الرواية أشبه ما تكون بقطار ينقلنا من مكان إلى آخر

اختتمت مؤخرا فعاليات الدورة 34 لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، بمناقشة جملة من القضايا الأدبية والجمالية في ندوات حفلت بثراء الرؤى ووجهات النظر المهمة، وفي هذا السياق انتظمت ندوتان الأولى بعنوان “سحر الحكاية وتنمية الخيال” والثانية حملت عنوان “أصوات من العالم”، وشارك فيهما كتّاب عرب وأجانب، وقد احتلت الرواية موقعا مميزا في هاتين الندوتين، حيث تحدث المتدخلون عن خصوصية كتاباتها وعلاقتها برؤية الكاتب ونظرته للعالم، وأيضا علاقتها بالواقع وخصوصيته الثقافية من وطن لآخر.
الثلاثاء 2015/11/17
ندوة "سحر الحكاية وتنمية الخيال": العالم أكثر تعقيدا من أن تغيره رواية

شارك في ندوة “سحر الحكاية وتنمية الخيال” كل من الكاتبة الأميركية جوان باور، والروائي محمد المنسي قنديل، والشاعر النيجيري بن أوكري، وأدارها الشاعر علي الشعالي.

بداية أكد الروائي محمد المنسي قنديل على أن مصر وتاريخها وناسها جزء من تكوينه الأساسي، وأنه مهتم بالرواية التاريخية، لأن التاريخ كنز لا بد أن ننهل منه، ومصر تمتلك تاريخا عريقا، وقال إنه نشأ في مدينة عمالية مضطربة تشهد صراعات حادة بين السلطة وبين العمال، وكانت رائحة الغاز المسيل للدموع تملأ كل المكان، بسبب الصراع بين السلطة والعمال، والتمرد والقمع، وهو الأمر الذي انعكس عليه وعلى كتابته فكان التمرد شعلة في داخله يتمنى أن لا تنطفئ.

وتابع قنديل “نلجأ إلى الخيال كي نجعله منفذا للواقع، والخيال مهما شطح بعيدا عن الواقع نجد فيه جزءا من الحقيقة، إذ يعكس الواقع بمنظور آخر، ويضفي عليه هالة من السحر والجمال”. ولفت إلى أن عالمنا العربي عالم مضطرب مليء بالصراعات الدينية والسياسية، ولذلك يبحث الكاتب عن مخرج، لكنه في كل الأحوال ملزم بأن يقدم شهادته على العصر.

وأوضح أن العالم أكثر تعقيدا من أن تغيره رواية، وأن الرواية أشبه ما تكون بقطار ينقلنا إلى مكان آخر، ولفت إلى أن الكتابة أكبر من الكاتب، حيث يتعامل الكاتب مع علاقات لغوية لانهائية، لذلك يتطور الكاتب في مسيرته الإبداعية من الأشكال الأدبية الأخرى إلى الرواية.

وقال: لأن هذا العصر عصر مركب، تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد والاجتماع مع طغيان لرأس المال والجبروت، ولكي نعبر عن كل هذا نحتاج إلى شكل مركب كالرواية، فالرواية تتيح لك أن تفعل كل ذلك، وهي سلاح من لا سلاح له، إذ تحاول أن تغير قدر الإمكان وتضيف إلى تجربة المرء تجارب أخرى، وهي تساعد القارئ على فهم مهمة هذا العالم المعقد.
من دون القصة فإن هويتنا تتضور جوعا، ومع القصة نحرر أنفسنا من الحماقات التي يرتكبها العنصر البشري

الرواية والشعر

تحدثت جوان باور مؤكدة أن الكتابة لليافعين تحتاج الكثير من الوعي والفهم فضلا عن المهارات الخاصة، وقالت “تركز هذه الكتابة على ما لا يُرى إلا من خلال مجهر، وعلى من تُوجّه لهم الكتابة في مرحلة عمرية خاصة جدا، حيث لا بدّ من معرفة كيف يفكرون وكيف يتصرفون وكيف يتعاملون مع الآخرين، وما هي طبيعة حواراتهم في البيت والمدرسة وفي أي مكان آخر، وكذلك معرفة مختلف تفاصيل حياتهم وعلاقاتهم”.

وقال الشاعر والروائي بن أوكري “كل ما نستطيع فعله هو أن نسرد قصة، وأفعالنا هي أحلام، خلف عقولنا هناك واقع يتحرك وكأنه الظلمة التي سبقت الخلق. ومن دون القصة فإن هويتنا تتضوّر جوعا، ومع القصة نحرر أنفسنا من الحماقات التي يرتكبها العنصر البشري، وكل ما نعمله هو قصة.

