الرواشين عمارة عربية تقليدية تنسجم مع البيئة والمناخ

لا يزال التاريخ يقف بإطلالته أمام الرواشين التي كانت وما زالت تمثّل أصالة الزمان والمكان للطراز المعماري الحجازي القديم بمدينة جدة عروس البحر الأحمر، وأصبحت إحدى السمات المعمارية البارزة فيها، خاصة في الأحياء القديمة منها التي امتزجت عمارتها بخليط من الثقافات العربية والعثمانية والفارسية.
الخميس 2017/08/03
العائلات تتابع الأحداث من الرواشين

مكة المكرمة - تشتهر رواشين منطقة مكة المكرمة عن مرادفاتها في الوطن العربي بأنها الأكثر ارتفاعـا والأكبر حجمـا، وهي تركّب في صفوف متراصة، وكثيرا ما تمتد وتتواصل من الطابق الأرضي وحتى الأدوار العليا، أو تمتد أفقيا حول الأدوار العليا فتكاد تغطي واجهة المنزل بأكملها.

وتعتبر الرواشين التي عرفت في أواخر القرن السادس الهجري نوافذ خشبية تنسجم مع البيئة والمناخ منذ القدم، والرواشين لغة مفردها روشان وروشن، وهو لفظ معرب عن الكلمة الفارسية “روزن” التي تعني الكوَة أو النافذة أو الشرفة، يرادفها في مصر والشام المشربية وهي الغرفة العالية أو المكان الذي يشرب منه حيث توضع أواني الشرب الفخارية لتبريد المياه بداخلها، وفي العراق الشناشيل.

وتشتهر في مدينة البصرة باسم الشناشيل، وتكاد كل بيوت البصرة القديمة مصممة بطريقة تكون فيها الشناشيل جزء مهما من البناء المعماري لفائدة متعلقة بالطقس الحار.

وتسمى البصرة بمدينة الشناشيل، حتى ان شاعرها الراحل بدر شاكر السياب لديه ديوان شعر باسم “شانشيل ابنة الجلبي” صدر نهاية الخمسينات من القرن الماضي.

والرواشين بوجه عام وحدات تصميمية جمالية تبرز عن سمة جدران المباني وتطل على الشارع أو على الفناء الأوسط وتستند على دعائم ناتئة من الخشب، وتظهر فيها مهارات النجارين من خلال المشغولات الخشبية للقطاعات المتشابكة والأفاريز المائلة ومصارع النوافذ، وغالبا ما تكون مزوّدة بشيش يتألف من ستائر شبكية صغيرة. ويعدّ الخشب العنصر الأساسي في تصميم الرواشين وتكوين أجزائها كالقواطع الخشبية المصمتة والمفرغة والتشكيلات الزخرفية المتنوعة التي تظهر على جزء من أجزاء الروشان أو تغطي كامل مساحته في بعض الأحيان.

جلسة مريحة في طقس حار

وتحتوي البعض من الرواشين في الغالب على أجزاء بارزة تتقدم عن منسوب الروشان الأساسي تسمى عند أهل المدينة (الغولة) أو المشربية البارزة، وتغطى هذه الغولات بالشيش من ثلاث جهات لتسهّل دخول الهواء إلى داخل الروشان الذي يفتح مباشرة على العناصر الداخلية للبيت التقليدي، كما تسهّل الرؤية من تلك الاتجاهات وتحافظ على الخصوصية اللازمة المستمدة للعائلة.

وظائف متعددة

وتمثّل الرواشين مفردات جمالية الأثر الكبير في إثراء العمارة التقليدية الحجازية بوظائف عملية، وفي مقدّمتها جلسة الروشان، وهي من الأماكن المفضلة للجلوس وخاصة لكبار السن كالأبوين أو الجد لكونها مكان الصدارة في المجلس وأنسب الأماكن من حيث الإضاءة والتهوئة، والمكان الذي يطل من خلاله البيت التقليدي على الحارة.

المستثمر في قطاع الإسكان سعيد بن علي البسامي يوضح، أن وظائف الرواشين لا تقتصر علي إضفاء الطابع الجمالي على واجهة المنزل وتحقيق الخصوصية لأهله بل تنسجم بشكل كبير مع معطيات المناخ وتقلّبات الطقس، حيث تعمل هذه الرواشين على توزيع إنارة داخلية تعطي الغرف والردهات طابعا رومانسيا من خلال التحكم في نظام القلابات والمصبعات المتشابكة، وهي في ذات الوقت تحدّ من وهج الشمس حيث أن مكوّناتها الخشبية التي كانت تجلب من الخارج أو من خشب الدوم الذي ينمو في الأودية القريبة من الطائف تتسم بقدرتها على العزل الحراري.

