الرواية الحوارية

للمَشاهد الدرامية دورا حاسما في تطور الأحداث، وفي الكشف عن الطبائع النفسية والاجتماعية للشخصيات.
الأحد 2018/08/05
القصة يجب أن تحكي ذاتها عن طريق "مسرحة الحدث" أو عرضه

من النادر أن نجد اليوم رواية لا يستخدم فيها كاتبها العرض الدرامي المبني على الحوار وجزئيات الحركة، أو ما يُعرف بتقنية “المشهد”، التي تشكّل محاولة لإقصاء السارد عن مسرح الحدث، أو تحييده وتهميشه، أو إخفائه وراء الشخصيات لتبدو كأنها تعبّر بتلقائية عن نفسها على مسرح الأحداث تماما مثل المسرحية، كما يقول بيرسي لبوك.

وتذهب بعض الدراسات السردية إلى أن للمَشاهد الدرامية دورا حاسما في تطور الأحداث، وفي الكشف عن الطبائع النفسية والاجتماعية للشخصيات، ولذلك تعوّل عليها الروايات كثيرا، وتستخدمها بوفرة لبث الحركة والتلقائية في السرد، وكذلك لتقوية أثر الواقع فيه. وقد أحصى أحد الدارسين العرب المَشاهد في بعض روايات نجيب محفوظ، مثل “القاهرة الجديدة” والثلاثية، فوجد في الأولى 33 مشهدا حواريا متنوعا (حوار أفقي ورأسي وواصف وحوار داخلي)، وفي الثانية 84 مشهدا حواريا متنوعا.

ولعل قارئ روايات حنا مينا، التي يغلب عليها الحوار والمناجاة، يلاحظ البعد المسرحي فيها. ويمكن أن نشير أيضا إلى عدد من الروايات لكتّاب عرب معاصرين طغت عليها المشاهد الحوارية، مثل “سلمى وجبل النار” لعماد الدين عيسى، “التوقعات المرئية للخطوبة المصرية” لرضا ربيع، “في مكتبي جثة” لفرج الحوار، وبضع روايات تاريخية لمحفوظ أيوب.

لكن بعض الروائيين أفرط في تضخيم هذه التقنية، ضمن محاولات التجريب الروائي، أو تفعيلا لخاصية حضور الشخصيات والأصوات في النص، إلى درجة ابتلاع النص كله، أو تحويله إلى جنس هجين، أو عمل درامي، أطلق عليه مصطلح “المسرواية”. وكان توفيق الحكيم من أوائل من فعل ذلك في رواية “عودة الروح”.

وحديثاً يمكن الإشارة إلى الكاتب المسرحي والروائي السيد حافظ، الذي ذكر تحت عنوان روايته “حتى يطمئن قلبي” أنها “مسرواية” تجمع القالبين الروائي والمسرحي في بوتقة واحدة. ويحتل العرض الدرامي نصف أجزائها تقريبا.

سبق لهنري جيمس أن دعا إلى اختفاء المؤلفين من الرواية، ناصحا إياهم بقوله “مسرحوا، مسرحوا”، بمعنى اكتبوا مشاهد، لأنه لا يمكن، حسب رأيه، أن نتصوّر رواية تقتصر على السرد البانورامي، في حين نستطيع أن ندع مجالا للشخصيات لتروي نفسها بنفسها، اعتقادا منه بأن القصة يجب أن تحكي ذاتها عن طريق “مسرحة الحدث” أو عرضه، وليس عن طريق “الحكي” أو “الوصف” أو “التلخيص”.

ومن هنا برزت “وجهة النظر” أو “الوعي المركزي” الذي تُرى مادة الرواية كلها من خلاله، فيحقق استقلالها عن العمل الروائي من ناحية، ويضفي عليها وحدة وجدانية أو ذهنية من ناحية أخرى.

وبمعنى آخر فإن هنري جيمس فضل الشكل المشهدي (الراوي = الشخصية) على الشكل البانورامي، حيث الراوي أكبر من الشخصية. إلا أنني أعتقد بأن هذه الدعوة متطرفة، أدبيا، فمن يأخذ بها يكون قد ابتعد، أو خرج نهائيا عن خصوصية أو شعرية الجنس الروائي، وكتب عملا دراميا يقوم على الحوار والحركة وغيرهما من العناصر التي تنفرد بها الدراما، ذلك أن الرواية لا تتركب برمتها كما لو أنها تجري في ساعة أو بضع ساعات، فهناك دائما سرد للأحداث الواقعة خارج المشهد. وكان شيخ النقاد أرسطو قد ميّز بين السرد الخالص (الملحمي) والعرض المباشر (الدرامي)، وجعل منهما نوعين مختلفين للمحاكاة، في سياق وضعه حدودا بين الأجناس الأدبية.

10