الرواية العربية أنثوية وذكورية وانفتاح حذر على الشارع

السبت 2013/12/28
هل بقي الأدب العربي مقترنا بالرواد فحسب؟

أبوظبي- علامات كثيرة يمكن أن تستوقف المتابع للمنجز الروائي العربي في عام كامل شهد وفرة ملحوظة في عدد الأعمال الروائية التي صدرت خلاله لعدد كبير من الروائيات والروائيين العرب، بعضها كان لأسماء معروفة، وبعضها الآخر كان باكورة تجارب جديدة، ما تزال تتلمس خطواتها الأولى في هذا المشهد.

أهمية هذه العلامات بالنسبة للقارئ في هذا المشهد تتمثل في أنها تكشف أولا من خلال هذا العدد الوافر من الإصدارات الجديدة، وحجم انتشار الرواية أنها ما تزال تتصدر المشهد الثقافي العربي، وهو ما يعززه ويدل عليه أيضا حجم المنشورات النقدية الواضح، التي تحاول أن تواكب هذا المنجز دراسة وتحليلا ومناقشة لأهم قضاياه الجمالية والفكرية والسردية، إضافة إلى ما استطاعت أن تحققه الرواية العربية على المستوى العالمي، بعد أن انتزعت رواية “مديح الكراهية” للروائي السوري خالد خليفة موقعها على قائمة المئة رواية عالمية، التي تم اختيارها، وهو إنجاز هام ينضاف لرصيد الرواية العربية بعد فوز نجيب محفوظ بجائز نوبل للرواية.


الرواية ديوان العرب


إن ثمة ما يستوقف المتأمل نقديا في هذه العلامات وسط هذا الكم المتزايد من الإصدارات الروائية وفعل الغواية الذي باتت تمارسه الرواية على الكتاب والكاتبات من العرب بحثا عن مدى التحول الذي يمكن أن نلحظه في بنية تلك الأعمال، على مستوى مغامرة التشكيل السردي وتأصيل الهوية السردية للرواية العربية من خلال قدرتها على تمثل الواقع وتمثيله سرديا وجماليا، وتوسيع آفاق المغامرة السردية لغة وتشكيلا وتحفيزا ورؤية، باعتبار ذلك هو التحدي الأول الذي ما تزال تواجهه التجربة الروائية العربية، ويعد الامتحان الأصعب لقدرتها على التجديد والبحث واختراق السائد والقار في هذه التجربة، لاسيما على مستوى تأثير الرواية الغربية الحديثة عليها.

ينضاف إلى هذه المغامرة وما سبقها علامة ثالثة تتمثل في التزايد المضطرد للمساهمة النسوية في حقل هذا المنجز الروائي، ليس على مستوى الكم وحسب، بل يتجاوز ذلك إلى مغامرة البحث والتجريب وسؤال الأنوثة المشتبك معه في أطروحاته، وما ينشده من فضاء سردي تؤثثه الأنوثة بلغتها وبوحها، وتفتح فضاءاته على رؤيتها الجديدة للعالم والأشياء بعد أن ظل هذا الفضاء موشوما بالذكورة، الأمر الذي يجعل تلك المساهمة النسوية جديرة بالتوقف والقراءة والتأمل.

أما العلامة الأخرى التي تستوجب التوقف عندها، فهي الحضور الواضح والمكثف لثورات الشارع العربي في المنجز الروائي للأقطار التي شهدت تلك الثورات وما تزال تعيش مخاضاتها العسيرة، وفي مقدمتها مصر وسوريا على خلاف ما يمكن أن نجده في الرواية اليمنية أو التونسية أو الليبية.

ومع اتساع ظاهرة الهجرة الإرادية أو القسرية بفعل اتساع حجم القمع الرسمي وغياب الحريات في المجتمع العربي برزت علامة فارقة أخرى تمثلت في اتساع حجم المساهمة الروائية لكتاب المهاجر العرب، وانعكاس ذلك بصورة واضحة على شواغل التجربة السردية العربية وموضوعاته المثقلة بالشعور الضاغط بالغربة والحنين، والبحث عن الذات والهوية في عالم من الثقافات والهويات المختلفة.

ومما تعزز حضوره وغدا علامة ما زالت تكبر وتتسع بمدلولاتها الإبداعية هو التأثير الذي تركه تسيد الرواية للمشهد الإبداعي العربي على الكتاب والكاتبات، وفي المقدمة منهم الشعراء، الذين آثروا التحول نحو خوض مغامرة التجريب في حقل الكتابة السردية، أو مواصلة هذه الهجرة التي بدأوها في أعمال سابقة في إقليم الكتابة السردية كما هي الحال مع الشاعر عباس بيضون والشاعر هاشم شفيق، وكأن الفضاء الشعري الذي تحدروا من مخيلته ضاق بهم، أو أن غواية السرد وتراكم التجربة التي عاشوها في مرحلة بالغة التحول والانكسار والهزيمة دفعت بهم نحو هذه المغامرة، باعتبارها مساحة أوسع للقول والتعبير وإعادة قراءة للذات في ضوء هزيمة المشاريع الوطنية والقومية.

