الروائي محمد برادة: أكتب لأدفع القارئ إلى التفكير

الاثنين 2014/02/24
برادة: الانتفاضات العربية فتحت الطريق إلى التغيير

الدار البيضاء- العرب- حين يكتب الروائي والناقد المغربي محمد برادة، المولود بالرباط عام 1939، تتقاطع في كتاباته ذاكرتان: ذاكرته الشخصية وذاكرة الوطن. ومن تقاطعهما يهطل المعنى، معنى الكائن والأرض والأشياء، وذلك من جهة أن “الكتابة هي محاورة للذاكرة وإنجاز لنوع من الإخراج السينمائي لها” بعيدا عن الثرثرة السابقة للفعل. “العرب” التقت به على هامش المعرض الدولي للكتاب في دورته العشرين لتخرجه من صمته “الفلسفي” وتنبش في ذاكرته المليئة بالصور والتفاصيل، فكان هذا الحوار.

في بداية حديثنا إلى محمد برادة أكد لنا سعادته بوجوده في المعرض، وصدور روايته الجديدة “بعيدا من الضوضاء، قريبا من السُكات”، وأشار إلى الإقبال المكثف الذي لاحظه على مختلف أجنحة دور النشر التي سجلت هذه السنة رقما قياسيا من حيث عدد دور النشر وعناوين الكتب، كما نوّه بحفل الافتتاح وبحسن التنظيم.

مساءلة التاريخ

عن روايته الجديدة، وماذا أضافت له في تجربته الإبداعية يقول محمد برادة: “في الحقيقة يصعب تلخيص الرواية، ولكن ما يشغلني في الحياة هو العلاقة بالزمن وبالتاريخ، فأنا أحاول دائما أن أسائل علاقتي بالزمن وبالتاريخ وأن أقارن بين الفترات التي عشتها مملوءة بالتفاصيل وبين الصورة المتبقية من تلك الفترات التاريخية، فأجد غالبا أن المعيش هو أكثر صدقا وأكثر قربا من الذاكرة”.

وعن مضمون الرواية الجديدة وما أراد من خلالها إيصاله إلى القارئ. يقول برادة: “الرواية التخييلية تسعفنا بالاقتراب من حقيقة الزمن ومن حقيقة التاريخ، وما سعيت إليه من خلال هذه الرواية هو أن أتابع مسارات شخصيات عاشت في فترات متباينة من تاريخ المغرب، من قبل الاستقلال، أي في عهد الحماية الفرنسية، ثم فترة ما بعد الاستقلال وصولا إلى المرحلة الراهنة”.

ويضيف برادة قوله: “أنا لا أقصد التوجه إلى التأريخ، وإنما إلى رسم السلوكات والمواقف والمشاهد، لكي أدفع القارئ إلى التأمل والتفكير”.

المرأة تحرر الكلام

سنوات طويلة نحتت مسيرة برادة الإبداعية، وتجربة تتحدّث عن تمكن من أدوات الحكي والسرد، الأمر الذي جعل من برادة يخرج عن مسار الكلاسيكي من حيث أشكال الكتابة، وهو ما يوصّفه بالقول: أنا على مستوى الشكل لا أتبع التقليدي، لأن سرد اليوم يقتضي أن نلتقط مسار الزمن في تداخله والتواءاته وتعقيداته، ومن ثمّ فإنّ السرد ينتقل في الزمن وفي الفضاء وبين الشخصيات، وعلى القارئ أن يستجمع عناصر السرد ومكونات الدلالة ليوسّع قراءة الرواية، وبالنسبة إلى هذا العمل الأخير “بعيدا من الضوضاء، قريبا من السكات”، حاولت أن أبرز دور المرأة في التغيير، باعتبارها رافدا أساسيا في توليد القيم وتجديدها، فجعلت من الدكتورة نبيهة سمعان، وهي طبيبة نفسانية، شخصية تسعى إلى سبر أغوار النفس وإلى تحرير كلام الناس، من خلال تنظيم لقاءات في صالون ثقافي يتمّ فيه الحديث عن الشؤون العامة والخاصة”.