ويتابع قائلا، “لكون الرواشين بارزة عن سمت الحائط الخارجي ومصممة بحيث تضبط تدفق الهواء ومعدل الرطوبة، فإنها تعدّ بمثابة مكيّفات هواء طبيعية تريح الجسد ولا تعادي البيئة، ولعل من أهم دلائل وجود هذه الخاصية في الرواشين أنها المكان المفضل لتبريد أوعية الشرب الفخارية، إلى جانب ذلك فهي تحدّ بشكل كبير من دخول الأتربة وتعمل على تساقط حبيبات الرمل التي تحملها الرياح بحيث لا يتسلل منها شيء إلى الداخل، كما تمنع دخول الحشرات الضارة، إلى جانب ذلك فقد ثبت علميا أنها تطيل من العمر الافتراضي للمنزل كونها تغطي الجدران وتحميها من العوامل الجوية المتقلبة صيفا وشتاء.

وذكر البسامي أن الوظائف البيئية للرواشين ليست قاصرة على الداخل، وإنما أيضا يستفيد منها المارة في الشوارع حيث يتخذونها كمظلة أثناء سيرهم تقيهم حرارة الشمس صيفا وهطول المطر شتاء، ولكون تصميمها يتأثر بشكل كبير بالتصميم العام للأزقة والشوارع التي تطل عليها، فإن الرواشين تحقق ثلاثية من التجانس وهي التجانس بين عناصر البيوت، والتجانس العام بين واجهات المباني بمفرداتها المعمارية وعناصرها الجمالية، والتجانس في نوعيات مواد البناء المستخدمة والأساليب المتبعة في عملية البناء، حيث يعزّز مثل هذا التجانس الترابط بين السكان وبيئتهم التي ينتمون إليها.

وأكد أن لبيوت جدة القديمة ميزة تعبّر عن أصالة التاريخ في احتفاظها بالرواشين كطراز معماري يعتبر سمة لحياة سكانها على مرّ العصور.

جمال الرواشين ينعكس على المعمار العام

وأشار إلى أن مشاهد البيت التاريخي القديم في مدينة جدة تعطي صورة حقيقية لنمط تطوّر العمران العربي والإسلامي عبر مراحله التاريخية، سواء من جانب استخدام طرق وأساليب ومواد البناء اعتمادا على مواد من البيئة المحلية، كما يعكس هذا البناء النسيج الاجتماعي والخصوصية الاجتماعية التي تتمثل في عادات الناس وتقاليدهم وأنماط حياتهم وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية وذوقهم الفني ومستوى المهارة والحرفية التي يتمتع بها العاملون في المدينة قديما.

وأضاف، أن استخدام الرواشين يعطي وظيفة النافذة ولكن بالمحافظة على الخصوصية الاجتماعية حيث تحجب الرؤية من الخارج وتسمح لمن هم داخل المنزل بالمشاهدة من خلال الفتحات الصغيرة، وتسمح للهواء بالمرور وتلطيف الأجواء داخل المنزل لا سيما وان مباني جدة القديمة تتسم عن غيرها بارتفاع الطوابق لمقاومة ظروف الحرارة وارتفاع نسبة الرطوبة في فصل الصيف.

ويشرح الناطق الرسمي باسم الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة حسين بن محمد القحطاني، استخدام الموارد الطبيعية المناسبة لحالة المناخ في الرواشين قائلا، “إن الرواشين متلائمة مع طبيعة الطقس ومناخ المدينة صيفا وشتاء، حيث يستخدم الخشب بأنواعه المختلفة كعنصر أساسي في تكوينها ويتميز الخشب بأنه لا ينقل الحرارة صيفاً والبرودة شتاء”.

كما أن التكوينات المختلفة التي ظهرت بها هذه الرواشين كانت في الغالب ذات قطاع رأسي متدرج ساعد على الحصول على أكبر كمية من الظلال وأقل مساحة من المسطحات المعترضة للإشعاع الشمسي مباشرة، كما أن هذه التكوينات لعبت دورها الكبير والهام في تظليل ممرات المشاة وتوفير المكان المناسب لتنقلاتهم بكل راحة وطمأنينة، مما ساعد على تعزيز الترابط بين السكان وبيئتهم التي ينتمون إليها.

وأشار القحطاني، إلى أن الرواشين تعمل على عزل المبنى حراريا عن الخارج حيث أن الخشب بطبيعته العزل، فيتم الحد دون وصول أشعة الشمس الحارقة للمبنى سواء على الجدار أو خلال الفتحات. وحول الخاصية الجمالية التي تضفيها الرواشين، قال القحطاني، “إن هذه المسطحات الخشبية رائعة الصنع على المبنى بشكل خاص، وعلى المدينة بشكل عام، جعلت من مدن الحجاز محط أنظار الباحثين في فن العمارة العربية والإسلامية والدارسين لها، لافتا إلى أن هناك البعض من المصطلحات والمسميات خاصة بهذه الرواشين والمشربيات لا يعرفها إلا القليل من المهتمين بدراسة العمارة العربية.

