الرواية العربية لها تأثيرها في الأدب العالمي

الناقدة العراقية فريال غزول تعيد قراءة تجربة إدوار الخرّاط السردية.
السبت 2020/03/28
كتابات الخراط تفتح نافذة على عالم بديل

تسهم الناقدة العراقية فريال جبوري غزّول، بشكل بارز في الحركة النقدية العربية حيث تسعى لقراءة المنجز الإبداعي العربي في ضوء النظرية الغربية، ساعية لتشكيل وعي جديد بالأدب والدرس النقدي العربي. ولا تقتصر دراسات غزّول على التراث السردي القديم، بل اشتغلت بالمدونة السردية الحديثة في دراسات كان آخرها حول القاص إدوار الخراط.

تنتقل الناقدة فريال جبوري غزّول في بحثها من حيز القديم التراثي إلى أفق الحديث، ما يكشف أولاً عن وعي عميق بآليات النظرية النقدية الحديثة، ومرونتها في الاستجابة لنصوص متعدّدة من أزمنة مختلفة، بعضها مرتبط بالشفاهي والآخر مرتبط بالكتابي.

وفي هذا الإطار تتناول الناقدة تجربة الكاتب المصري إدوار الخراط، وتخصُّ تجربته السّرديّة بكتاب وسمته بـ”الريادة في الرواية: ثلاثية الخرّاط”، وهو في الأصل مجموعة من الدراسات نُشرت متفرقة من قبل، تجمع بين المنهجيّة العلميّة، والرُّوح الإبداعيّة، فمع الصّرامة النقدية البادية في تبنّيها لأطر نظرية غربية في قراءاتها، إلا أن غوصها فيما وراء الكتابة، يجعل من قراءتها نصوصًا موازية تكشف عن الثراء المكنون في عُمق الإبداع.

الثراء المكنون

في الكتاب، الصادر في القاهرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، نقرأ إدوار الخراط بعين أخرى؛ عين منفتحة على ما وراء الكتابة “لا تقوم بفصل قسري بين ما هو جميل في النص وما هو جميل في الحياة‏” إذا استعرنا وصفها لكتابات إدوارد سعيد النقدية التي تزاوج بين ما هو جمالي إستطيقي، وما هو اجتماعي وإنساني في الإبداع في آنٍ واحدٍ.

الخرّاط يعمد إلى توليد أساطير خاصة من داخل الأسطورة
الخرّاط يعمد إلى توليد أساطير خاصة من داخل الأسطورة

يتساءل القارئ بدءًا من عتبة العنوان: لماذا إدوار الخرّاط؟ بالطبع الجواب حاضر في التصدير، الذي استهلت به الكتاب، واعتبرت الخرّاط بمثابة الهِبَة والموهبة، أما كتاباته فهي تفتح نافذة على عالم بديل وزمن آخر، حيث تتسم نصوصه دون سائر مجايليه بأنّها تنفتح لا على عالم متخيّل ومستقبلي أو على عصر ذهبي انقرض وصار في ذمة التاريخ، بل على الثراء المكنون في طيات هذا الزمن وفي ثنايا هذا العالم الواقع. عالم من الإبداع ينزع قشرة الرداءة عن قُبح الواقع البشع. فهو لا يفعل هذا عبر تقديم وجه آخر للواقع، بل عبر تقديم عمق آخر للواقع، أي أنه يَحْفُرُ ويكتب، يحفر في الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعيّة معًا.

كما أن كتاباته قائمة على المزاوجة بين الشعري والسردي، الفلسفي والسياسي، التأمّليّ والصُّوفي. وأيضًا تتجاور فيها الأبعاد في تضافر خلّاق: التاريخ بالأسطوري، التسجيلي بالغنائي، العربي بالعالمي، القبطي بالإسلامي. السّمة الثانية هي تميّز أعمال إدوار بشبقيّة الأسلوب، وليس المقصود الثيمات الشبقيّة، وإن كانت متحقِّقة بشكل أو بآخر، فكتاباته لا تخلو من مشاهد عشق ووصال وإنما الشبقية المقصودة قدرة إدوار على تشبيق اللغة، بمعنى شحن أي جملة في خطابه المتنوّع بطاقة شبقيّة فريدة، وبالتالي تكسب ثراءً دلاليًّا وغنى رمزيًّا.

