الروائي والناقد هيثم حسين: الجحور للطغاة والفن سماء الكاتب

الاثنين 2015/04/06
كتابتي لا تخلو من هموم متجددة، أحاول التعبير عنها والتخفيف منها

عادة ما تكون هناك أكثر من بداية في عالم الكتابة، منها تلك البداية التي تؤذن بالتعلق بهذا السحر الذي تولّده الكلمة والتأثير الذي تمارسه، والرسالة التي توصلها، وبداية أخرى تتعلق بالنشر، ثمّ بداية تالية كلّ مرّة. هكذا يعبر الكاتب والناقد والمترجم السوري هيثم حسين عن بداياته مع عالم الكتابة وعوالمها. “العرب” التقت هيثم حسين للحديث عن تجربته الإبداعية وعن الواقع السوريّ، اليوم، وعن عديد المحاور الأخرى، فكان الحوار التالي.

هيثم حسين كاتب وروائيّ سوريّ، ولد بعامودا في الحسكة سنة 1978. نشر أعمالا عديدة تراوحت بين النقد والرواية والترجمة، نذكر من أعماله الروائية، “آرام سليل الأوجاع المكابرة”، و”رهائن الخطيئة”، و”إبرة الرعب”، وله في النقد الروائيّ “الرواية بين التلغيم والتلغيز”، وكتاب “الشخصيّة الروائيّة: مسبار الكشف والانطلاق”. كما خاض حسين تجارب في الترجمة نذكر منها كتابه “من يقتل ممو..؟” وهو عبارة عن مجموعة مسرحيّات. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتب والروائي والناقد هيثم حسين.

عن رؤيته للكتابة الجديدة، يقول: إن كلّ كتابة جديدة هي بداية جديدة بمعنى ما. أذكر أنّني في الطفولة المتأخّرة كنت أكتب رسائل بعض أصدقائي إلى حبيباتهم المفترضات، وكنت أتقمّص حالتهم وأكتب بلسانهم وأحاول التعبير عن مشاعرهم. وتلك البداية كانت مفعمة بالإثارة والمتعة والبهجة، وهي بداية طفولية بريئة لا شكّ، لكنّها كانت توطّد علاقتي بالكلمة وتؤسّس لها بطريقة ما.

الكتابة خارطة

أمّا عن العوالم الأدبيّة فلا يعتقد حسين أنّها متباينة بقدر ما هي متكاملة، لكن عالم الرواية يظلّ الأقرب إليه والأثير إلى قلبه، والنقد يكمل لوحة الرواية عنده، وهو يتعلّم دوما من القراءات والكتابات، بحيث أنّ التراكم يشكّل نوعا من الخبرة والتجربة والمران اللازم لأيّ عمل لاحق.

إن كل كتابة هي عمل فن بالضرورة، ويمكن تلمس بصمة الكاتب الإبداعية في نصوصه

بالنسبة لعالم الترجمة، فقد كانت له تجربة وحيدة، وجد خلالها أنّ الترجمة عمل شاقّ جدّا، لذلك هو لا يعتقد أنّه قد يعود إليها في المستقبل القريب، ذلك أنّ الرواية عنده هي في صدارة الاهتمام والشغف، وما عداها يمهّد لها أو يذلّل الصعوبات إليها، ويخدمها بهذه الصيغة أو تلك.

وعن مدى قدرة الكتابة على تحرير الإنسان من قيوده، ومن مآزقه الوجودية، أم يعتبر أن الكتابة في حدّ ذاتها مأزق آخر، و صراع جمالي ووجودي يخوضه الكاتب، في عالم تسيطر عليه فكرة القبح بمختلف أشكاله، يقول “تظلّ الكتابة إحدى سبل الكاتب للبحث عن حرّيّته وانعتاقه من القيود الكثيرة التي تكبّله، وهي لا تكون نقطة تحوّل للكاتب فقط، بل تمارس فعلها اللغوي لتحرير القارئ، أي أنّنا أمام معادلة الحرية والتحرر من خلال الكلمة المقروءة والمكتوبة، والوعي بها هو أساس القضية وجوهرها”.

ويضيف قوله: لا تكون الكتابة مأزقا طالما هي بحث عن الدروب للتخلّص من المآزق التي يجد المرء نفسه في معمعتها، وبخاصة في شرقنا المترع بأوهام العظمة، وقيود الاستبداد السياسيّ والدينيّ والاجتماعيّ، بحيث أنّ كلّ جهة تعتبر نفسها وصيّة على غيرها، وتمارس دور الوصاية مهمّشة التمايزات المفترضة، ولاغية الفرادة المنشودة لصالح القطيعة السائدة، ولا سيّما في ظلّ التناحر والاقتتال والجنون السائد.

