الرواية العربية محتجزة في الطابع الانعكاسي

سعاد العنزي: مواقع التواصل تبني أسيّجة حول ممالك الكتاب الإبداعية.
الجمعة 2021/02/12
الأصوات الإبداعية كثيرة والنقاد نادرون

لقد فرضت مواقع التواصل الاجتماعي سطوتها على عالم الأدب وخلقت نمطا آخر من “النقد” الموازي، الذي لا يتجاوز عتبة المجاملات الإلكترونية، وبينما رسّخت علاقة الكتاب بالقراء من جهة لكنها من جهة أخرى ضخمت غرور الكتاب ومنعتهم من الشك والتجدد. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الناقدة الكويتية سعاد العنزي حول واقع النقد والرواية العربيين.

تحفل انشغالات الناقدة الكويتية سعاد العنزي، أستاذة النقد الأدبي الحديث في جامعة الكويت، باهتمام خاص بالرواية العربية، على الرغم من أن أطروحتيها للماجستير جاءت حول “النظرية النقدية والثقافية”، والدكتوراه حول “تشكيلات هوية ما بعد الاستعمار في أعمال إدوارد سعيد ومحمود درويش”.

وركزت كتبها وبحوثها ودراساتها المنشورة على معالجة قضايا وإشكاليات الرواية، فتناول أول كتبها صور العنف السياسي في الرواية الجزائرية المعاصرة، وفي الثاني الهوية العربية بين التخييل والواقع، وخصت كتابها الثالث لرواية المرأة الكويتية في الألفية الثالثة، وربما كان هذا الكتاب وراء كتابها الأخير الذي عمقت فيه قراءاتها لكتابات المرأة العربية وذلك بدراسة مقارنة بين فرجينيا وولف ومي زيادة.

 وإذا تتبعنا هذه الانشغالات في البحوث والدراسات فهي تمتد إلى تجليات الرواية العربية من الكويت إلى مختلف الدول العربية، هذا فضلا عن انشغالات أخرى ترتبط بمستقبل الأدب والإعلام الرقمي بين الدكتاتورية والديمقراطية، والتحليل النفسي بين فرويد ولاكان. وفي هذا الحوار نتعرف على رؤيتها وأفكارها.

المرأة والسياسة والنقد

الرواية العربية انعكاس لتفكير طبقات المجتمع، تعكس وتحلل وتفسر، وقلما تخلق نموذجا مختلفا وتقترح صورا جديدة
رواية المرأة في الكويت خاصة والخليج عامة استطاعت تجاوز تابوهات العادات والتقاليد والأعراف من خلال العديد من الأقلام

انطلاقا من مشهد الرواية العربية الآن في عالمنا العربي عامة والرواية الكويتية خاصة، تقول العنزي “عند التطرق لهذا الموضوع الشائك، ينبغي علينا الفصل بين الروائيين المحترفين والروائيين الأقل احترافية، والذين لا يزالون في طور التجريب. وضمن الأدباء المحترفين أنفسهم نجد مستويات إبداع متفاوتة. ربما من الجيد القول إن مشهد الرواية خلال القرن الماضي شهد تنوعا كبيرا واتجاهات كثيرة، لكن من الصعب تقييم المشهد في العقد الماضي، لأنه من بين الأعمال المتواضعة نجد مجموعة من الأعمال المهمة واللافتة”.

وتضيف “أيضا من المهم القول إننا نعيش في مرحلة من الأدائية في الرواية العربية، أن يقدم الكتاب روايات، ولكن من دون أي إبهار أو تجديد حقيقي. لدينا كتاب يلاحقون الموجات، ويحاولون ملء الفجوات، وهذا بعيد عن العملية الإبداعية. أما في ما يخص الرواية الكويتية فيؤسفني القول إنها تعاني من عدة أمور، أهمها قلة الأصوات الروائية، التي تحترف كتابة الرواية بعد الراحل إسماعيل فهد إسماعيل. لقد ترك رحيله صراحة فجوة في الرواية الكويتية. الأمر الآخر، إن هناك كتابا دخلوا إلى الرواية من بعد ممارسة أنواع كتابية أخرى وأنجزوا رواية أو روايتين مثل سليمان الشطي ونجمة إدريس، وثريا البقصمي وعالية شعيب. أما بقية الكتاب فهم يخوضون في مراحل تجريب دائمة يصيبون في بعض من الإصدارات ويخفقون في بعضها الآخر”.

وفي ما يتعلق برواية المرأة في المشهد الروائي الكويتي وأبرز الملامح التي تتميز بها عن رواية الرجل، ترى العنزي أنه باستثناء ليلى العثمان، لن نجد رواية نسوية في الكويت، ما تبقى من إصدارات هي إصدارات لكاتبات لا يعبأن بقضية المرأة ولا فكرة اختلاف الصوت النسائي واختلاف قضايا المرأة عن الرجل أو حتى تبني قضايا النساء باختلاف الطبقات والأوضاع الاجتماعية.