ثمة تساؤل آخر: ما المقصود بالريادة المُشار إليها في العنوان؟ في الحقيقة لم تشر المؤلفة إلى الريادة المقصودة التي خصت بها نصوص الخراط، حتى أنها لم تقصد حديثه عن “الحساسية الجديدة”. ربما يُفهم من سياق تحليلها أنّها تقصد تبنّي الخراط للنص الإشكالي، فكما يقول محمد بدوي في كتابه “الرواية الحديثة” إن نصَّ إدوار الخراط “يُغاير نصوص غيره، في أنه سعى إلى التكوين والخلق لا التصوير والتعبير”.

ويتوزّعُ الكتاب على ثلاثة أقسام هي: مساهمة الرواية العربية في أساليب القصّ العالمية: رامة والتنين، وأصالة الحداثة في الرواية الشعرية: الزمن الآخر، وأخيرا صورة الفنان في شيخوخته المشبوبة: يقين العطش. وهي الثلاثيّة الشهيرة، وقد صدرت متعاقبة؛ الأولى رامة والتنين (1980)، ثم الزمن الآخر (1985)، وأخيرًا يقين العطش (1996).

تتخذ غزّول من “رامة والتنين”، نموذجًا للتأكيد على مساهمة الرواية العربيّة في أساليب القصّ العالميّة، وهي بذلك تسير عكس التيار الذي كان يرى أن كُتَّاب الرواية العربية انقسموا إلى قسمين، الأول انشغل بالتراث واستلهامه لأساليب السرد العربية، على نحو ما فعل يحيى الطاهر عبدالله، وجمال الغيطاني. والقسم الثاني اهتم باستثمار منجزات الآخر الغربي في سياق عربي، كما فعل إبراهيم أصلان وصنع الله إبراهيم. هذا حسب التقسيم الذي أقره الدكتور محمد بدوي في كتابه “الرواية الحديثة في مصر”. غزول تبحث عمّا يتعلَّمه الآخر من إبداعنا العربي. وتتمثّل هذه الإضافة في جوانب ثلاثة هي: الأسطورية التوليدية والواقعية الحسيّة والحداثة الملحميّة.

ناقدة عربية تسعى لتشكيل وعي جديد بالأدب والدرس النقدي العربي
فريال غزول ناقدة عربية تسعى لتشكيل وعي جديد بالأدب والدرس النقدي العربي

وبالنسبة إلى الجانب الأول يتحقّق في رواية الخرّاط في عتبتها الأولى، وأيضًا في الاقتباس الختامي المأخوذ عن الحلاج، إضافة إلى إشارات في أماكن مختلفة من الرواية، والأسطورة هنا التي تعدُّ لُبّ الرواية ومحركها تتمثّل في قصة صِراع الإنسان مع الوحش الخُرافي.

ترى غزول أن الخرّاط يعمد إلى توليد أساطير خاصة من داخل الأسطورة، لدرجة أنه لم ينشغل بهوية التنين: هل هو وجه من أوجه رامة المعشوقة؟ أم وجه من وجوه ميخائيل العاشق؟ أم هو كائن آخر أو قوى أخرى؟ وإن كانت تؤكّد على أنّ تقنية توليد الأساطير عند الخرَّاط مختلفة ومميّزة عمّا قام به الشاعر الروماني أوفيديوس في كتابه “مسخ الكائنات”. فعند الخراط يتمُّ التوليد عبر تداعٍ توليدي، وينقسم إلى نوعين؛ تماثلي أي أن الأسطورة تستدعي مثيلاتها ونظيراتها، وتقاطعي أي أن الأسطورة تستدعي ما لا يتطابق معها بل يمسّها وهذا مرتبط بالكناية في حين الأول مرتبط بمبدأ الاستعارة.

