الرواية العراقية والنقد

ما تحقق من منجز على صعيد الرواية العراقي مؤخرا لا يعدم النقد والمتابعة في العالم العربي والعالم، كما أنّه لا يعدم المتابعة والقراءة الواعية.
الاثنين 2018/04/23
حركة النقد العراقية لم تفلح في تجسيد رؤاها (لوحة: سمان خوام)

على الرغم مما تشهده الرواية العراقية من صعود لافت في السنوات الأخيرة وتحقيقها المزيد من الإنجازات على صعيد الجوائز المرموقة والترجمات والحضور العالمي، ظل أغلب النقد العراقي مرتهنا بمحليته المتواضعة وتتحكم فيه الكثير من التقاليد البالية وعدم تقدير المسؤولية البحثية الملقاة على عاتقه وعدم تحرره من المفاهيم التقليدية البالية والارتقاء إلى مستوى الإنجاز ما تحقق على صعيد الإبداع الروائي.

لقد ظل النقد على مدى عقود طويلة تتحكم فيه الكثير من الممارسات والظواهر السلبية المتلخصة في المحاباة وعدم النزاهة والموضوعية، ناهيك عن غياب التقاليد النقدية وروح البحث والتقصي المجرّد عن التجارب المتميزة ومتابعتها والكتابة عنها، وقد أسهمت العزلة النقدية العراقية عن محيطها العربي خلال العقود الماضية، في تقوقعها وعزلها داخل الإطار المحلي المناطقي.

 فانشغل الكثير من النقاد بالتنظيرات المنهجية والأطر الكلاسيكية التي تجاوزتها الحركات النقدية في العالم، وبالتالي لم يتمكنوا من مجاراة التجارب الروائية العراقية المتميزة، ولولا الوعي الذي يتمتّع به القارئ العراقي الباحث عن كل ما هو جديد في شأن الرواية العراقية، واستناده إلى تجارب خاصّة، لحدثت فجوة كبيرة في عملية التواصل بين الكتّاب العراقيين وقرائهم، ولا سيّما الكتّاب العراقيين المقيمين في الخارج.

لقد طغت النزعة الأيديولوجية والحزبية على كتابات الكثير من النقاد العراقيين وخياراتهم في الأعوام التي سبقت سقوط النظام السابق، وجرى تصنيف الكتّاب وفق هذه الرؤية المؤذية على مدى عقود، قبل أن تختلط المعايير النقدية وتتبدّد التقاليد في فترة الاحتلال وما تلتها، لتنشأ علاقات شوهاء ويتكرس الكثير من النقاد الذين ظلوا مهمشين أو معزولين عن الحياة الثقافية في بغداد، بعد أن اختاروا النأي بمشروعهم النقدي بعيدا عن التأثيرات الحزبية، وهذا منجز يحسب لهم على الصعيد الشخصي، لكن الاستمرار في هذه النزعة بعد سقوط النظام وعدم المواكبة، أسقطهم من جديد في حالة من عدم الفاعلية النقدية.

إن ما يمكن أن نطلق عليه مفهوم النزاهة النقدية، ظل بعيدا عن الكثير من هؤلاء الذين اكتفوا بتتبع التجارب المحلية وفق ما تمليه عليهم علاقاتهم ومصالحهم، وهو ما يجسد الفجوة الكبيرة بين كتاباتهم -النقدية- والمنجز الروائي العراقي الكبير المتحقق في السنوات الأخيرة، وهو الأمر الذي دفع بالكثير من الكتّاب والشعراء وبعض القرّاء المجتهدين، إلى الكتابة النقدية والتعريف بالكثير من التجارب الروائية المجتهدة التي تستحق التعريف.

 ونظرا لانتشار الفوضى وفقدان المعايير النقدية، انعكس هذا الواقع على الجامعات وأقسام الدراسات العليا فيها، والتي راح أساتذتها يدفعون باتّجاه اختيار أعمال ثانوية غير مهمة ولم تحقق أيّ صدى نقدي يذكر، وحث طلبتهم لاعتمادها كموضوعات دراسية خاصة لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه، وهو الأمر الذي أفرغ الرسالة الجامعية والجهد البحثي من محتواه الحقيقي وخلخل الثقة بمستوى الدراسات الأدبية في تلك الجامعات.

إن ما تحقق من منجز على صعيد الرواية العراقي مؤخرا لا يعدم النقد والمتابعة في العالم العربي والعالم، كما أنّه لا يعدم المتابعة والقراءة الواعية، إنما الخاسر الأكبر في هذا التقصير هو حركة النقد العراقية التي لم تفلح حتى الآن في تجسيد رؤاها وفي أن تقيم معياريتها الخاصة بها، كما أن تجاهل الكثير من النقاد العراقيين للكثير من التجارب الروائية المهمة في الداخل والخارج، لا يقلل من شأن تلك التجارب، بل يضع مثل هؤلاء النقاد في خانة العزلة والمحلية ويفصلهم عن آلية الحداثة النقدية التي باتت تبتكر أطرها وأشكالها الفنية الجديدة، مستندة بالدرجة الأساس إلى النزاهة النقدية والانحياز للمنجز الإبداعي الخالص.

14