الرواية اللقيطة

رواية "زبيبة والملك" التي نسبت "لكاتبها" المجهول، قد نسبت إلى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ولكنّ ذلك لم ينفِ عنها صفتها كرواية لقيطة لكاتب لم يرد الكشف عن هويته.
الاثنين 2018/04/02
روايات إيلينا فيرانتي المجهولة شغلت إيطاليا

ما الذي يدفع كاتبا أمضى أوقاتا طويلة في الإعداد لروايته ونسج عوالمها إلى نشرها غفلا من اسمه؟ لماذا يلجأ إلى حجب اسمه ونشرها باسم مستعار، أو من دون اسم أحيانا؟ هل هو الخوف من النجاح؟ من الفشل؟ من الشهرة؟ من مواجهة القرّاء بشخصيته الحقيقيّة؟ هل هو تهرّب من المواقف التي يبثّها في نصّه؟ أم غير ذلك ممّا يحتجب عن القارئ والدارس؟

لا يخفى أنّ الروائيّ الذي يقضي ساعات في حبك تفاصيل عمله، ويعايش شخصياته، يتحلّى بجرأة تصل حدود المجازفة والمغامرة لتنسيب روايته إلى مجهول، وإخفاء هويّته واسمه، وعدم البحث عن أيّ مجد مأمول من وراء ما كتبه، وكأنّ الرسالة المراد إيصالها هنا هي أهمّ بالنسبة إليه من هويّته واسمه، أو كأنّه يصبو إلى مستقبل لفكرته التي ينسج نصّه حولها. العمل ورسائله التي يحملها يتصدران اهتمام صاحبه ويطغيان على هويته واسمه.

تختلف الرواية التي يمكن وصفها باللقيطة عن تلك التي يكتبها كاتب شبح لآخر ينشره باسمه، ويتقاضى الكاتب الحقيقيّ الذي يخفي هويته أتعابه المتّفق عليها، ويكون كأيّ تاجر يبيع بضاعة تصبح تابعة لآخر دفع ثمنها، وهنا هي تجارة البؤس والفساد والارتزاق، بعيدا عن أيّ إدانة أو محاكمة أو تجن.

الرواية اللقيطة تنسب لاسم مخترع، يتخفّى الكاتب الحقيقيّ خلفه، ولا يصرّح عنه، يبقيه قناعه المظلم، أو الحامي بمعنى ما، ذلك أنّه يكفل له الكتابة بحرّية مطلقة من دون إيلاء أيّ اهتمام لأيّ مساءلة محتملة عمّا يحمله عمله من شيفرات، وحتّى ما يمكن أن يشتمل عليه من مثالب. يتخفّف صاحب الرواية اللقيطة من أعباء الدفاع عنها، يلقي بها بعيدا عنه وكأنّها إثم، أو كأنّها قضية مثيرة للشبهات.

ربّما يحمل الأمر جانبا آخر، بحيث يرغب الكاتب الحقيقيّ المختبئ وراء قناع الاسم المجهول بإفساح المجال لعمله للتقدّم والانتشار بعيدا عن أيّ علاقات أو محسوبيّات تسود في الأوساط الثقافيّة، وكي يرسم عمله مساره المفترض بعيدا عمّا يثقله أو يشغل القرّاء عنه. كما قد يكون في هذا الاختيار جانب تسويقيّ، وتشويقيّ أيضا، بحيث يبحث القرّاء والكتاب الآخرون عن اسم الكاتب الحقيقيّ، الذي قد يكشف عنه لاحقا في انتظار التقاط ثمار نجاح مسبق.

هناك في تاريخ الأدب حالات من إصدار نصوص منسوبة لأسماء مستعارة، وقد يعلن أصحابها عن هويّاتهم الحقيقيّة أو يبقونها طيّ الكتمان، مثلا، راجت مؤخّرا روايات إيطالية حظيت بشهرة كبيرة؛ “صديقتي المذهلة”، تنسب لكاتبة إيطالية اسمها إيلينا فيرانتي، ويقال إنّ ناشرها فقط يعرف هويّتها الحقيقيّة، ولا أحد آخر، برغم أن التخمينات تنشط للبحث عنها في نابولي ومحيطها، وبعض الأماكن الإيطالية التي تصوّرها في رواياتها.

وفي العالم العربيّ صدرت عن دار الجمل سنة 2003 رواية “عالم صدام حسين” باسم مهدي حيدر، وصاحب هذا الاسم غير معروف، ولم يصرّح الناشر خالد المعالي بعد عنه، على الرغم من إشارات تلمّح إلى روائيّين عراقيّين وآخرين عرب محتملين.. وكانت رواية “زبيبة والملك” التي نسبت “لكاتبها” المجهول، قد نسبت إلى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ولكنّ ذلك لم ينفِ عنها صفتها كرواية لقيطة لكاتب لم يرد الكشف عن هويته.

15