الرواية المتمردة والخيال الكفيف

الاثنين 2017/01/09

هناك مَن يجد حياته أكثر ثراء من عالم الروايات وخيال الروائيّين فينكبّ على تدوين يومياته وتسجيلها كفصول روائية، ومن ثم يتعاظم لديه الوهم بأنّ تلك الحياة تليق بأبطال الروايات وأنّ عليه وضع لمساته الفنّيّة على تلك اليوميات لتتحوّل بطريقة درامية إلى رواية الواقع، وتنقله من ضفة المغامر الحياتيّ إلى الروائيّ المغامر الذي يقوم بتجريب الأساليب وتنويعها وتحطيم الأنماط السردية وغير ذلك من المقولات التي يقنّع بها قلّة خبرته انعدام حيلته الروائيّة ووسيلته الفنّيّة ونضوب خياله وعجزه عن تدبيج حياة روائية مستقلّة، قد تستلهم من الواقع لكنّها تحلّق في فضائها الخاصّ بها.

نشطت رواية السيرة الذاتية، تلك التي يوثق فيها صاحبها مراحل من حياته ويضعها في قالب روائي، تمزج بين يومياته وأفكاره وأحلامه ومتابعاته، وتفتح الباب أمام السجال عن الخيال الروائيّ ومدى تماسّه مع الواقع، أو نهله منه، واتّكائه عليه بنسبة ما أو نقله بصيغته التي لا تخلو من صدامية وفجاجة في بعض الأحيان، ثم ممارسة نوع من التعرية بحق الذات والآخر لإسباغ نوع من الإنصاف أو المصداقية على الأحداث والتفاصيل.

ظهرت إعلانات من الكثير من الكتّاب الفيسبوكيّين عن نيّتهم نشر أعمالهم الروائيّة القادمة والمأمولة في أقرب وقت ممكن، ويحفّزهم على ذلك ما يمكن أن يلاقوه بعد النشر من تعريف أو إسباغ صفات بعينها عليهم، أو رغبة منهم في حصد الجوائز وثمارها والتنعّم بالمال المحلوم به والشهرة المأمولة التي ستكفل لهم فتح أبواب الكنوز، وذلك من دون التركيز على العمل الروائيّ نفسه بعيداً عن الهالة الدعائيّة المضلّلة التي قد تعمي كثيرين ممّن ينساقون وراءها وينسون جوهر القضية المتمثّل في الوفاء للفنّ الروائيّ وإعطائه حقّه من الجهد والمتابعة والتركيز ليفرض حضوره بعيداً عن أيّ علاقات أو محسوبيّات أو أوهام.

قد يمهّد الأمر لظهور روائيّين لا يفقهون في فنّ الرواية شيئاً، لم يطّلعوا على أيّ تراث روائيّ شرقيّ أو غربيّ، ولم يسمعوا بأعلام في عالم الرواية، ولا غرابة أن يعدّوا أنفسهم بعد فترة جيل الرواية الثائر المتمرّد القاطع مع الماضي، أي مع ذاك الإرث الذي لم يتعمّقوا فيه ولا كشفوا كنوزه وثراءه وعظمته.

أن تخوض تجربة موت في البحر، أو تخوض مغامرة اللجوء بطريقة تقترب من الانتحار، أو تلجأ إلى أسلوب المجازف للحظوة بنجاة منشودة، لا يعني أنّك أصبحت روائيّاً مغامراً، ولا يعني أنّك ملكت مفاتيح الفنّ الروائيّ ولا أساليب التجريب والتنويع والتغيير فيه، والجرأة الحياتيّة لا تكفل لك جرأة روائيّة، فالرواية عالم الخيال والواقع والفكر، وهي تكامل التفاصيل، أو ما يمكن وصفه “كمال الاختلاف” أو جمال التنوّع، ولا تستقيم هندسة هذا العالم الرحب الشاسع انطلاقاً من تجارب شخصيّة فقط، أو مغامرات حياتيّة جنونيّة.

كاتب من سوريا

15