الرواية الأسبانية التي نجت من محرقة فرانكو

“يا من يسمنني بأجنحتي وأشرعتي لسكين الرقابة”، هكذا قال معين بسيسو في قصيدته الشهيرة، حيث الرقابة التي تمارسها السلطة الاجتماعية وخاصة السياسية تمثل سكينا أو مقصا، بما لها من فعل القطع والقص من باب التشويه والحجب أو ما لها من أفعال الطعن والقتل بغاية الحجب، حجب كل ما لا يتناسب مع السلطة التي تنتمي إليها. لكن هناك أعمالا أدبية نجحت في تخطي أسلحة الرقابة بل وأدت الرقابة مفعولا عكسيا، فساهمت في شهرتها وذيوعها بدل حجبها.
السبت 2016/10/22
حياة مدريد المحزنة في أربعينات القرن الماضي

يقدم المترجم سليمان العطار، أستاذ الأدب الأندلسي بكلية الآداب بجامعة القاهرة، لرواية “خلية النحل.. طرق ضالة” للروائي الأسباني كاميلو خوسيه ثيلا الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1989 في طبعتها الجديدة، ما يطلق عليه “تقرير عن سيرة رواية”، مفتتحا بأهم تقرير نقدي كتب عنها، وهو ذلك التقرير الذي كتبه الرقيب وبناء عليه رفض نشرها، حيث تتحدث الرواية عن اضطهاد فرانكو للثوار في ظل اليمين المتطرف في أسبانيا.

من رقيب إلى كاتب

العطار يقول في تقديمه للنسخة الجديدة الصادرة عن دار آفاق “قد يأخذ القارئ هذا الوصف ‘أهم تقرير نقدي’ بشيء من الاستهانة عندما يعرف من كتبه، إنه ب.أندريس لوكاس دي كاسلا، إنه ممثل الرقابة على المصنفات الأدبية في الأربعينات من القرن الماضي، حيث البدايات الأولى لدكتاتورية فرانكو، وكما أن للنقد أصولا يرجع إليها فإن تقرير الرقيب النقدي ليس إلا إجابة عن أسئلة في نموذج مكرر ملزم لكل رقيب، ومن خصائص الدكتاتورية آلية القولبة وقدرية النماذج التي يدخلها الجميع”.

“التقرير النقدي” الذي أعد عن الرواية ومنعها معتبرا إياها تحتوي على صور قصيرة عن الحياة الحالية في مدريد بنيت على حوارات بين شخوص لا تربط بينها إلا روابط واهية، لكن لا توجد في هذا الشيء المسمى خطأ رواية أي قضية أو جدل حاد. فقط يدور الجدل لإضاءة انحرافات أو عيوب حالية، ولا سيما من النمط المرتبط بالحياة الجنسية والأسلوب الواقعي جدا على أساس حوار مبتذل ورذاذ من العبارات الخشنة، لا يتمتع بأي جدارة أدبية، والعمل “الرواية” غير أخلاقي بشكل صريح بل إنه أحيانا يتحول إلى لوحات جنسية مكشوفة وأحيانا يتحول إلى مجرد وقاحات.

ويوضح العطار أن النموذج الذي يجيب عليه الرقيب من وضع نقاد أدبيين ويمثل تصورا لما ينبغي أن يكون عليه الأدب في مرحلة ما من تاريخ بلد ما، وهذا النموذج وإن كانت تنفذه السلطة، مشتق من مثل قاعدة شعبية اتسعت أو ضاقت، تساند السلطة وتشاركها في سلم القيم بما في ذلك القيم الجمالية التي تمتزج بغيرها من القيم امتزاجا يحرم الجمال من جماليته. إن الرقابة سواء كانت من طرف الحكومة أو أي مؤسسات اجتماعية، تمثل مدخلا منسيا لمعرفة سر انتشار أنظمة من النقد والإبداع في آن.

ويلفت المترجم إلى أن المفاجأة التي قد تدهش القارئ أن كاميلو خوسيه ثيلا مؤلف هذه الرواية كان رقيبا زميلا للسيد أندريس لوكاس، الذي كتب عنه التقرير السابق، لقد كان من أنصار فرانكو المتحمسين، فرغم إعلان عدم لياقته بسبب معاناته من السل فقد انضم للجيش الوطني الفرانكيستا.

تقرير الرقيب مثل مادة مهمة في تحليل الرواية، لكنه أيضا أكثر أهمية في سيرتها التي سوف تضيء أي تحليل لها

وهو نفسه كان كفيلا بكتابة تقرير مماثل أمام مسؤوليته كرقيب، ومن ثم في ما يبدو أن الناقد ينقد بوعي محكوم بأيديولوجيا أو بانتماء. وقد افترق الناقد والمبدع في ثيلا، فالناقد يرفض الإبداع والمبدع يطلق الرصاص على الناقد وما ينتسب إليه من نظام يرى في الناقد “رقيبا” وفي الرقيب “ناقدا”. إن تقرير الرقيب سيكون مادة مهمة في تحليل الرواية، لكنه أيضا أكثر أهمية في سيرتها التي سوف تضيء أي تحليل لها.