ومن هنا تكون الكتابة تصويرا للقبح بغية تعريته وتحطيم القيود التي يفرضها، ولا يبقى لمقولة “جماليات القبح” أيّة أهمّيّة في بحر البحث عن تفكيك آليات القبح نفسها، في مسعى لتعميم خيط من الجمال، وهو الخيط الذي يبدو مبدّدا في شرقنا حتّى هذه اللحظة.

الكتابة تصوير للقبح بغية تعريته وتحطيم القيود التي يفرضها

ويتابع هيثم حسين: كلّ كتابة هي عمل فنّيّ بالضرورة، ويمكن تلمّس بصمة الكاتب الإبداعية في نصوصه، سواء كانت إبداعيّة أو نقدية أو صحافيّة، ولا شكّ أنّ هناك مَن ينطبق عليه التوصيف بأنّه “ينحت في صخر” وآخر يوصَف بأنّه “يغرف من بحر”، والصخر والبحر هنا معادلان لمرونة الكاتب أو تحجّره في حياته ويعكسان اطّلاعه وقراءته وتجدّده وتفاعله مع عالمه بطريقته الإبداعيّة، وتكون اللغة بهذا المعنى بحرا وصخرا أيضا، وإن كانت توصَف بأنّها أداة تعبير وتواصل، إلّا أنّها لا تنفكّ تتعزّز مكانة اعتباريّة كونها العالم الذي يبحر فيه ومعه الكاتب راسما خرائطه ومحلّقا في فضاءاته.

ولاشكّ أنّ المثل القائل “الممارس يغلب الفارس” ينطبق على عالم الكتابة، لكن تظلّ جذوة الإبداع كامنة في جانب قصيّ، تقرّب الحرفة منه، لكنّها لا تستطيع تظهيره وحدها، ويمكن القول بأنّها “شرط لازم لكن غير كاف”.

بين معاناة الواقع، بعلاقاته المعقدة، وضحالته، مقارنة بالحلم المفتوح على اللانهايات، كيف يكتب هيثم حسين، وما الذي يحرض ذائقته، ويدفعه إلى الإبداع؟ يجيب قائلا “المعاناة باتت جزءا من شخصية السوريّ، ومن قبله الشرقيّ عموما، فحالة الصدام مستمرة بين الكاتب ومحيطه، سواء كانت تلك السلطات التي تعتبر نفسها المخوّلة الوحيدة لقيادة الناس كقطعان، أو تلك الهياكل المصوّرة على أنّها مؤسّسات، وهي في طبيعتها وحقيقتها تابعة لسلطات تملي عليها ما يجب أن تقوم به.

وأمام هذه الحالات فمن الطبيعيّ أن يجد أحدنا نفسه محاصرا، وكثيرون منّا يفقدون قوّة الاستمرار في درب الحلم ويضعون نقطة النهاية مستريحين من عناء المواجهة العسيرة”. ويواصل “تعرّضت لمحاولات تحطيم الطريق إلى الحلم الذي يظلّ عبارة عن سلسلة لا منتهية من الآمال والمشاريع، ولكنّ ذلك لم يمنعني من متابعة دربي.

ودوما هناك الكثير من القضايا التي توجب الدفاع عنها ووضع الإمكانيات في سبيل الوصول إليها، لهذا فكتابتي لا تخلو من هموم لا تني تتضاعف، وهي هموم متجدّدة بدورها، لكن أحاول المساهمة بقسطي عبر الكتابة في سبيل تبديدها أو التعبير عنها والتخفيف منها”.

اليوم السوري

عن نظرته إلى الواقع السوري اليوم بمختلف مجالاته السياسية والثقافية والاجتماعية، يؤكد محدثنا أنه لا يمكن النظر إلى الواقع السوريّ اليوم بكلّ تداخلاته وتشعّباته وتناقضاته بمعزل عن العودة إلى الأمس، فاليوم ليس منقطعا عن الأمس، وهو نتاج له، لذلك فإنّ اليوم صدى لزمن مديد، وقد يؤسّس لزمن تالٍ مرعب، ويضيف “لذلك فإنّنا كسوريين نواجه عواصف من مختلف الجهات، ونجد أنفسنا في قلب نيران تدمّر بلدنا من كلّ حدب وصوب.

لا يمكن النظر إلى الواقع السوري اليوم بكل تداخلاته وتشعباته وتناقضاته بمعزل عن العودة إلى الأمس

والنظر إلى اليوم يفرض الإشارة إلى سبب البلاء المتمثّل بالوباء السرطانيّ الذي يفتك بسوريا، والوباء هو النظام الذي خان البلد ودمّره وشتّت شعبه، وتسبّب في الوصول إلى هذا اليوم المأساويّ الذي وضعــنا في أتونه”.