وتقر بأنها لا تعلم إن كانت الكاتبات الكويتيات لا يكتبن في موضوع المرأة من منطلق قناعة أن المرأة نالت حقوقها أو من رغبة في الانشغال بالقضايا الخاصة واهتمامات جمالية خاصة بهن، أو ربما بسبب خوف من الرقابة الاجتماعية وهيمنة السلطة الذكورية على النشر، وتستشهد بفرجينيا وولف في قولها “إخفاء هوياتهن يجري بدمائهن”.

وتؤكدت العنزي أن رواية المرأة استطاعت في الكويت خاصة والخليج عامة تجاوز تابوهات العادات والتقاليد والأعراف، وترى أن قسما من الكاتبات كتبن في تابوهات العادات والتقاليد بطريقة تقليدية ولم يتجاوزن هذه الحدود، وكان هذا النوع من الكتابات رديئا من الناحية الفنية، ودائما يسقط الجانب الجمالي فيها على حساب الرؤية الخطابية الأيديولوجية. أما القسم الآخر فهو الذي ينجح فنيا مع التخلي عن التطرق لموضوعات المرأة، ومعالجتها ضمن إطار اجتماعي عام. بينما هناك نوع آخر يحاول الموازنة بين الأمرين.

صورة الكاتب الإله عادت تعلن عن نفسها من جديد
صورة الكاتب الإله عادت تعلن عن نفسها من جديد

وتوضح الناقدة أن رواية المرأة في الكويت تحظى بمتابعة نقدية، حيث يتم التعامل مع منجزها محليا وعربيا بشكل جيد وبحسب التفات النقاد واهتمامهم. لكنها تشدد على أن القراءات الصحفية الأولى مجرد تغطيات لمجلات وصحف، ولكن الدراسات النقدية قليلة لأن الساحة النقدية في الخليج تعاني من قلة النقاد المتفرغين لمتابعة الأصوات الإبداعية وهذا ما يحتاجه الإبداع في الخليج العربي. يحتاج إلى دراسات نقدية تملأ الفراغ النقدي في المكتبة الخليجية.

وحول العلاقة بين الرواية والسياسة في ظل التوترات التي شهدتها وتشهدها المجتمعات العربية، تلفت العنزي إلى أن “الأحداث السياسية في العقد الماضي قامت بتشكيل الرواية العربية، بسبب أحداث الربيع العربي وسلسلة الشتات الكبيرة التي أصبحت معها البلدان العربية شواطئ لهجرات غير رسمية ومطارات توزع العرب إلى كافة الاتجاهات، بعد أن أصبح الإنسان العربي مجرد أرقام في قائمة المهاجرين المنفيين الذين يعيشون على التخوم، على هوامش المدن”.

وتضيف “تابعت الرواية العربية هذا التشظي في داخل الأوطان وخارجها، كما رصدت العنف الواقع على العربي وتراوحت هذه الأعمال بين الأعمال الإبداعية اللافتة وبين الأعمال التي اكتفت بالرصد والتسجيل. بشكل عام، لقد لعبت الأحداث السياسية دورا كبيرا في تراجع الخطاب الروائي العربي”.

وتؤكد أن “الرواية هي تلك النافذة البديلة التي تصوّر لنا حالة مجتمعاتنا في بقعة جغرافية متسارعة الأحداث تعيش صراعات محتدمة، وهنا يمكن القول إنه يحسب للرواية تجاوبها السريع مع الأحداث ومواكبتها لها. وقد تركت أعمالا لافتة في هذا المجال على قلتها. ولكن دعني أقول إنها نافذة من النوافذ البديلة، فالدراما العربية أيضا تأتي في الدرجة الثانية بعد فن الرواية في نقل الأحداث”.

الرواية الانعكاسية

الرواية العربية انعكاس لتفكير طبقات المجتمع، تعكس وتحلل وتفسر، وقلما تخلق نموذجا مختلفا وتقترح صورا جديدة
الرواية العربية انعكاس لتفكير طبقات المجتمع، تعكس وتحلل وتفسر، وقلما تخلق نموذجا مختلفا وتقترح صورا جديدة

بعد مرور قرن أو ما يقرب من ربع قرن على انطلاق الرواية العربية هل غيّرت الرواية العربية المجتمعات العربية وطريقة تفكيرها؟ سؤال يبدو للعنزي أنه قد ينطبق على المجتمع الغربي، تقول “لست متأكدة من أن العلاقة بين الرواية وتشكيل هوية المجتمعات العربية هي الإجابة الدقيقة. في الغرب، لعبت الرواية دورا مهما في تشكيل الهوية الفردية والاجتماعية، مثلا هناك دراسات عن تأثير روايات ديستوفسكي في تشكيل الهوية الاجتماعية الروسية، وطرحت إمكانية خلق شخصيات إنسانية جديدة طرحتها فرجينيا وولف في أعمالها”.