أنا على مستوى الشكل لا أتبع التقليدي، لأن سرد اليوم يقتضي أن نلتقط مسار الزمن في تداخله والتواءاته وتعقيداته

ويضيف برادة قوله:” نبيهة سمعان من الشخصيات التي تتعمق في تحرير المجتمع، لأنّ التحرير لا يتمّ فقط بواسطة التغيير السياسي الفوقي، بل يقتضي الجرأة على الإجابة عن جميع الأسئلة التي تنبت في أعماقنا، والتي تكون جسرا بيننا وبين الآخرين”.

فورة إنتاجية


المشهد الثقافي المغربي، بجميع مجالاته وأنماطه، يشهد فورة إنتاجية إبداعية، جعلته يحقق قفزة نوعية على مستوى الكتابة والانتشار، في هذا السياق، يقول برادة: “هي مسألة طبيعية، لأن المجتمع المغربي مثل بقية المجتمعات العربية وصل إلى مواجهة أسئلة المستقبل، والمستقبل عندنا يبدو مبهما ومتعثرا، لأن الإرث القديم منذ الاستعمار، ومنذ خمسين سنة من الاستقلال يعوق خطواتنا ويؤخر وصولنا إلى صيغة مجتمعية ديمقراطية تراهن على تحرير المواطن وتحرير الثقافة.

ومن ثمّ فإن الشباب المتعلّم يلجأ إلى الكتابة وإلى وسائط التعبير الفني المختلفة ليصوغ هذه التطلعات نحو المستقبل، الكتابة الأدبية، بطبيعتها، تتجه نحو المستقبل، نحو ما هو في طور التخلّق والتشكّل، وأنا متفائل بهذه “الفورة” الإنتاجية لأنها تساعد القرّاء على التأمل وإعادة التفكير في كثير من المسلمات. إلا أن المشكل الحقيقي يتمثل في نسبة الأميّة المرتفعة والإعراض عن القراءة، وهذه مشكلة لا مناص من مواجهتها انطلاقا من المدرسة والتعليم”.


أفق الحداثة


تتصدّر أحداث الثورات العربية المشهد الإعلامي العالمي، وهي ما انفكت تعرف تغييرات كبرى أثرت بطريقة أو بأخرى على مضامين الكتابة بشكل عامّ، في هذا السياق يقول الروائي المغربي محمد برادة: “لا شك في أن هذه الانتفاضات، على الرغم مما صاحبها من أحداث مؤلمة وخسائر في الأرواح، هي حدث كبير وأساسي لأنها فتحت الطريق أمام التغيير الذي تحتاجه مجتمعاتنا الخاضعة للاستبداد، وأرست مسالك حرية التعبير وجعلت الجميع أمام مسؤولية بلورة أسس ديمقراطية تنظم الصراع الاجتماعي والسياسي وتحقق المساواة والعدالة.

وهذه أهداف تحتاج إلى وقت وإلى جهود تضحيات متواصلة، ومن دونها لن تتمكن المجتمعات العربية من الالتحاق بالعصر وترتاد أفق الحداثة. لأجل ذلك لا يمكن أن نرفض هذه التحوّلات لأنها تقترن بالعنف، ذلك أن العنف هو عنصر ضروري لتجديد التاريخ. وعلينا أن لا ننسى أن تجربة تونس قد بدأت تعرف طريقها إلى بلورة قيم الحوار والتغيير الديمقراطي”.

وفي ختام حديثه إلينا، يقول محمد برادة: “أثمّن مجهودات كل الساعين إلى غرس الهوية المغربية، والمتشبثين بالأصول والتقاليد والناشرين الجديين للثقافة الهادفة على اعتبار أنّ الأدب يبقى كونيا، دون حدود ضابطة أو جغرافيات محدّدة”.

15