الرواية العربية أقدم مما كنا نتصور

السبت 2017/02/11
تأريخ للرواية العربية

القاهرة – استقر في النقد العربي لسنوات طويلة بأن رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل، هي أول رواية كُتبت باللغة العربية، لذا وُثّقت بوصفها باكورة الإنتاج الروائي العربي.

بيد أن الباحث محمد سيد عبدالتواب، الناقد المصري وأستاذ اللغة العربية، له رأي آخر في كتابه “بواكير الرواية العربية” الذي صدرت طبعته الثانية مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، حيث أكد أن هناك روايات سبقت “زينب” زمنيا في الإنتاج الروائي العربي. وقد قام بتقديم الكتاب الناقد سيد البحراوي، بدراسة نقدية، أثارت جدلا كبيرا عند صدور طبعتها الأولى عن الهيئة المصرية العامة للكتاب أيضا.

ويقول الناشر إن أهمية هذا الكتاب لا تتمثل في كونه يسلط الضوء على نصوص روائية عربية لم يعرفها تاريخ الأدب العربي من قبل، وإنما في تأريخه للرواية العربية، مؤكدا أن الكتاب من شأنه أن يثير شهية الكثير من الباحثين والدارسين لمراجعة تاريخ الرواية أكثر في عالمنا العربي، وللمزيد من التنقيب والاكتشافات، لا سيما وأنه يحاول إعادة النظر في أصول الرواية العربية وريادتها، عبر رؤية خاصة تعتمد على النصوص الروائية الأولى التي هُمِّشت وأُسقطت من تاريخ دراسة الرواية العربية.

ويشير الناشر إلى أن هذه الدراسة تعيد النظر في الآراء والاتجاهات التي صدرت في تاريخ الرواية العربية وأصلها، فهي تعيد إلى الساحة روايات أنتجتها فترةٌ غير معترَف بها سبقت ما يسمى “بداية الرواية الفنية”، المتمثلة برواية “زينب” لمحمد حسين هيكل، كما يرى كثيرون.

ويضيف أن محمد سيد عبدالتواب قام بإدخال الفترة من منتصف القرن التاسع عشر، وحتى الربع الأول من القرن العشرين في دراسته، متناولا أزمة النهضة في مصر، ثم الحملة الفرنسية وما أسماه “وهم الحداثة” آنذاك، ثم يتناول مهمة الرواية وطبيعتها ونشأتها في النقد العربي الحديث، وكذلك الأثر العربي فيها، قبل أن يتناول الأثر الغربي من خلال دراسته أثر الترجمة والتعريب. ثم يخصص الجزء الأخير من الكتاب لرواية “وي.. إذن لست بإفرنجي” التي ألّفها خليل أفندي الخوري، واضعا دراسة تحليلية نقدية، في ضوء أن هذه الرواية لم تُذكَر في أيّ من الدراسات من قبل.

عبدالتواب يقول بدوره إن رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل ليست الرواية العربية الأولى، لكن رائد الرواية العربية هو اللبناني خليل أفندي الخوري في روايته “وي.. إذن لست بإفرنجي”، التي سبقت رواية هيكل بنحو نصف قرن.

كما يذهب إلى أن رفاعة الطهطاوي ليس أول من قام بتعريب الرواية الغربية إلى العربية، كما استقر عليه الاعتقاد طوال عقود، فالأديب اللبناني فارس الشدياق سبقه إلى ذلك. ويشير إلى أن عدد الروايات التي سبقت رواية “زينب” يزيد على 250 رواية تقريبا، لكن رواية الخوري تكاد تكون الأسبق زمنيا والأفضل لناحيتي الفكرة وتقنيات الكتابة، فقد صدرت طبعتها الأولى عام 1858 والثانية عام 1860.

ويلفت المؤلف إلى أن الأكثر أهمية هو أن نص الخوري رغم أنه الأول تاريخيا، إلا أنه يفوق “زينب” فنيا، فهو على المستوى المضموني يحمل الهم العربي الذي نعيشه الآن، وإشكالية كيف نتحاور مع الغرب.

ويبين أن محمد حسين هيكل كتب رواية “زينب” في فرنسا متأثرا بـرواية “غادة الكاميليا”، قبل أن يتساءل: هل يمكن لفتاة تعيش في الريف، مهمومة بالحياة اليومية وبأسرتها، أن تنشغل بقضية الحب على النحو الذي قدمه هيكل في ذلك الوقت؟ وهل يمكن لفتاة تعيش في الهواء النقي أن تموت بالسل؟

ويشير إلى أن الباحثين اعتادوا أن يبدأوا بمقدمة عن صورة المجتمع الحضارية بادئين من الحملة الفرنسية، باعتبارها أول احتكاك فعليّ بين مصر وأوروبا، ثم حركة البعثات العلمية التي أرسلها محمد علي إلى فرنسا، وقد أسسوا على ذلك اعتبار أن تلك الفترة هي بداية النهضة الحديثة، والحملة أول بواعثها.

ويوضح الباحث أن هذه المسلمة بدأت تتبلور في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وهي استجابة تعود إلى بداية الامتثال للخطاب الاستعماري الذي رسخ فكرة بسيطة وواضحة، وهي أن التحديث وكل ما يتصل به جاء مع الحضور الغربي إلى الشرق، فسادت الرؤية الغربية لمفهوم التحديث، الذي أصبح منذ ذلك الوقت يتحدد في محاكاة أشكال الثقافة الغربية، بما في ذلك الأشكال الأدبية، ولذا كان الخطاب الاستعماري قويا ومؤثرا، فالامتثال للقوة العسكرية الاستعمارية رافقه امتثال لخطابها في وصف الظواهر الأدبية والفكرية، وهذا ما تم في الحياة الفكرية والثقافية والأدبية المصرية في ذلك الحين.

17