ومع حضور الأسطورة إلا أن الواقع حاضر أيضًا، حتى لو كان واقعًا حسيًّا كما وصفته غزّول، ويقدّمه وكأنّنا داخلون في سديمه؛ فالواقع هنا يبدو في صورة جديدة، صورته الفنيّة على حدّ تعريف عبدالمنعم تليمة للواقع وحضوره في الفن، أي بإعادة خلقه من جديد، وأن هذا لا يحدث إلا كما يقول شكلوفسكي بأن يقوم الكاتب بإخراج الشيء الواقعي من متوالية الواقع إلى متوالية أدبيّة، عندئذ يكتسب الشيء معناه من المتوالية الأدبيّة. المميّز عند إدوار هو الوصف الحسيّ لهذا الواقع، حتى أنه يقلب ما هو تجريدي إلى حسي وواقع. وكل هذا يأتي عبر بناء حداثي ملحمي بوصف غزّول، فليس للرواية هنا شكل أو قالب وإنما انتهاك لبنية التتابع السردي.

الرواية الشعرية

تشير غزّول إلى أن اللغة في رواية “رامة والتنين” ليست شعرًا بالمعنى التقليدي، إلا أنها شاعرية إلى درجة يمكن أن نطلق على كل فصل منها قصيدة نثرية، أو قصيدة سردية. وهو الأمر الذي تُخصص له فصلاً كاملاً تطبيقًا على رواية “الزمن الآخر”. فالرواية تتميّز مع وجود حكاية لها، بأن لا بنية لها، بل يمكن وصفها بأنها زئبقية، هلاميّة غامضة يَصْعُبُ الإمساك بها، ومع هذا فالذي يمنحها فنيتها أي هويتها الجماليّة، هو المحور الاستبداليّ الذي يتميّز به الشعر، لا المحور السّياقي الذي يتميّز به الخبر. أي أن كل وحدة من وحدات الرواية تستحضر الوحدات الأخرى لا استحضارًا سببيًّا وكنائيًا بل استحضارًا تماثليًّا أو استعاريّا.

مهارة لغوية مختلفة
مهارة لغوية مختلفة

كما تتسم الرواية بمهارة لغوية تتمثّل في مُتعة الكلمة المصوّتة كما هي عند الشاعر الجاهلي، ومن ثمّ نراها تُقْدِمُ على مغامرة مُبهرة حيث تُقارن الرواية بمعلقة لبيد، لاشتراكهما في وصف باهر للمرئيات وعكوف على تفاصيلها، بل على تفاصيل تفاصيلها، دون إغفال لأبسط الأشياء اليومية، وهما لا يكتفيان بتسميتها، بل يدخلان في تشريح مقوماتها. والفارق هو إيجاز الشاعر القديم، واسترسال الكاتب المعاصر. ومثلما كانت القصيدة الجاهلية مزيجًا بين العام والخاص، الخارج والداخل، فكذلك “الزمن الآخر” تعدُّ اتئلافًا جميلاً بين المناسبات العامة والعلاقات الحميمية، وبين الوثائق الصحافية والرسائل الخاصة التي تتضافر لتقديم رواية معاصرة.

الهمُّ السياسيّ حاضر في العمليْن السابقيْن، وهو أيضًا ممتد في الجزء الثالث من الثلاثية: “يقين العطش”، فيقدم عبر بطلي الرواية؛ القبطي ميخائيل وحبيبته المسلمة رامة، ملحمة معاصرة على خلفية من الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية، عامدًا إلى استخدام تقنيات حداثية كما في الكولاج والمونتاج في السرد والتوصيف. كما يركز الخراط في هذا الجزء من الثلاثية على السمع والاستغراق في الموسيقى (مونتردي والجاز، وآليبوني، وفاجنر، وكولينجوود، وفردي وباخ وهايدن، ووردة الجزائرية وعبدالوهاب، وموال عيون بهية).

والإكثار من الإحالات الموسيقية له دلالات مهمة، فبطل الرواية وهو معماري متخصص في الترميم، يحاول تقويم التعارض والتنافر، كما يفعل المايسترو في الأصوات المتضاربة ليجعل منها قصيدة موسيقية. وبمعنى أعمق يعمل على إعادة الروح التي سُرقت على غفلة، أي الوحدة الوطنية التي تسربت تدريجيًّا، والذات التي غُيِّبَت، أي أنها محاولة تقديم لصرح مُنهار من أجل ترميمه. وينطبق القول على كتاب فريال غزّول، الذي هو أشبه بإضاءة لجوانب معتمة في ثلاثية الخرّاط، ولضم هذا البناء الحداثي بتراثه، والتأكيد على أن روح الأصالة حاضرة في نسيج الحداثة المتفردة.

 

 

14