إن هذه الوفرة في المنجز السردي الحكائي العربي لا تكفي وحدها لمنح هذه الرواية شهادة حسن سلوك على المستوى الإبداعي، بل لابد من الوقوف على أهم الإشكالات والتحديات التي تواجهها سواء على صعيد مغامرة الشكل الروائي وأشكال التمثيل السردي للواقع وقضايا الإنسان العربي وأحلامه وهواجسه وتطلعاته نحو الحرية والكرامة والعدالة، أو على صعيد الحفر في الواقع والذات واللغة، وتجديد المنظور النقدي والإبداعي للعلاقة مع التراث والحداثة.


المتخيل السردي


يكاد المنجز الروائي لهذا العام يشكل امتدادا للمنجز الروائي السابق واتصالا معه، سواء من حيث المتخيل السردي ومرجعياته الممتدة بين التخييل التاريخي، ورواية الواقعية الاجتماعية المشغولة بالتعبير عن قضايا الواقع والحياة والإنسان العربي، أو الأشكال السردية وتقنيات الكتابة الروائية.

وفيما يلاحظ على الرواية الواقعية من حضور للجانب السيري للشخصية الروائية فيها إلى جانب الروائي التخيلي، وغلبة استخدام ضمير المتكلم أو ضمير الغائب في السرد، وهيمنة صيغة الراوي العليم على السرد فيها، وارتباط أغلب أحداث الرواية وتطورها بشخصية بطل الرواية، الذي تدور أغلب أحداث الرواية حوله، فإن استمرار اشتغال الرواية العربية على التخييل التاريخي والتراث بقدر ما يعبر عن نزعة الروائي العربي لمنافسة المؤرخ على إعادة استقراء وكتابة التاريخ، والإضاءة على ما يمكن أن يجده الروائي قمينا بالكشف والانتباه أو بتقديم رؤية المهمشين له، لاسيما في التاريخ العربي الحديث، فإنه يدلل على محاولة الوعي الروائي العربي البحث عن هوية سردية خاصة به من جهة، وتعميقا لعلاقته مع الأنا الجمعية في تعبيرها عن ذاتها ووجودها، من جهة ثانية، دون أن ننسى الأثر الذي تمارسه سطوة القمع السياسي أو الاجتماعي أو الديني على هذا الوعي، ما يدفعه لاستخدام قناع التاريخ مداورة ومجانبة لكي يقول ما لا يستطيع أن يجهر به علانية.

ومما نجده في تضاعيف هذا السرد الحكائي أو في بنيته السردية هو الجرأة في نقد المحرمات واستحضار المسكوت عنه وفي مقدمته موضوع الجنس والجسد، الذي بات يشغل حيزا مهما من السرد الحكائي في الرواية الجديدة عند الكاتب والكاتبة في آن معا، حيث يأتي ذلك مقترنا مع التعبير عن حالة الخيبة والهزيمة أو القمع الذي تعاني منه شخصيات الرواية، كما في رواية “التماسيح” ليوسف رخا و”أوكي مع السلامة” لرشيد الضعيف و”عواطف وزوارها” للحبيب السالمي.

كذلك هناك تهجين اللغة من خلال تعدد المعجم اللغوي المستخدم في السرد أو في الحوار الذي يدور بين شخصيات الرواية، والذي يتجاوز العامية والفصحى إلى اللغة الأجنبية في بعض الأعمال كروايتي “أصابع لوليتا” ومملكة الفراشة لواسيني الأعرج، ورواية مجهول ليوسف القعيد.

بينما تنشغل الرواية الفلسطينية بقضايا الواقع الفلسطيني والصراع مع الآخر المحتل في بعده الديني والوجودي، وهو ما يتبدا في روايتي “أرض وسماء” لسحر خليفة، و”لا أحد يعرف زمرة دمه” لمايا أبو الحيات على سبيل المثال لا الحصر.


الرواية والشارع


على الرغم من التحول الكبير والتداعيات العميقة التي أحدثتها ثورات الشارع العربي ومحاولات الرواية رصد وتجسيد هذا الحدث بمعانيه ودلالاته السياسية والاجتماعية والثقافية، إلا أنه ما زال من المبكر الحديث عن رواية عربية استطاعت أن تتمثل فنيا وسرديا بصورة ناضجة وعميقة هذا الحدث الشعبي والتاريخي الحاسم في بنية الواقع العربي، إذ لا زلت هذه الرواية تعيش تحت تأثيره المباشر ووسط مخاضاته العسيرة والدامية التي لم تنته بعد.

في الآن ذاته لا يمكن أن نتحدث عن كل ما نشر خلال هذا العام من روايات في مصر وسوريا وهما أكثر بلدان الثورات العربية التي صدرت فيها تلك الأعمال بمستوى واحد، نظرا للتباينات التي شهدتها مسيرة الثورة فيهما، وطبيعة المخاضات الصعبة والمواجهات العنيفة التي ما تزال تخوضها الثورة للوصول إلى أهدافها في كل من مصر وسوريا.

