الرواية الفلسطينية جغرافيا بديلة

في مؤلفها الجديد تقف الناقدة نهلة راحيل عند رواية الكاتب ربعي المدهون "مصائر كونشرتو الهولوكست والنكبة" للتأكيد على قيم الفن ورسائله في اكتشاف بدائل لصيغ التعايش.
السبت 2020/03/21
شخصيات ممزقة بين العودة والشتات (لوحة للفنان سمير الصفدي)

الأرض بالنسبة للفلسطينيين ليست المأوى فقط، بل هي الهوية والذاكرة، ومن ثم صار التشبث بالأرض رديفا للتمسك بالهوية، والحفاظ على الذاكرة الجمعية من الاندثار، والتي يراها ميشيل فوكو “توجد في العالم، أكثر من كونها موجودة في رؤوس البشر” فلا ذاكرة من دون جماعة. وقد عبرت الأدبيات الفلسطينية عن هذا المنحى باقتدار شديد.

يخوض الفلسطيني حرب استعادة الذاكرة، واسترداد تاريخه التليد، الذي تسعى الآليات الصهيونية الحربية والإعلامية معا إلى طمسه، وتحريفه.

ومن ثم كان الملاذ في الأدب كحصن آمن للحفاظ على الهوية، وكانت الرواية أكثر الفنون رصدا لهذه الإشكالية الصراعية، فجعلت من فاجعة النكبة أحد المرتكزات الأساسية لها، وهو ما جعل الرواية بمثابة ذاكرة بديلة أو جغرافيا بديلة تحفظ الهويات من الاندثار، وأيضا تفضح “الهويات القاتلة” إذا استعرنا عنوان أمين معلوف.

الذاكرة البديلة

تتسم كتابات الدكتورة نهلة راحيل أستاذة الأدب المقارن بكلية الألسن جامعة عين شمس، الفائزة مؤخرا بجائزة إحسان عبدالقدوس في النقد – بصفة عامة – بأنها ذات طبيعة خاصة، أولا؛ لأنها تأتي متسلحة بمعرفة علمية ودراية بطبيعة كتابات الآخر، بحكم تخصصها الدقيق، كأستاذة للأدب العبري، وثانيا؛ بأدواتها النقدية المنهجية، ولغتها المنضبطة، وهذا واضح منذ كتابها الأول “النكبة والنازية في رواية الأجيال العربية والعبرية، من خلال دراسة نقدية مقارنة لروايتي الطنطورية لرضوى عاشور، وكتاب الفراق الكبير لشوشي براينر”.

كما سعت من خلال كتاباتها على تعددها، نقدا وترجمة، إلى تفكيك هذه العلاقة الإشكالية، وفضح كافة الممارسات العدوانية، وفي المقابل بيان أشكال المقاومة التي تبنتها الشخصيات الروائية، حتى ولو أظهر هذا انسداد أفق المقاومة، والتعلق بآخر ضوء في النفق من أجل المحافظة على الماضي.

نهلة راحيل تبرز في كتابها معاناة الأجيال الفلسطينية من أثر النكبة
نهلة راحيل تبرز في كتابها معاناة الأجيال الفلسطينية من أثر النكبة

لم تدخر الدكتورة راحيل جهدا لاستقراء هذه العلاقة، فواصلت مشروعها لقراءة الأعمال العربية بغية الوقوف على تأثيرات النكبة، في الرواية وكيف تعامل معها الروائيون وهم يرصدون تأثيرها الفادح على عمليات تخريب وتشويه الذاكرة الفلسطينية، ومن ثم جاء كتابها الثاني الصادر مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان “الذاكرة الجمعية الفلسطينية: دراسة في رواية مصائر كونشرتو الهولوكست والنكبة، لربعي المدهون” ليقدم دراسة تحليلية عن النكبة وتأثيرها على الفلسطينيين كما صورها المتخيل الروائي.

في الحقيقة أطروحات راحيل تؤسس لكتابة نقدية كاشفة لجرائم الصهيونية المتعلقة بطبوغرافية المكان، كما أنها متزنة تجمع بين الوعي المعرفي (من مصادرها) بطبيعة الإشكالية والوعي النقدي، ومن ثم فهي لا تقدم موضوعاتها بناء على رؤية أحادية، أو حتى موقف انفعالي، بل تشتغل في المقام الأول بقراءة الصورة متكاملة، حتى ولو لم تظهر المقارنة بشكل مباشر فإنها حاضرة بين ثنايا المتن، وهي تقرأ النصوص العربية، أو من خلال الإحالات إلى تردداتنا في مرويات الآخر، التي تتناول إشكالية الصراع العربي الصهيوني من وجهة نظر متحيزة إلى حد التطرف، ومع الأسف لا نعرف عنها شيئا.