ويواصل: اليوم السوريّ ليس كالأمس وإن كان امتدادا له، ولا يمكن التحايل على الذات وزعم التفاؤل المفرط بالغد انطلاقا من اليوم، لكن ما لا يمكن الشكّ فيه، هو أنّ اليوم، برغم كلّ ويلاته، أفضل من الأمس بإجرامه واستبداده وطغيانه، لأنّ هناك أملا قابعا في مكان ما بتغيير الأحوال مستقبلا.

لكن مع الارتكان لزعم إدامة أحوال الأمس يبقى المستقبل جحرا معتما يليق بالمهزومين. وبعيدا عن الشعارات الاستعراضية، فإنّ الجحور لا تليق بالشعوب، هي فقط على مقاس الطغاة.

وهنا مبعث الأمل بالغد انطلاقا من اليوم الذي تحطّمت فيه أصنام الطاغية في ميادين سوريا وساحاتها وهتفت فيه الحناجر للحرّيّة، ولم يجدِ انتزاعها في منع الآخرين من ترديد أنشودة الحرّيّة التي تصادت في سماء البلد.

افتكاك الحرية

عن مدى حرية الكاتب والطريق إليها، في عالم ضد الفن وضد الإنسان وضد الحرية، يقول هيثم حسين: لا أنظر إلى صورة العالم بهذه الوحشية، فدوما هناك صراع أضداد، ودوما هناك أعداء الفنّ والحرّيّة والجمال في كلّ زمان ومكان، ممّن يفرضون وصايتهم ويزعمون تمثيلهم للسماء تارة وللواجب تارة أخرى، وهي مزاعم تعكس تقييد الناس وقولبتهم وتسهيل التحكّم فيهم.

اللغة هي خارطة الكاتب الذي ينحت في الصخر ويغترف من البحر

أمّا الكاتب فإنّه ينتزع حرّيّته بيده وبكلمته، وهناك كثير من الأدّلة والشواهد، في التاريخ السوريّ والعالميّ، تثبت أنّ الأحرار لا ينتظرون أيّ فرصة للحظوة بحرّيّتهم، بل يعيشونها كما تمليه عليهم أرواحهم الحرة السامية. ولا يمكن لأيّ منّا الإبداع أو الكتابة وهو محكوم بمخاوفه أو وساوسه وقلقه ورعبه من السلطات المختلفة، وهي سلطات تعادي الحرّيّة والإبداع.

ويواصل حسين قوله: أذكر موقفا حصل معي أثناء كتابتي لروايتي الأولى قبل أكثر من عشر سنوات، إذ كان هناك مشهد يجب أن أسرده، لكن خشيت حينها من ردود الأفعال المتوقّعة عليه، وفضّلت تأجيل كتابته والانتقال إلى فصل آخر، لكن كانت المفاجأة أنّني لم أستطع كتابة أيّ حرف لأيّام، وكان المشهد يفرض عليّ حضوره الطاغي، ولم أجد مهربا من كتابته.

حينها أدركت أنّ الكاتب لو لم يكن حرّا في داخله فإنّه سيظلّ أسيرا طيلة عمره، وحرصت بعد ذلك على كتابة ما أؤمن به، وما يجب أن أكتبه، بغضّ النظر عن التفكير في ردود الأفعال -التي هي مهمّة- لكن لا يجوز أن تصبح قيدا يمارس تحجيرا على الفكر والكتابة والفنّ. الحرّيّة قبل كلّ شيء ينبع من دواخلنا.

عن إصداره الأخير “الشخصية الروائية” وكيف تلقف الدارسون أو المهتمون هذا الكتاب، يعلق الكاتب قائلا: أدرك أنّ وضع توصيف “دراسة” أو “نقد” على كتاب ما قد تبقيه بعيدا عن القرّاء الذين اعتاد قسم منهم الإقبال على السهل والمريح، لكن حاولت تجسير الفجوة مع القارئ، والابتعاد عن تلك المصطلحات المتعالية عليه، ذلك أنّ كتابي يطرح أسئلة ويعرض تجارب ومحاولات لأدباء كثيرين في أعمالهم.

والكتاب متخصّص كما هو مبيّن في عنوانه، لكنّه ينفتح على أسرار اشتغال الروائيّين في أعمالهم على شخصيّاتهم، وطريقة بنائهم ورسمهم لها، وتفاعلهم معها، وتصدّرها الاهتمام أحيانا لتغدو أكثر شهرة من مخترعها نفسه. أستمتع بالكتابة النقدية لأنّي أستفيد من تجارب الآخرين التي أتمعّن فيها.

أحاول تقريب ما يبدو بعيدا عن القارئ، وما قد يظلّ حكرا على الروائيّ نفسه في عمله، بحيث يجد القارئ نفسه قريبا من عملية الكتابة والخلق والابتكار. تصلني أصداء إيجابيّة من الأصدقاء والقرّاء، وأشعر بالسعادة حين أجد متخصّصين في الفنّ الروائيّ يحتفون به، ويناقشونه بجدّية ومسؤوليّة.

14