الرواية العراقية في كساد

إن الموجة السردية الصاخبة كانت نتاج إفرازات ما بعد التغيير السياسي كناتج طبيعي للانعتاق من رقابة الماضي وآلياته المعروفة في تحجيم الدور الثقافي والأدبي.
الخميس 2018/09/06
القارئ.. سلطة خفية

يشهد موسم الكتاب السردي في العراق تراجعات على مستوى التسويق التجاري بعدما كان قد شهد كساداً على مستوى النقد والدراسة والبحث الأكاديمي، بينما تراجعت الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي عن الإشارة إلى الإصدارات المتلاحقة للرواية، وبالتالي يمكن أن نلمس فتوراً وعزوفاً عن المتابعة والقراءة والاقتناء، ولدينا أكثر من إشارة في هذا الصدد وأكثر من مصدر يشير إلى تراجع الإقبال على الرواية العراقية في حين كانت حتى قبل سنتين مصدراً قرائياً واسع الانتشار، ولعل الناشرين والكتبيين هم الأقرب إلى هذه الحالة المتوقعة في السوق اليومي ومراقبتهم لبيانات البيع والتسويق حتى مع الأسماء التي نفخ الإعلام الإلكتروني فيها وضخّم من وجودها في مناسبات مختلفة، وهذه البيانات التي نشير إلى مضمونها هي استقراء الناشرين وأصحاب المكتبات الذين تتوضح لديهم الصورة كاملة أكثر من غيرهم بسبب تماسّهم المباشر مع القرّاء ومعاينتهم لواقع الحال التجاري الذي يقتسمه القارئ معهم. في حين مراقبتنا تخضع إلى بيانات النقد والرصد النقدي والمتابعات الثقافية وهذا أمر شحيح.

هذه الموجة السردية الصاخبة كانت نتاج إفرازات ما بعد التغيير السياسي كناتج طبيعي للانعتاق من رقابة الماضي وآلياته المعروفة في تحجيم الدور الثقافي والأدبي إلا في ما يصبُّ لصالح منظومته السياسية، مثلما توقعنا أن تنحسر هذه الموجة تلقائياً حتى من دون نقد مصاحِب لها أو دراسات أكاديمية توليها العناية البحثية، فالكم الكبير غير المعقول الذي بلغ عشرات المئات من الإصدارات الروائية في مطابع العراق وبيروت ودمشق والقاهرة كان فورة أدبية وردة فعل عادية لانفتاح الأفق الثقافي العراقي بشكله العام، لكنه انحاز إلى المد السردي لشيوعه وتماشياً مع عصره الذهبي على حساب بقية الفنون الأدبية، حتى تحول الشعراء والنقاد والمسرحيون إلى كَتَبة روايات، كما وجد الشباب فرصتهم للكتابة الروائية من دون سند معرفي أو تجربة أصيلة وبالتالي ازداد الكم على حساب النوع، متناسين أن هناك سلطة خفية اسمها القارئ وهو الحلقة التي لم ينتبه إليها جيل جديد أخذته الفورة الروائية من دون أن يرى الجانب الآخر من الحقيقة النقدية التي يمثلها إلى حد كبير قارئ غير معروف، هو المقياس لبيانات الصعود والهبوط مع تحفظنا على هذه الفقرة بسبب المافيات الإلكترونية التي ورطت الكثير من الكتّاب الجدد بالمجد والشهرة لأسباب إعلانية مدفوعة الأجر ومحاولة كسب القارئ الغافل؛ لكننا نتحدث عن قارئ جدي لا تأخذه صيحات المواقع وإعلانات الشهرة المزيفة وجوائز المصادفات الأدبية.

ومع استطلاعات الناشرين الصحيحة في كساد الرواية العراقية في موسمها الحالي والتخوف من التسويق للموسم الشتوي المقبل قلّت الاستجابة الطباعية إلى حد كبير للكثير من المخطوطات الروائية، كما قلّت الإعلانات الموجهة لترغيب القارئ لهذا النوع الأدبي لأسباب كثيرة واضحة أهمها السهولة المفرطة في الكتابة التي عدّها البعض نوعاً من الوجاهة الاجتماعية مادام يستطيع الدفع المالي، مثلما هناك أسباب أخرى وجدها القارئ تتلخص في تشابه الثيمات الروائية عند الأغلبية في فقرات ضعيفة ولغة إنشائية بسيطة وموضوعات عادية وتكرار ممل تقاسمته الأكثرية من الكتابات الجديدة، وبالتالي فإن هذا الكم المتراكم أفرز القارئ النوعي الذي تمكن بفترة قياسية من أن لا تغريه الأسماء ولا متصفحات الجوائز الأدبية ولا جيوش الفيسبوك التي تعمد إلى التجهيل في القراءة والاختيار.. في الوقت الذي كان رصدنا الأدبي يشير إلى تدفق المئات من الروايات سنوياً لكن من دون تحصيل نقدي أو مواجهات أدبية تبشّر بهذا الكم الطالع من المطابع العراقية والعربية.

قلق الناشرين بطبيعته تجاري، وقلقنا إبداعي، لكن مع نهاية هذا العام ستتوضح بعض الصورة الأخيرة، ونعتقد بأنه سيشح الإنتاج السردي العراقي على أن تبقى مغريات الكتابة قائمة مادامت جيوش الفيسبوك جاهزة لإعلاء شأن هذا أو تلك بطريقة نتمناها أن لا تنجح هذه المرة لتكون الحياة السردية نظيفة من الطارئين والطارئات.

14