يوضح نائب رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية بجدة مازن بن محمد بترجي، أن الرواشين تعبّر عن المستوى الاقتصادي وهي أحدى الشواهد على ثراء صاحب البيت أو فقره، وقد ظهرت في جدة مجموعة من المباني التقليدية القديمة ذات الرواشين الفخمة التي تميّزت بالبذخ وجمال التكوين والدقة المتناهية في عمل أجزائها والتي انتهت بتتويج أعالي هذه الرواشين بتيجان غاية في الروعة والإتقان وهي أهم الوظائف التي تقوم بها الرواشين الخشبية كعنصر مميّز، ومكوّن رئيسي لواجهات المباني التقليدية القديمة.

من يحافظ على الكنز المعماري

وصنّفت هذه الرواشين وتشكيلاتها المختلفة إلى صنفين أساسيين هما، النوافذ والرواشين صريحة التكوين، وتنقسم إلى رواشين ونوافذ منفصلة أحادية التكوين، وهي إما بارزة عن سمت حائط الواجهة وإما مسامية لحائط الوجه، ورواشين ونوافذ الدور الأرضي، ورواشين ونوافذ عناصر الخدمات، والنوافذ والرواشين المتعددة العناصر والتكوينات، وتنقسم بدورها إلى رواشين متصلة جزئيا وتشكّل تكوينا رأسيا أو أفقيا، ورواشين متصلة رأسيا وأفقيا لتغطي معظم أجزاء واجهات المباني.

نجارة الرواشين

تؤكد الفنانة التشكيلية أحلام الرزيق أن الخشب هو العنصر الأساسي في تصميم هذه الرواشين وتكوين أجزائها المختلفة كالقواطع الخشبية المصمتة والمفرغة والتشكيلات الزخرفية المتنوعة التي تظهر على جزء من أجزاء الروشان، أو تغطي كامل مساحته في بعض الأحيان.

قال مازن بن محمد بترجي، “كانت الرواشين والطيق، كذلك الأبواب تجلب غالبا من الهند وتكون مخرمة على شكل نقوش وأزهار تعطيها شيئا من الزخرف والجمال وهي مسقوفة في الغالب من أعواد شجر الدوم وخشب القندل الذي كان يأتي من الهند، وهو خشب مستدير الشكل قوي جدا ومتساوي الطول وخشب الدوم الذي يتم جلبه من بعض الأودية بمدينة الطائف، وكان خشبا قويا وغليظا يبلغ سمكه ضعف سمك أعواد القندل ولم يكن متساويا في الطول بل كان يبدأ عريضا ثم يتدرج في السمك حتى يكون آخره رفيعا بدرجة النصف أو الربع من السماكة التي بدأ بها.

وأوضح الخبير في صناعة الأبواب والرواشين حسن إسماعيل، أن الرواشين في السابق كانت من أبرز ما يميّز حارات جدة القديمة كالشام والمظلوم والبحر واليمن ويعرف بها كل منزل برواشين خاصة تميزه عن غيرة بالمنطقة التاريخية بجدة، وكان أهالي جدة سابقا يتفاخرون بالرواشين وكانوا يدفعون للمعلمين والبنائين بسخاء من أجل بنائها، وكانت هناك هندسة خاصة لها تعد بطريقة تمكّن من تهوئة المنزل بالكامل وتستر الدار ولا تدعها مكشوفة ولا تستخدم إلا للمنظر الخارجي للمنزل.

وتعتمد الرواشين على النجارة والتركيز على الدقة في العمل يدويّا فهي تتميز بكثرة النقوش، وكانت النجارة في ذلك الزمن مهنة مرموقة، وكان الإقبال على مزاولتها كبيرا، وكان الأهالي يحرصون خلال شهر شعبان من كل عام على إجراء صيانة دورية على الأبواب والرواشين حتى يستقبلوا ضيوفهم في رمضان وهي في أفضل حال، لافتا إلى أنهم يعملون على رشها بالأصباغ والورنيش وإصلاح ما أفسدته عوامل التعرية والرطوبة.

وشدد حسن إسماعيل على ضرورة الحفاظ على مثل هذا الطراز المعماري الذي يعدّ واجهة حضارية للسعودية بشكل عام لما تعبّر عنه من عبق التاريخ وأصالة الماضي.

20