وأشار إلى أن الرواية هي التي تجمع، لكننا بحاجة إلى قوة الشعر كي نستعدّ لخوض غمار الرواية، نحن جئنا من الشعر والقصة إلى الرواية، والرواية تختزل الأجناس الأدبية الأخرى بدون فواصل. ولفت إلى أن الرواية في القرن التاسع عشر مثلا، تختلف عنها في القرن العشرين، ورواية هذا العصر لا تكون مناسبة لأحفادنا في المستقبل.

جمعت ندوة “أصوات من العالم”، بين خمس كاتبات من دول مختلفة، تبادلن الحديث حول تجاربهن ورؤيتهن للكتابة باعتبارها عملا إنسانيا ومهنة إبداعية، وناقشن أهمية الوطن والثقافة في مضمون رواياتهن، وهن الكاتبة الفلسطينية الأميركية سوزان أبوالهوى، صاحبة روايتي “الصباح في جنين” و”الأزرق بين السماء والماء”، والمؤلفة المسرحية سيفي آتا، ومؤلفة الروايات الرومانسية إليزابيث بوتشان، والروائية العراقية هدية حسين، والكاتبة الباكستانية فاطمة بوتو.

قالت فاطمة بوتو، ابنة أخ بناظير بوتو، رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة والمؤلفة والشاعرة التي قتل والدها عندما كان عضوا في البرلمان الباكستاني عام 1996 بمدينة كراتشي، إنها أرادت أن تكون فقط روائية، وأن تبتعد عن العمل السياسي.

الرواية هي سلاح من لا سلاح له، وهي تحاول أن تغير قدر الإمكان وتضيف إلى تجربة المرء تجارب أخرى

وأضافت “منذ نشأتي وأنا أبحث عن الوطن. لم تكن بداياتي في باكستان، ولكنني ذهبت هناك عندما كان عمري 11 عاما. لقد ولدت في كابول ووجدت نفسي أتساءل منذ صغري: أين وطني؟ أعتقد أنه عندما يطرح هذا السؤال في ذهنك فإنه لا يغادره أبدا”.

ووافقت سوزان أبوالهوى ما قالته فاطمة وقالت “كثيرا ما أكتب عن الاحتلال والمنفى، فأنا أبحث عن الوطن. تعطيك كتابة الروايات الفرصة لكي تطرح أسئلتك وتحلل الإجابات. أسأل عن الوطن لأننا كفلسطينيين نعتبر أنفسنا زوارا أبديين لدول العالم. فبالرغم من أن عائلتي تسكن في القدس منذ أجيال إلا أننا أرغمنا على الرحيل. لقد ولدت في الكويت، فلم أعرف بلدا آخر، ولكنني اكتشفت أنني ضيفة هناك، وأنه ليس وطني. عشنا في الأردن أيضا كضيوف ثم ذهبت لكي أستقرّ في أميركا، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 أصبحت شخصا غير مرحب به هناك. أعتقد أنه عندما تفقد وطنك تفقد جزءا من روحك”.

الحنين للوطن

من جهتها أشارت الروائية سيفي آتا، في ندوة “أصوات من العالم”، إلى أن نشأتها بعيدا عن وطنها، أثرت على أسلوب كتابتها، حيث أرسلتها عائلتها التي كانت تقيم في لاغوس بنيجيريا إلى مدرسة داخلية في إنكلترا، وأكدت أن نتيجة ذلك كانت كتاباتها التي تمحورت حول الانفصال والتأقلم.

وأضافت “سأستمر في الكتابة حول الانفصال والبحث حتى أشعر بالسلام. فحتى هنا أشعر بالانفصال، بالرغم من أنني ترعرعت في المملكة المتحدة وأعيش الآن في الولايات المتحدة، ونادرا ما أكتب عن هذه الأماكن. تدور قصص معظم رواياتي حول لاغوس”.

أما الكاتبة البريطانية إليزابيث بوتشان، والتي أمضت معظم طفولتها وهي تتنقل من بلد إلى آخر بما في ذلك مصر ونيجيريا قبل انتقالها إلى جيلدفورد ويورك وإدنبرة بالمملكة المتحدة، فقالت إن شعورها بالانفصال والذي يظهر في رواياتها سببه دراستها في نيجيريا، بينما كان والداها في إنكلترا. وأضافت “لقد كنت أشعر بالوحدة، وعندما بلغت مرحلة المراهقة شعرت بأهمية السرد القصصي؛ إن القصص هي حلقة الوصل بيننا، بالرغم من المنفى وفقدان الوطن”.

أما الروائية العراقية هدية حسين فأكدت على أن للمكان أهمية قصوى في رواياتها وأضافت “أريد أن أخبركم عن المكان لأنه عامل مهمّ جدا في أي عمل روائي خيالي. لقد دُمر مكان ولادتي ولكن بقيت هذه المنطقة في عقلي ممزوجة بحس من الحنين ينافس شخصيات وأبطال رواياتي. إني أضع كل شيء على الصفحات، ولكنني عندما بدأت كتابة أول رواية عام 1999 أدركت أنه يجب أن أترك وطني وإلا سأُسجن".

14