في مؤلفها الجديد تقف الناقدة عند رواية الكاتب الفلسطيني المهاجر، ربعي المدهون “مصائر كونشرتو الهولوكست والنكبة” في محاولة للتأكيد على قيم الفن، ورسائله في اكتشاف بدائل لصيغ التعايش والوفاق، ما دامت الحلول السياسية غير ناجعة. وهو اختيار ينم عن تفهم لمسارات الأزمة ودقة في الاختيار، فالرواية أشبه بوثيقة مهمة أو شهادة عن مآل من بقي عقب النكبة، ومن هجروا، مع تقاسمهم الشعور بالاغتراب، هذا من جانب، ومن جانب آخر بما تطرحه الرواية من صيغة للتعايش (المحتمل) بين الجانبين، ومن ثم تتجاوز الرواية روايات خطب الود اليهودي، إلى محاولة إقرار صيغة للمعايشة تنحي الصراع القديم وتطمس ميراثا طويلا من الدم المهدر.

وهو الأمر الذي يضع علامات استفهام حول هذه الرؤى، التي انتهجها ودعا إليها الكثير من الكتاب مؤخرا، فهل هذا مرده إلى الإقرار بصعوبة التمسك بمطالب من ضحوا من أجل استرداد الأرض، أم أنه اعتراف بخذلان الجميع للقضية، ففضلوا التعايش بديلا عن المنافي، خوفا من تكرار مصير من هجروا، فصار حق العودة أشبه بمستحيل رابع يضاف إلى المستحيلات الثلاثة في الثقافة الشعبية؟ الغريب أن فكرة التعايش هي فكرة صهيونية في الأساس، حيث تعالت بعض الأصوات داخل إسرائيل تنادي كما تقول المؤلفة “بمساواة طرد العرب من فلسطين بطرد اليهود، أثناء أحداث النازية، واعتبار ذلك نكبة مشتركة”، والهدف من تسويق هذه الفكرة هو الحصول على اعتراف متبادل بمأساة شعبين، على نحو ما عبر محمود درويش من قبل “ضحية قتلت ضحيتها”، أو ما حمله استهجان إدوارد سعيد من “عدم تخطيط أحدهما لمستقبله دون الآخر”، وهذا الاعتراف الذي تسرب في الأدبيات العربية، هو ما يطمح لأن يقود إلى المصالحة في النهاية.

قنوات تنشيط الذاكرة

 شهادة مهمة عن مآل من بقي عقب النكبة
 شهادة مهمة عن مآل من بقي عقب النكبة

الكتاب بما يحمله من قضايا فكرية طرحتها الرواية قابلة للنقاش، وأبرزتها المؤلفة بدأب ودقة، يتوزع على قسمين وتوطئة، تطرقت في القسم الأول إلى “تمظهرات الذاكرة الجمعية في الرواية، وفيه تنصت المؤلفة بوعي شديد، إلى المقولات النقدية وتسعى للاستفادة منها تطبيقا على النص، دون مغالاة. فتأتي التمثيلات غير منعزلة عن روح النص، ورسائله المشفرة والصريحة أيضا.

وهذا يظهر واضحا في جانبين الأول؛ عبر التوطئة المقتضبة التي قدمت بها للكتاب، حيث عقدت مقارنة بين النكبة والهولوكوست، في محاولة لاستقراء مفهوم النكبة في الوعي العربي، وما خلفته من قضايا انعكست بأبعادها المختلفة على الأدبيات الفلسطينية، وبالمثل مفهوم الهولوكوست وتأثيراته في تشكيل العقلية الإسرائيلية، حيث سعى من عاشوا في تجربة الاضطهاد النازي لإذكاء نيران هذه الفترة، واستحضارها كلما فتر الحماس.