وتتابع “لأن القراءة جزء أصيل في الثقافة الغربية نجد هذا النوع من التفاعل مع الروائع الأدبية. بينما في المجتمعات العربية نجد إمكانية التغيير محدودة الأثر فقط تحدث عند قراء الرواية الحقيقية، لأن القراءة ليست سلوكا ثقافيا للأغلبية بل هي ممارسة نخبوية فقط. الأمر الثاني هو أن الرواية العربية تأخذ الطابع الانعكاسي، هي انعكاس لتفكير طبقات المجتمع، تعكس وتحلل وتفسر، وقلما تخلق نموذجا وتقترح صورا جديدة. باختصار، نحن نتعامل مع الثقافة كمسألة من الدرجة الثانية، بينما في الغرب هي حاجة أساسية في حياتهم”.

ما يهدد الرواية العربية اليوم ويجعلها في خطر، في رأي الناقدة الكويتية، ليس فقط انحسار المؤسسة النقدية أو طغيان الكم المنشور أو ظهور رواية البيست سلر، ولكن كما توضح العنزي أن كل هذه العوامل تعود إلى تراجع الثقافة في الوطن العربي بشكل عام، وتقول “أنا لا أعني هنا المشتغلين بالثقافة فهذا أمر آخر، بل أقصد قراء الأدب والنقد الذين تقلص عددهم بسبب حالة الإحباط العامة وعدم الإحساس بجدوى الفعل الثقافي، مع تزايد الدور التتفيهي الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي اليوم. وهذه الحالة من التراجع الثقافي جعلت المؤلفين يطمئنون ولا يعملون على تطوير خطابهم الروائي ويظنون أن أي شيء يقدمونه سيرضي ذائقة الجمهور. بعد هذا كله، فإن الرواية هي الفن الأكثر قابلية للنمو والازدهار في هذه الحقبة والفترة القادمة”.

حالة التراجع الثقافي جعلت المؤلفين يطمئنون ولا يعملون على تطوير خطابهم الروائي ويظنون أن أي شيء يقدمونه سيرضي ذائقة الجمهور

‏وتشير العنزي إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لها أثر كبير في نشر الأعمال الأدبية، ولاسيما الروايات المرتبطة بمواسم الجوائز الأدبية التي تخلق حركة من النقاشات الثرية، أوصلت لنا أسماء ومناقشات عقلانية لنجاح وسقوط بعض الأعمال. وأوصلت وسائل التواصل أصواتا كثيرة جعلتها تظهر إلى النور من دون سطوة الإعلام الرسمي شديد الهيمنة في السابق.

 في المقابل، تقر بأن وسائل التواصل خلقت جسورا قوية بين الكتاب وقرائهم وعادت صورة الكاتب الإله تعلن عن نفسها من جديد. وألهت الجماهير الروائيين، وجعلت من الصعب الاقتراب من سياج ممالكهم الإبداعية، مما أحدث انفصالا بين المؤلف والمؤسسة النقدية مكتفيا بسلطة حضوره الطاغية عند جمهوره، ومنغلقا على ذاته أكثر، من دون أدنى تفكير في عملية التطوير الذاتي.

وترى العنزي أن لدينا أزمة متعلقة بكثرة الأصوات الإبداعية مع ندرة في الأصوات النقدية التي تضع متابعة الإنتاج الأدبي في خططها وبرامجها الثقافية، إذ ليس كل النقاد في الوطن العربي منشغلين بمتابعة المشهد الثقافي لما لديهم من انشغالات معرفية خاصة. أما النقاد المنشغلون بالمشهد الإبداعي، فلديهم إشكالية في نوعية القراءات ومدى عمقها واختلافها.

وتضيف “نحن لسنا بحاجة إلى البحث عن وجود قراءات ولكن البحث عن وجود اختلاف في القراءات. ما يحدث عندنا هو تناغم كبير بين الأصوات النقدية وتمركز حول بئر نقدية واحدة من دون تجاوز، هذه البئر وما أقصده هو الدراسات البنيوية والسيميائية. النقد الأدبي والثقافي في الوطن العربي يحتاج إلى جرأة في مقاربة النصوص من دون تخوف من أي مراقبة اجتماعية وثقافية وسياسية، والجرأة على تقديم فكر الاختلاف، والنهل من الينابيع المعرفية المتنوعة”.

15