الروايات تحاكم الطغاة

الجمعة 2016/08/05

تمثّل صورة الدكتاتور في مراحل حياته المختلفة، ساحة حقيقية للفضاء الإبداعي، نهل منها الكثيرون عند تناولهم جوانب مختلفة كانت مرتكزات للسرد الأدبي في أعمال أدبية إبداعية تنوعت بين الرواية والمسرح والقصة.

يختلف الموقف من الدكتاتور لدى الأديب بحسب موقعه في ضفة الأدب الرسمي أو الأدب الآخر وبالتالي هذا التناول يخضع لمحاذير عديدة أبرزها قدرة السلطة على ملاحقة الكاتب أو الإضرار بمنتجه الأدبي أو عدم توافر البيئة المُهيَّأة لاستقبال نصوص تنتقد الدكتاتور، وإذا بدأت الحديث عن ماركيز فلأن صورة الدكتاتور عنده تبرز مثلا في “الجنرال في متاهة” التي روى فيها سردا متخيّلا عن أحداث الأيام الأخيرة في حكم سيمون بوليفار، محرّر بوليفيا والإكوادور وبيرو وفنزويلا من سلطة أسبانيا، في هذا الفضاء برز الدكتاتور، كشخص مريض بدنيا وذهنيا، فاقدا السيطرة على ذاته وعلى البلاد، بينما في “خريف البطريرك” نرى الحاكم الدكتاتور عند ماركيز قويا بأمّه ضعيفا بذاته الواحدة رغم سنوات حياته التي تجاوزت المئتين في الرواية، هذا الضعف الشخصي انعكس على الواقع بصورة دموية من خلال أفعال خارج نطاق التخيل البشري.

نماذج عربية تناولت الدكتاتور بوصفه حالة في الصراع الدرامي لأحداث الأعمال الأدبية، ففي رواية “ذئبة الحب والكتب” التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، للروائي العراقي المقيم في أسبانيا محسن الرملي يبدو الدكتاتور شبحا ملازما للبطل في كل تحركاته وتنقلاته بين الأماكن والجغرافيا، نلحظه عابرا للزمان والمكان في ذات الوقت، فهو محرّك الأحداث وسببها رغم عدم ظهوره الشخصي الواضح، فالدكتاتور هنا مقيم بين سطور العمل وبالتالي يقوم القارئ بعملية تأويل لأي حدث ناتجها أنّ البطل هو الغائب وما تبقى أشباح تدور في فلَكه.

الكاتب السوري إبراهيم الجبين في روايته “يوميات يهودي من دمشق”، يستخدم المقطع العرضي على اتساعه من المجتمع السوري لإظهار أثر الدكتاتور على الدولة وعلى الآخرين وأقدارهم، الدكتاتور هنا لا يكون فردا بقدر ما هو آلة متكاملة يشترك فيها العامل السياسي والديني والاجتماعي والثقافي والإعلامي لتشكيل الصورة الكاملة، بينما في الجزء الثاني من اليوميات التي ستصدر قريبا نرى الدكتاتورية قد ماتت إكلينكيا وتقاسم مكانتها ودورها آخرون كانوا بانتظار السقوط المدوّي لها، هؤلاء الآخرون بعضهم كان في الدائرة الضيقة للسلطة وبعضهم عاش على هامش التاريخ ليجد نفسه فجأة بطلا في حكاية الغائب فيها هو الدكتاتور.

أيضا في عمله الأخير الذي وصل إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، يبدو الدكتاتور عند الكاتب العراقي المقيم في بلجيكا، حازم كمال الدين، من خلال روايته “مياه متصحرة”، قويا بعصابته التي تحكم السيطرة على البلاد، وهنا يحيل كمال الدين عقدة السلطة إلى المجتمع بوصفه مشتركا بصورة أو بأخرى مع الدكتاتور في إدارة المصائر للأبطال، تلك المصائر التي ترتسم بعبثية الوجود بين الحياة والموت في العقد الاجتماعي، فنرى الدكتاتور يظهر في عباءات عديدة وبأسماء مختلفة وبأقنعة متنوعة بين الرئيس والأب والأم وأركان النظام الطائفي.

على النقيض تماما مما سبق يتجه الكاتب المصري محمد الجيزاوي في عمله “الخمر ما عادت تسكر أحدا” نحو فضاء مختلف، حيث يقصر الدكتاتورية في الحياة على الإرادة العسكرية التي تفرض سلطتها ورغباتها على كل شيء، هذا المسار الجديد يبني الجيزاوي فيه فضاء يعتمد في تكوينه على البدلة والنياشين والرتب العسكرية، فهو ينأى بالمجتمع عن هذا المرض ويجعله حكرا على السلطة.

اللافت في كل الأعمال السردية العربية الأدبية سابقة الذكر، أنها جمّدت الزمان والمكان لدى الدكتاتور وجعلته يدور في فلَك خاص يبتعد في مساراته عن مقدّرات الآخرين من أبطال الحكاية، الآخرين الذين وجدوا أنفسهم يؤدّون وظيفة في الحكاية وفي الحياة تتقاطع في بعض مشاهدها مع إرادة الدكتاتور دون أن يشعروا، هكذا تكتمل دائرة السرد بالتقاء يجمع كل الروايات السابقة، وهو استخدام ضمير “الأنا” الذاتي للتعبير عن الإحساس الجمعي في ارتكاز الحدث وفي ارتداده ضمن دوائر عديدة تقترب أو تبتعد عن سلطة الدكتاتور.

كاتب من سوريا

14