجوف الدول من داخلها مثال ذلك الدولة اللبنانية، هي شكل، مجوفة من داخلها ليس لها أي سلطة أو أي نفوذ على أحد إلا على الجماعات منزوعة السلاح، أما الجماعات المسلحة مثل حزب الله فهي تتصرف على هواها وبناء على الأوامر الإيرانية”.


حكاية حزب الله


وشدد أبي سمرا على أن هذه أفكار التي يطرحها موجودة ويتناولها الذين يعيشون في هذه الأوضاع، وقال “أنا روائي لي ثلاث روايات وهذان الكتابان، وفي السياق لي كتاب ثالث يصدر قريبا اسمه “ساحل النصارى.. ضاحية حزب الله ” رواية للكيفية التي تحولت بها الضاحية الجنوبية ببيروت لمعقل حزب الله الأساسي والمحل الأول لإذاعة بيانه ونشأة الخلايا الأولى له، هذه الضاحية التي كان اسمها ساحل النصارى، وكانت عبارة عن قرى ساحلية ريفية ومعظم سكانها وملاكها من المسيحيين في القرن التاسع عشر، والرواية ترصد وتسجل تحول هذه القرى إلى ضاحية لبيروت ثم تحولها إلى “الضاحية” بأل التعريف “ضاحية لحزب الله”، فقد سيطر الحزب على السكان وعلى المخيلة الاجتماعية لهم وأنشأ المعقل الأساسي له.. والكتاب شهادات لأشخاص مكتوبة بسرد روائي متشابك، لأن هناك عشرات الأشخاص الذين يروون هذا الأمر، وأعمارهم تتراوح ما بين 90 عاما و30 عاما”.

السوريون جيشا ومخابرات وعمالا ومواطنين كانوا موجودين بلبنان منذ السبعينات، وعلى الرغم من ذلك ظل المجتمع السوري بالنسبة إلى اللبنانيين مجهولا


دور المثقف


وردا على سؤال حول موقف المثقفين ودورهم في هذا الصراع، قال “الثقافة اليسارية خلقت أوهاما حول المثقفين ودورهم، وهذا خارج من الفكرة الماركسية اللينينية أن المثقف هو قائد الحزب وقائد الشعب وقائد الجماهير، وأن المثقف هو الشخص الطليعي، هذه أوهام فالمثقف شخص عادي وأقل من العادي، والعادية هنا بمعنى نزع الخرافة عن دوره، هو مؤثر يكتب تاريخا مؤثرا بالرأي العام مثله مثل أي شخصية أخرى، بعد اختبار عشرين أو ثلاثين سنة تبين أن هذه الخرافة خرافة دور المثقف وصناعته للتاريخ وصناعته للطليعية الثقافية، هذه خرافات ما لها أي معنى، المثقف شخص مثل الآخرين، ما دور المثقف أمام آلة حربية مثل حزب الله في لبنان؟!.


الرواية والصحافة


وقال أبي سمرا “أعمالي الروائية “بولين وأطيافها” عن جد وابن وأم يقيمون في قرية حدودية نائية، ورواية “الرجل السابق”، ورواية “سكان الصور”، ولم أقم بالعمل الصحافي بالمعنى التقليدي المهني المتعارف عليه، بدأت أكتب تحقيقات واكتشفت أن باستطاعتي عمل مزيج من استعمال التقنيات الروائية لتقديم شهادات وتحقيقات عن المجتمع وعن الأشخاص وسيرهم بعمل صحفي، فغالبا ما يقع التفكير أن الكاتب يكتب عن أشياء يعرفها، وأظن أن الكاتب يكتب لأن هناك أشياء لا يعرفها ويتعرف عليها عندما يكتبها بشكل بطيء، فالعمل البحثي الاستقصائي أو كتابة السير سير مجتمع أو أفراد، لا تعرف تركيبة مدينة مثل طرابلس ولا المصير الدرامي لشخص إلا إذا تعرفت عليه وروى لك سيرة حياته لتعيد كتابتها بطريقة لها طابع روائي، درامي ومشوق، عندما يقرأها القارئ كأنه يقرأ رواية.


الوضع الثقافي


ورأى أبي سمرا أن هناك تراجعا في الإنتاج الثقافي، لا يبين أن هناك أجيالا جديدة من الكتاب والباحثين، ليس هناك أحفاد لمن هم في الستين والسبعين من الكتاب والصحفيين، هناك نوع من بداية نضوب، لأن مهنة الكتابة والصحافة صارت مهنة غير مجدية ماديا وحياتيا، كما أن أنظمة العيش تغيرت بوجود وسائل التواصل الحديثة، وتحول العمل الثقافي الكتابي والصحافي لخدمات سريعة، ولبنان مثلة مثل بقية الدول العربية لا يختلف كثيرا في هذا الأمر.

14