وفي حين تتباين هذه الأعمال من حيث القيمة السردية والجمالية في البلد الواحد، فإن هذه التباينات تتقلص مع نضوج هذه التجربة ومحاولة التأمل في بلاغة ما يحدث وما يمكن أن تنجلي عنه هذه المخاضات الصعبة والدامية.

من تلك الروايات التي رصدت يوميات هذه الثورات ووقائعها الدامية والبطولية روايات “ثورة المحروسة” لعلية بدوي و”الهواء يهب في يناير” لعلي عباسي، و”سقوط الصمت” لعمار علي حسن، و”شمس منتصف الليل” لأسماء الطناني التي اعتبرها الكثيرون رواية الثورة المصرية، بينما تعتبر رواية “طبول الحرب” لمها حسن من سوريا و”هولير حبيبتي” لعبد الباقي يوسف و”تقاطع نيران” لسمر يزبك و”بانسيون مريم” لنبيل ملحم و”عائد إلى حلب” لعبدالله مكسور و”لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة” لخالد خليفة التي نال عليها مؤخرا جائزة نجيب محفوظ للرواية من الأعمال الروائية السورية التي تباينت اشتغالاتها على وقائع وتداعيات وأسئلة هذه الثورة الدامية، والمأساة الإنسانية التي تعيش وقائعها، بعد أن حولها النظام إلى حرب كارثية مفتوحة من أجل إخضاع السوريين لسلطة استبداده وإرهابه الوحشي.

هذه المسارات المتباينة التي واجهتها الثورات العربية والمآلات المختلفة التي ما زالت ترزح تحت وطأتها جعلت الرواية العربية تواجه مأزقا في قدرتها على تمثل هذا الحدث واستيعاب مدلولاته واستشراف آفاقه، في حين أن الرواية الليبية أو التونسية أو اليمنية ما زالت محصورة في عمل أو أكثر في كل منها، ما يعبر عن الموقف السلبي أو المتحفظ الذي ما يزال يتخذه الكاتب الروائي فيها من الثورة.


المرأة روائية


تواصل الكاتبة العربية تعزيز مكاسبها السردية في المشهد الثقافي العربي مع تنامي تجربتها وتطورها، وتكاد هذه التجربة كما هي عليه في السنوات الماضية تذهب في اتجاهين، اتجاه ما زال منشغلا بقضايا الواقع العربي السياسية والاجتماعية، وعندما يتحدث عن قضايا المرأة، فإن رؤيته لا تتناول هذا الموضوع بمعزل عن قضايا الواقع الاجتماعية والسياسية وخيباته، لكنه اتجاه يتميز بالجرأة في الطرح والتعبير عن معاناة المرأة وهزائمها الشخصية وحاجاتها الإنسانية والجسدية والروحية، حتى يمكن وصف تلك الكتابة بالكتابة العارية التي تستمد بلاغتها من عمق شعورها بالهزيمة التي تفضح هزيمة النخب السياسية والثقافية ومشاريعها الايديولوجية والسياسية، كما في “الأسود يليق بك” لأحلام مستغانمي وإن كانت هذه الرواية لا تفارق عالم الكاتبة السردي وانشغالاته ولغته الشعرية المنسرحة على حساب حركة السرد وتناميه.

الكتابة الروائية العارية هي التي تستمد بلاغتها من عمق شعورها بالهزيمة وتفضح هزيمة النخب السياسية والثقافية ومشاريعها الايديولوجية والسياسية

وينحو الاتجاه الثاني في سرد الكاتبة باتجاه تكريس الحضور المرتفع للوظيفة التعبيرية للأنا الساردة وجعل الجسد الأنثوي والأنوثة منطلقا ومصدرا لبلاغة السرد ومنظوره السردي باعتباره حاملا لهوية الذات ومركزا للصراع على امتلاكه مع الرجل. لكن أغلب تلك الأعمال ظلت في إطار الكتابة عن الذات أكثر منها كتابة للذات واستحضارا لمخزونها الرمزي والروحي واللغوي كعلامات مؤنثة على وجود يؤسس لحضور فاعل وخصب للمرأة في الكتابة السردية.

ولعل العلامة الثانية المميزة لتلك التجربة هي حضور السيرة الذاتية للكاتبة في الرواية، إلى جانب الجرأة في نقد المحرمات التي تصادر حرية المرأة وتقيد وجودها، حيث تعلو نبرة الاحتجاج والسخط والشكوى فيها، لكنها في كل الأحوال تفتح الباب أمام تراكم الخبرة وتنامي التجربة وتطورها بعيدا عن الارتهان لرغبة بعض الكاتبات في تحقيق الشهرة من خلال توظيف تيمة الجسد في العمل الروائي على حساب قيمة المنجز السردي وجمالياته وتعبيرها عن هويتها الأنثوية بوصفها مصدرا للغنى والإبداع.
17