الرواية التي أعادت ساراماغو إلى الحياة الأدبية

الأربعاء 2014/06/25
ساراماغو رفض نشر الرواية مادام حيا

لندن - ربما كان الروائي جوزيه ساراماغو الأشهر بين الكتاب البرتغاليين (1922 - 2010) الذي حاز على جائزة نوبل للآداب عام 1998، وقد عاد إلى واجهة الحياة الثقافية العام المنصرم بعد أن نشرت رفيقة دربه، زوجته ومترجمته إلى الإسبانية بيلار دل ريو روايته “المَنوَر” المستعادة من بطن نصف قرن مرّ على كتابتها، في البرتغال والبرازيل وفي نفس الوقت تقريبا، تمّ نشر الترجمة الإسبانية لها، وما لبثت ترجمتها العربية أن صدرت عن “شركة المطبوعات للنشر والتوزيع” ببيروت، حيث صدرت هذا العام (2014) وقام بترجمتها هيثم لمع.

وردت قصة الرواية المفقودة/ المستعادة، في مقدمة كتبتها بيلار دل ريو زوجة ساراماغو للرواية، إذ تقول إن الناشر اتصل هاتفيا بالمؤلف عام 1989 ليبلغه أنهم وجدوا مخطوطة قديمة لروايته وهم يلملمون أغراضهم للانتقال إلى مكان جديد، كان ساراماغو قد قدّمها لهم للنشر عام 1953 وبقيت مركونة لديهم وتمّ إهمالها لأن المؤلف لم يكن اسما معروفا حينها، وعرض عليه أن يقوم بنشرها الآن (1989) لكن ساراماغو رفض ذلك، وعندما سألته زوجته عن سبب الرفض أجابها بألم “لقد انتظرت سطرا منهم، اعتذارا أو موافقة لا يهمّ، إلا أني بقيت أنتظر يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر إلى أن امتدّ الانتظار قرابة الأربعة عقود”، ثم أبلغ زوجته بقراره الحاسم “لن أنشر هذه الرواية مادمت حيا".


الرواية المفقودة


وهذا ما كان إذ تمّ نشر الرواية بعد وفاة ساراماغو بثلاث سنوات، ليفاجأ المتلقي بتحفة من تحف ساراماغو التي طالما أمتع بها قرّاءه، وقد اعتبر البعض أن ما حصل لـ”المنور” كان حدثا سيئا جدا، إذ أن ساراماغو صمت بعد إهمال الناشر لها حوالي عشرين سنة اشتغل فيها بالصحافة والترجمة ليعود إلى كتابة الرواية في سبعينات القرن المنصرم، ولو كانت هذه الرواية قد نشرت في حينها وحققت الصدى المتوقع لها لكان نتاج جوزيه ساراماغو ربما قد تغيّر، لكن بعض النقاد يرون الأمر مختلفا تماما إذ اعتبروا أن فترة الصمت الطويلة التي مرّ بها ساراماغو كانت فترة نضج واختمار أفرزت كاتبا كبيرا بعد ذلك، ويستدلون على هذا الأمر بأن شخصيات وأجواء “المنور” قد توزعت في أكثر من عمل لاحق أنجزه ساراماغو بشكل إبداعي مكتمل في أعماله اللاحقة.

رواية تستكمل شروط الإبداع


البطل المنزل


في عتبة النص الأولى لرواية المنور يقتبس جوزيه ساراماغو بيتا من الشعر للكاتب البرتغالي راؤول براندو يقول فيه “في كل نفس، كما في كل بيت، توجد، غير الواجهة، زوايا مخبأة”، وهي بحق المقولة الافتتاحية لدخول عالم الرواية، فالمؤلف عبر تناوله قصة بيت بمنطقة من مناطق الطبقة الوسطى في لشبونة الخمسينات يجول في عوالم ست عائلات تسكن شقق هذا البيت، وقد كان يتسلل إلى هذه العوالم من الشباك الخلفي -Claraboia المنور أو الكوة باللغة البرتغالية-، من خلال عوالم هذه العوائل يقدّم لنا صورة للشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى في برتغال الخمسينات تحت ظل ديكتاتورية سالازار، ففي هذا البيت المكون من ثلاثة طوابق وفي كل طابق شقتان، تدور كل أحداث الرواية.

بالطابق الأول شقة الإسكافي (الفيلسوف) وزوجته الطيبة ثم المستأجر الشاب، الحالم واللامنتمي الذي يقطع أيّ رباط يخشى من أن يقيّده، هذا الشاب الذي يدخل حياتهم عبر استئجار غرفة في شقتهم ومن خلال النقاشات العميقة التي تدور بين الإسكافي والشاب نطّلع على الكثير من تفاصيل محنة الحياة في تلك الفترة (أحداث الرواية تدور عام 1952 تحديدا)، وفي هذا الطابق الأول أيضا، شقة مندوب المبيعات السوداوي اليائس من الحياة مع زوجته الإسبانية سليطة اللسان وابنهما الموزع بينهما بسبب الخلافات المستمرّة التي لا يبدو لها حل بسبب سلبية الزوج وتسلط الزوجة.

أما في الطابق الثاني فتسكن السيدة ليديا التي يزورها عشيقها الثري المتنفذ ثلاث مرات في الأسبوع ليقضي معها أمسيات تمتد إلى الساعة الثانية فجرا تماما، وهو موعد نزول العشيق من شقتها، هذه المرأة التي تتمزق بين عشيق يوفر لها مستلزمات حياة معقولة وبين احتقار السكان لها بسبب سلوكها ذاك، ولكنه رفض أو احتقار مخفيّ من قبل السكان خوفا أو وجلا من نفوذ العشيق تقابله هي بدورها بازدراء ولا مبالاة، أما الشقة الثانية بهذا الطابق الثاني فيسكنه عامل الطباعة في جريدة كبرى مع زوجته العليلة، الزوج يحيا حياة الخفافيش بسبب نمط عمله الذي يتطلب منه العمل مساء في مطبعة الجريدة والنوم صباحا في البيت مع زوجة عليلة نفسيا وجسديا تعاني من أزمة وفاة ابنتها الوحيدة وهي في مقتبل العمر بسبب إصابتها بالتهاب السحايا، لتتركها محطمة تعيش على ذكراها مع زوج عربيد مستفز يعيش خارج البيت أكثر مما يعيش معها فيه.

وأخيرا الطابق الثالث الذي تعيش في شقته الأولى أربع نساء من شريحة “ارحموا عزيز قوم ذل”، الخالة والأم وابنتان تجاوزتا سن الشباب، يعشن إحباطاتهن بين صفحات كتب ونغمات موسيقى منبعثة من الراديو في الأمسيات الحزينة التي تنتهي بهن وهن يطوين رغبات أجساد تذوي، أما الشقة الأخيرة في هذا البيت فهي شقة موظف متوسط الحال يكمل مصاريف الشهر بالسلفة وزوجته الفخورة به وابنتهما الشابة الجميلة ذات التسعة عشر ربيعا والتي ربما كانت الشعاع الوحيد في هذا البيت المظلم، ولربما كانت تبشر بأن الأمل في التغيير نحو الأحسن قادم لا محالة.

يقودنا ساراماغو متسللا عبر المناور المطلة من شقق البيت على الباحة الخلفية للمنزل، عبر سرد راو عليم متسلل إلى نفسيات شخصيات العمل عبر حبكة أخاذة مليئة بالمتعة القائمة على تحليل عميق لهذه الشخصيات لتوصلنا في نهاية العمل إلى فهم برتغال الخمسينات.

14