وهو – كما تقول راحيل – ما لم تستغله الجماعة الفلسطينية على الوجه الأمثل في تصدير مأساتهم كنكبة توازي ما تعرض له اليهود من الأوروبيين، خاصة أن اليهود امتثلوا لظاهرة “التوحد في المعتدي” فصار اليهودي نازيا له ضحاياه يقتل بدلا من أن يقتل، وهو ما يمثل الفارق بين كتابتهم وكتابتنا، فصورة العرب في مروياتهم لم تخل من هذه الصورة التي جعلته مشوها أشبه بالنازي، الذي يسعى إلى وضع اليهود في محرقة جديدة، فالعربي في نظره “ممثل للشر المجرد”.

والجانب الثاني تمثل في سعيها لاستظهار آليات المقاومة التي لجأ إليها الفلسطيني، كنوع من التصدي لمحاولات التجريف العمدي للتاريخ والذاكرة، باللجوء إلى “الذاكرة المستعارة” كما يعرفها موريس هالبواش بأنها “المخزون من الذكريات التاريخية، التي تتمثل بمفاهيم ورموز تظهر بهيئة شعبية”.

فقامت بالربط بين حالتي المحو والتثبت، من خلال التركيز على التقنيات الفنية التي أبرزتها الرواية كحيل فنية لتنشيط الذاكرة، أو صنع ذاكرة بديلة، كما تجلى في مبحث “طرائق تشكيل الذاكرة الجمعية في الرواية”، كتقنيات توظيف التناص والرموز الأدبية الفلسطينية، في توجيه الشعب، ودعم صموده وتعزيز وحدته، وأيضا بتدبيح النص بالمخزون الجمعي الفلسطيني من أغان وعادات وأمثال، ومفردات يومية، وغيرها. أو عبر إحياء المكان القديم، تخيليا، وإبراز جمالياته، وهو ما يدخل في فكرة المقاومة، فاستعادة الماضي يأتي كنوع من الرفض لسياسة الاجتثاث والاقتلاع التي تمارسها الصهيونية، كانتقام من الهولوكوست النازي.

تبرز المؤلفة معاناة الأجيال الفلسطينية من أثر النكبة، وتأثير هذا على الذاكرة الفردية والجمعية للشعب الفلسطيني سواء داخل الوطن أو في بلدان الشتات، وهو ما قوبل بحالة إنكار وعدم الاعتراف بها من قبل الجيل الأول، باعتبارها “حالة مؤقتة سرعان ما ستنتهي”، كما ركزت على القنوات التي يتم من خلالها تنشيط أو انتقال الذاكرة الجمعية لدى الفلسطينيين، وهو ما يتم بطريقة غير إرادية من خلال محافظة الآباء على بعض عاداتهم وتقاليدهم، وبتمسكهم بلهجتهم الفلسطينية الخالصة، بالإضافة إلى الرواية الشفهية، كما تعول كثيرا على استعادة المكان، واجترار تفاصيله من الذاكرة، في إعادة تأسيس الهوية والتاريخ.

رواية ربعي المدهون جسدت الذاكرة الجمعية، عبر حكايات تتضافر لتشكل المحكية الكبرى للألم الفلسطيني

كما تشير إلى أن الخطاب الروائي هنا يقوم، عادة، على أساس التناقض بين “ما كان” في الوطن، و”ما هو كائن” من حقيقة معيشة في المنفى و”ما سيكون” عندما يتحقق حلم العودة. وقد كشفت أن مروية المدهون جسدت مكونات الذاكرة الجمعية، عبر حكايات متصلة – منفصلة تتضافر جميعها لتشكل المحكية الكبرى للألم الفلسطيني الراسخ في الذاكرة، عبر تجارب شخصياته الممزقة بين العودة إلى الوطن المحتل، أو البقاء في بلدان الشتات، وإن انتهى بالشعور بالاغتراب في الحالتين.

وقد وعت الأجيال الأولى محاولات محو ذاكرة الأجيال الفلسطينية، وطمس هويتها الذاتية والقومية والتاريخية بمرور الزمن، لذا لجأت إلى استعادة جذورها التاريخية، ونقلها بكل أبعادها إلى الأجيال التالية للنكبة، لتثبت أول ما تثبت لنفسها وللأجيال الجديدة، أن هذه الأجيال إن فقدت الأرض بفعل عوامل ليست بيدها، إلا أنها لم تفقد الذاكرة، على الرغم من كل محاولات إبادة الوعي التاريخي.

15