ويقول سليمان العطار إن أول ظهور لمؤلف “خلية النحل” لم يكن ينبئ بما انتهى إليه، فقد عرف أول ما عرف بالشعر، لكنه بعد ذلك لم يترك مجالا للكتابة دون أن يطرقه، فهو روائي وقاص، وأيضا مؤرخ للتاريخ العام والأدبي، لغوي، ومن كتاب الرحلة الممتازين.

ثيلا وماركيز

وينقل العطار عن ثيلا وصفه للظروف بالغة البؤس التي كتبت في ظلها الرواية، وقصة الخبر تدور حول مائدة مقهى هرمة. إن البيوت التي تنقل فيها أثناء الكتابة كانت تعبق بالبؤس، فمثلا تخلو من دورات المياه ولا تزيد عفونتها عن عفونة البيوت المجاورة، وآخر بيت منها مثلا كان يتميز بأنه يقي الكاتب من المطر، وكان به مطبخ يجلس فيه للكتابة، إضافة إلى هذه الظروف البهيجة فإن كثرة الجلوس للكتابة هاجمته بشتى الأمراض الطريفة.

ويشير إلى أن حياة مدريد في الأربعينات من القرن الماضي محزنة لكنها تظل الحياة على أي حال، والكاتب عليه أن يصورها بكاميرا بارعة قادرة على التركيز وانتقاء العيّنات الممثلة بدقة للبانوراما الكلية وللقطات الكاميرا التي تنقل الحياة بوقائعها. وقائع الحياة ليست طبيعة ميتة أو حية ولكنها الإنسان.

والإنسان عندما يفعل اللافعل، أي تصاب حركته بالعقم، وتفقد الهدف في طرق ضالة، يصير ذلك منبعا لا ينضب من السخرية. ولو استطاعت الكاميرا ـ وهي الكاتب في هذه الحالة ـ أن تضحك لضحكت ملء فمها مما ترى حتى لو امتلأ قلبها بالحزن. هذا ما يتدفق طوال الوقت في الرواية: السخرية تطرحها الحياة، والقارئ يضحك ملء قلبه حزنا، إننا قلما نعثر في الأدب العالمي على عمل يموج بالسخرية العميقة مثل هذا العمل. كل سطر فيها مشحون كما شحنت الحياة بالضبط.

قلما نعثر في الأدب العالمي على عمل يموج بالسخرية العميقة كما في هذا العمل

ويرى المترجم أنه عند البحث في الرواية عن السخرية المضحكة التي ستغمر القارئ بالبهجة التي تحول حزنه إلى حزن جمالي نبيل “الحزن البهيج” سنجدها في كل مكان وزمان من عالم الرواية المسطور. إن الرواية تبدأ بالسخرية من نفسها بشكل ما، فهي تسخر من أدب الأربعينات الأسباني الغارق في مشاكل الفن للفن والحداثة موليا ظهره للحياة.

إن مارتن ماركو (شخصية في الرواية) عندما يعلن أنه لا يزال يقول الشعر يشعر بخجل، وصورة الشاعر في مقهى دونيا روزا وشعره ومعاناته، مشكلة كبرى حول عنوان القصيدة التي تشبه نكتة هل تكون: المصير أو مصير. إنه يموت من الجوع والسأم مثل جميع أهل بلده وتشغله مسألة يجعلها كونية: المصير أو مصير. إن السخرية من أدب العصر دعوة من الكاتب إلى أن يعطي الأدب نفسه للحياة فتعطيه نفسها بدلا من الدوران في الصراعات المذهبية الأدبية.

ويختتم العطار مقدمته التي تشكل دراسة مهمة في فن الرواية بصفة عامة ويرى أن ظهورها في الأرجنتين كان من حسن حظ الروائيين الجنوب أميركيين حيث تحولت إلى مدرسة، ويقول العطار في هذا الخصوص “إنني أرى تأثيرها الكبير في روايات هذه القارة القصاصة، لقد سبقت لي ترجمة رواية ‘مئة عام من العزلة’ وهي ابنة شرعية بمفهوم ما للبنوة الأدبية الخلاقة لرواية ‘خلية النحل’.

وكما انتقل ثيلا بأدب بيو باروخا، أستاذه المعلم دون جدال إلى مرحلة جديدة، فكذلك فعل ماركيز في روايته مئة عام من العزلة.. لقد نقل ثيلا إلى مرحلة أبعد بكثير، ولكنه هدم ‘خلية النحل’ وصنع من حطامها رواية تعتمد على أهم عمل بالأسبانية. ما بين 1951 ظهور رواية ثيلا و1967 ظهور رواية ماركيز، قفز الفن الروائي الأسباني إلى قمة لا يزال يتربع فوقها”.

17