الرواية الفلسطينية تجاوزت حدود التوثيق إلى الفكر والجماليات

الرواية الفلسطينية تجاوزت هموم التوثيق وحفظ الذاكرة لتصبح أكثر مقاربة لتعقيد الوضع الفلسطيني السياسي والمجتمعي والثقافي.
السبت 2021/04/17
الفلسطينيون لهم روايات أخرى

رام الله - يخوض الفلسطيني حرب استعادة الذاكرة، واسترداد تاريخه التليد، فكان الملاذ في الأدب كحصن آمن للحفاظ على الهوية، وكانت الرواية أكثر الفنون رصدا لهذه الإشكالية الصراعية، فجعلت من فاجعة النكبة أحد المرتكزات الأساسية لها، وهو ما جعل الرواية بمثابة ذاكرة بديلة أو جغرافيا بديلة تحفظ الهويات من الاندثار، وأيضا تفضح “الهويات القاتلة” إذا استعرنا عنوان أمين معلوف.

وفي هذا الإطار يأتي كتاب “الرواية الفلسطينية من سنة 1948 حتى الحاضر” للباحث الفلسطيني بشير أبومنّة، ليتناول مسار الفن الروائي في فلسطين مند منتصف القرن العشرين إلى اليوم.

ويبين الباحث كيفية تأثير النكبة وما تبعها من تشرد وشتات في الرواية الفلسطينية، وكيف استجاب الروائيون الفلسطينيون لهذه الأزمة المهولة وتحولوا إلى صوت الشعب الفلسطيني وذاكرته وتطوروا من مجرد التأريخ أو المقاربات المباشرة المتحمسة إلى إثارة الأسئلة والمسكوت عنه.

وقد اشتغل المتن الروائي الفلسطيني، منذ احتلال فلسطين عام 1948، على إنجاز نص سردي متخيل ينطلق من نكبة فلسطين والأحداث المصاحبة لها، من عمليات تطهير عرقي وتهجير قسري وشتات دفع الفلسطينيين إلى جهات الأرض الأربع. وبغض النظر عن مستوى المدونة الروائية، الفلسطينية، وكذلك العربية، التي سعت إلى القبض على لحظة النكبة في الزمان والمكان، أو فيما يسميه ميخائيل باختين “الكرونوتوب الروائي”، فقد استطاعت الروايات العربية أو تلك التي كتبها فلسطينيون بلغات أخرى غير العربية، أن تقدم رواية مختلفة عن الرواية الصهيونية لاحتلال فلسطين وقيام الدولة العبرية.

ورغم أن الرواية كما هو معلوم ليست تاريخاً، لكنها سعت إلى تقديم رواية مغايرة، وإلى استعادة فلسطين عبر الكتابة عنها.

 واستخدمت الكتابة الروائية الكثير من المصادر التاريخية، وكتب الرحالة والوثائق والشهادات الشخصية للفلسطينيين الذين عاشوا قبل النكبة، والتجارب الشخصية للروائيين أنفسهم، من أجل بناء مادتها السردية التي تعمل من خلال التخييل وابتداع الشخصيات وتصوير الأحداث، على تركيب صور الحياة الفلسطينية التي انقطع تسلسلها وتدفّقها بفعل حدث النكبة.

معاناة الأجيال الفلسطينية من أثر النكبة، وتأثير هذا على الذاكرة الفردية والجمعية للشعب الفلسطيني سواء داخل الوطن أو في بلدان الشتات، وهو ما قوبل بحالة إنكار وعدم الاعتراف بها من قبل الجيل الأول، باعتبارها “حالة مؤقتة سرعان ما ستنتهي”، نجد آثاره راسخة في المتن الروائي الفلسطيني، لكن الرواية الفلسطينية تطورت في السنوات اللاحقة لتقدم خطابا مختلفا يتجاوز السياسي إلى الجمالي والفكري والتساؤل.

الرواية الفلسطينية تطورت في السنوات اللاحقة لتقدم خطابا مختلفا يتجاوز السياسي إلى الجمالي والفكري والتساؤل

وقد قدم الأدب الفلسطيني منذ النكبة العشرات من الروايات التوثيقية، لكن الرواية الفلسطينية تجاوزت هموم التوثيق وحفظ الذاكرة، لتصبح أكثر مقاربة لتعقيد الوضع الفلسطيني السياسي والمجتمعي والثقافي، الذي لا يمكن اختصاره بأزمة شتات ونكبة واحتلال فقط بل هو فيه تجليات أكثر تشابكا اليوم وتحتاج إلى مقاربات جديدة وهو ما انخرط فيه الكثير من الروائيين الفلسطينيين وسط جدل كبير خلقته أعمالهم.

ويحدد بشير أبومنة، عبر دراسته “مد الثورة الفلسطينية وجزرها”، الروابط بين الجماليات والسياسة في الرواية الفلسطينية، والتي تجمع بين التحليل التاريخي والقراءة النصية لبعض أهم أدباء الرواية الفلسطينية مثل جبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني وإميل حبيبي وسحر خليفة، للكشف عن رواية فلسطينية تدعو إلى نظرة إنسانية، وإلى التضحية بالنفس، سبيلاً للخلاص الجماعي والمصلحة المشتركة وتحقيق الذات.

ويبيّن الباحث أنه بعد المقاومة والآمال والفرص السياسية نرى اليوم التحلل الجماعي والفردي الذي يحتاج إلى خطاب روائي مختلف لمقاربته.

الخطاب الروائي الفلسطيني يقوم، عادة، على أساس التناقض بين “ما كان” في الوطن، و”ما هو كائن” من حقيقة معيشة في المنفى و”ما سيكون” عندما يتحقق حلم العودة. لكنه يتجاوز ذلك إلى كشف قضايا أخرى خاصة ما يتعلق بالهوية وبأجيال من الفلسطينيين الذين ولدوا وعاشوا في الشتات، ويحتاجون إلى نص مختلف عما كان سائدا في القرن العشرين، نص يعيد تقييم المسار ويحمي الهوية الآخذة في التآكل.

وتتطرق الدراسة إلى جان جينيه وإلياس خوري وأعمالهما الأدبية التي لا تضاهى، والمكرسة للثورة الفلسطينية. كما تسلط الضوء، عبر تحليلها الأدبي للرواية الفلسطينية وتطبيق نظريات جورج لوكاتش وتيودور أدورنو وأدب ما بعد الاستعمار، على قضايا النضال والكفاح وتقرير المصير.

ونذكر أن هذه الدراسة صدرت، أول ما صدرت، باللغة الإنجليزية سنة 2016 وكانت الأولى من نوعها في تلك اللغة. وهي تهدف إلى رسم خارطة تطور الرواية الفلسطينية في المنفى وتحت الاحتلال، من سنة 1948 حتى أوسلو.

وقد صدرت حديثاً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بترجمة مصعب حياتلي.

ويشغل بشير أبومنّة منصب محاضر في أدب ما بعد الاستعمار ومدير مركز الدراسات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية في جامعة كنت في بريطانيا.

13