الرواية العراقية تغيرت تماما بعد 2003

الجمعة 2017/06/23
الحرب احتلت مساحات واسعة من النتاج الروائي

بغداد - شهدت الرواية العراقية قفزة غير مسبوقة، لا من حيث المستوى الفني فحسب، بل وحتى من حيث الكم الكبير الذي بات يصدره العراق وكتابه من روايات. وعلى اختلاف قيمتها الفنية، فإن الروايات العراقية تكاد تتشابه خاصة من حيث تأثرها بما طرأ على العراق ما بعد الاحتلال 2003، ومن حيث علاقتها بالواقع الذي تشوبه الفوضى.

يحاول الناقد العراقي حيدر جمعة العابدي، في كتابه “الأنساق الواقعية والرمزية في الرواية العراقية ما بعد 2003”، الوقوف على أبرز سمات السرد الروائي العراقي بعد الاحتلال، من خلال 21 نموذجا روائيا، مثلما يسعى في الوقت نفسه إلى تقصي الأثر الفعلي لهذا السرد على المشهد الروائي والواقع المرجعي الذي شكله، وأسهم في إنتاج أنساقه المضمرة والظاهرة.

يناقش العابدي الرواية العراقية في فصلين، ينقسم كل منهما إلى مبحثين. فيبحث بداية في “رواية المهمشين: صورة الثقافي والاجتماعي”، ويقصد الناقد بـ”رواية المهمشين” ذلك النوع الروائي الذي ظهر بقوة في الرواية العراقية بعد 2003 متأثرا برؤى وتصورات ما بعد الحداثة التي وجهت الأنظار إلى نقد الواقع الثقافي والاجتماعي، من خلال تفكيك ثنائية الهامش والمركز في خطاب السلطة السائد، الذي يقوم على عزل المختلف ثقافيا واجتماعيا وتهميشه حفاظا على مكاسبه ومركزيته بكل تمثلاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وقد اعتمد العابدي خمس روايات في هذا المبحث، وتوصل إلى أن رواية المهمشين شكل جديد مختلف من حيث البناء الفني والدلالي.

كما يتناول العابدي في كتابه “رواية الصراع الطائفي صورة السياسي والديني”، موضوعة “الصراع الطائفي”، كما عبرت عنه بعض الروايات بمختلف الأشكال والأساليب السردية، لما يشكله من صدمة أتت على آمال العراقيين وتطلعاتهم.

وقد انعكس ذلك على الفضاء السردي العراقي، الذي بدا أكثر سوداوية وتشاؤما وهو يلاحق حالة التمزق العامة والشرخ الذي أحدثته في النسيج الاجتماعي العراقي، وفوضى في القيم الوطنية والفساد السياسي والأخلاقي، وازدواجية في المعايير الإنسانية العامة. كما ظهرت المواقف من الأحداث أكثر تشظيا وضياعا، مما أسهم في انعدام الرؤية والتوجه المستقبلي.

يتطرق العابدي كذلك في كتابه، الصادر حديثاً عن دار الفؤاد في القاهرة، إلى قضية “الرواية العراقية نحو واقعية رمزية جديدة”، وهو مبحث قدمه الناقد في تمشيين اثنين أيضا، الأول بعنوان “الرمز ودلالاته الواقعية”، وسعى فيه الناقد إلى التأكيد على أن هذا النوع من الروايات يعتمد توظيف الرموز في الحدث، أو في بنية الشخصية على نحو جزئي بهدف بث الدلالات والأفكار التي لا يمكن معالجتها واقعيا.

وحمل الثاني عنوان “الرواية الرمزية: الأسطورة ودلالاتها الواقعية”، ووقف فيه على ست روايات يستثمر فيها كتّابها التراث الأسطوري لما يتحلى به من حيوية وحرية في الترميز والإحالة على الواقع، موظفين عناصر الأسطورة وما يتصل بها من رموز وخوارق.

ويرى العابدي أن الرواية العراقية بعد 2003 حاولت أن تكون أكثر قربا وانهماكا داخل واقعها بكل صراعاته وتصدعاته السياسية والاجتماعية، لذا راحت تعبر عن أبرز الظواهر حضورا وهو الصراع الطائفي المأساوي الذي ظهر بعد الاحتلال، وما جره من قتل وتهجير وتبعات نفسية واجتماعية، احتلت مساحات واسعة من النتاج الروائي.

كما يتطرق إلى ظهور المواقف من الأحداث بشكل أكثر تشظيا وضياعا، مما أسهم، برأيه، في انعدام الرؤية والتوجه المستقبلي الخلاق حتى بدت كأنها رؤية تدور في مكانها ترصد وتوثق حالة التمزق العامة التي أحدثت شرخا في النسيج الاجتماعي العراقي وفوضى في القيم الوطنية والفساد السياسي والأخلاقي و ازدواجية في المعايير الإنسانية العامة حتى احتلت صورة الصراع والموت مكان الفاعل أنا الكاتب.

وقد وضع حيدر العابدي في نهاية كل مبحث وفصل أهم النتائج والسمات التي توصل إليها، والتي يعتقد أنها سمات مهمة لها قوة تأثير الرمزي الأسطوري على واقع الرواية الجديدة في العراق وأبرز أنواعها مثلما توضح الاستنتاجات أبرز السمات المهمة والجديدة في الرواية العراقية.

كما أن العابدي في كتابه الجديد توصل إلى تحديد مسارات مهمة وتحولات عميقة طرأت على الرواية العراقية ما بعد 2003 وهو ما يحاول كشفه مبينا سمات تطورها فنياً وموضوعياً.

15