الروايات والذكريات

تمنح الرواية الذكريات عمرا جديدا، تخرجها من قالب لآخر، تعيد رسمها وإنتاجها عبر الكلمات والتخييل، وبما أنها تكون مفاتيح روائية رئيسة، فإنها تمنح الروائي القدرة على المناورة.
الاثنين 2019/03/04
باتريك موديانو يرسم تفاصيل المكان الذي يصوره، وكأنه مصور فوتوغرافي

تشكّل الذكريات أحد المحرّضات الرئيسة للروائي كي يستقي منها مادّة روائية ويبني عليها، انطلاقا من مشاهد محفورة في الذاكرة، تصبح مفاتيح للعالم الروائي المنشود.

ذكريات الروائيين عن الأمكنة والصور التي يختزنونها عنها تحتفظ بذكريات مرتبطة بها، بحيث أن الذكرى تتداخل مع المكان، وتكون جزءاً منه، فتكون الاستعادة للمكان من خلال الذكريات المرتبط به، والزمان نفسه.

تتحوّل الذكريات إلى وعاء لمزج الأمكنة والأزمنة في خدمة الزمن الروائيّ غير المقيد بماض أو حاضر، بل يكون الزمن المبني على الذكريات، والزمن الذي يفترض أنه يصلح لمختلف الأزمنة.

تمنح الرواية الذكريات عمرا جديدا، تخرجها من قالب لآخر، تعيد رسمها وإنتاجها عبر الكلمات والتخييل، وبما أنها تكون مفاتيح روائية رئيسة، فإنها تمنح الروائي القدرة على المناورة، والدمج بين ذكريات بعيدة وأخرى قريبة، لأن الحرية عالمه الرحب.

أمكنة الذكريات للروائيين تكاد تكون ثابتة، تدور حولها أعمالهم، وتعود إليها إذا ما حاولت مقاربة عوالم أمكنة أخرى بعيدة، ذلك أن الأمكنة أساس الذكريات، فمثلاً القاهرة هي مدينة الذكريات والروايات للراحل نجيب محفوظ، وإسطنبول هي مدينة الذكريات والأحلام والاساطير بالنسبة للتركي أورهان باموك، ودمشق هي المركز في أعمال فواز حداد، وبيروت هي مدينة العالم عند اللبناني ربيع جابر..

الرواية تحيا من جانب آخر بالذكريات المستعادة، ولا نعني هنا الذكريات الشخصية فقط، بل ذكريات مشتركة تعود لأحداث أثّرت عميقا في ذاكرة الشعوب، وأصبحت إرثا شعبيا يمكن أن ينهل منه المبدعون في الفن والأدب

وكذلك باريس بالنسبة للفرنسي باتريك موديانو الحائز جائزة نوبل للآداب سنة 2014، تكون البؤرة والمنطلق، مثلاً في روايته “دورا بروديه” إلى سنوات الحرب العالمية الثانية في باريس ليرصد بعضاً من القصص والحكايات التي ظلّت عالقة في ذاكرته ويعرضها بطريقة روائية لماحة. ويمضي مع بطلته بروديه باحثاً عن صورته من خلالها، ومن خلال سيرتها، والأمكنة التي مرت بها، وهي أمكنته الأثيرة التي ظلت عالقة به، يلتقط المتغيرات التي طرأت عليها أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا في الحرب العالمية الثانية، وما تبعه من تغيرات طالت البشر في تلك الأمكنة.

يرسم موديانو تفاصيل المكان الذي يصوره، وكأنه مصور فوتوغرافي يركز على أدق التفاصيل، يهتم لخارطة المكان وحركة البشر فيه، يركز على حركة بعض الأشخاص الذين أصبحوا معالم في أمكنتهم المعلومة، وكأنهم جزء من ديكورها في مختلف الفصول.. يتنقل في الشارع الباريسي المستعاد وكأنه ذاك الطفل الذي كان يمشي برفقة والدته، ويتسكع في الشارع.

لعلّ الروائيّ يُحيي الذكريات من خلال نبشها، وعرضها، وكأنّها زوّادة للقادم، أو كأنّها شرارات للحكايات التي يستعيدها، أو تلك التي يمكن أن يهندسها ويبني عليها، ومن هنا يكون إحياء الذكريات هبة الرواية ومتعة الروائيّ التي تسهّل له السير في دروب الخيال ومتاهة الواقع معا.

كما أنّ الرواية تحيا من جانب آخر بالذكريات المستعادة، ولا نعني هنا الذكريات الشخصية فقط، بل ذكريات مشتركة تعود لأحداث أثّرت عميقا في ذاكرة الشعوب، وأصبحت إرثا شعبيا يمكن أن ينهل منه المبدعون في الفن والأدب، ويبنوا عليه عوالمهم، مع اختلاق ما يملأون به فراغات قد تتخلّل تلك الذكريات، أي اختلاق ذكريات رديفة متخيّلة. التخييل هنا يكون منقذا وأداة دائمة التجدّد تساهم في بلورة اللعبة الروائية بما ينسجم مع تطلعات الروائي ورؤيته للتجديد والتجريب.

يلفت الروائي إلى أن استعادة ذكريات الماضي تتطلب وقتا طويلا لتصبح أكثر وضوحا، وأنه لا بد من وجود بعض المعلومات في السجلات، لكنه لا يعرف كيف يحصل عليها، ومن المسؤول عن حفظها، وهل سيوافق على إطلاعه عليها، أم أنها أصبحت طي النسيان، وأن الأمر كان يتطلب التحلي قليلا بالصبر.

وأحيانا تكون رحلة الروائي للبحث عن الذكريات رحلة بحث عن الذات، عن المدينة المفقودة، عن التاريخ المسلوب، عن التغيير المجتاح والذي دمر بنية الناس والأمكنة التي كانوا يقيمون فيها ويتعايشون معها.

15