الرواية المغربية من مخاض البدايات إلى بوديوم الجوائز

استمرارُ البنية الأدبية التقليدية وغيابُ الكتابة الروائية داخلها يشكّلَ امتدادا لسياق سوسيوثقافي عام، تكمنُ أهم سماته في طبيعة التركيبة الاجتماعية التقليدية.
السبت 2019/07/27
للكنابة أن تتحرر

قبل أن تستطيع الرواية المغربية، سواء المكتوبة منها باللغة العربية أو الفرنسية أو بلغات أخرى، حجز مكان فسيح لها على بوديوم الجوائز العربية والدولية الرفيعة، كان عليها أن تعيش مخاضا عسيرا. إذ سينتظر المغاربة بداية الأربعينات لكي ينتجوا عملهم الروائي الأول، وهو نص “الزاوية” للروائي التهامي الوزاني. بينما لن يتجاوز مجمل الإنتاج الروائي خلال القرن العشرين بكامله الثلاثمئة عنوان.

وارتبط تأخرُ ظهور الرواية المغربية بطبيعة البنية الأدبية التقليدية السائدة، باعتبارها محددا لطبيعة الإنتاج ولحدود آفاق تلقيه. واتسمت هذه البنية، من جهة، باستمرار هيمنة الكتابة الشعرية باعتبارها جنسا أدبيا يستند إلى تاريخ عريق، وإلى وظائفه النضالية، والترفيهية أحيانا، ومن جهة أخرى باستمرارِ حضور أنواع أدبية نثرية تقليدية، تجلت أساسا في أدب الرحلة. ولعل من أهم نماذجه، خلال المرحلة،  كتاب “الرحلة المراكشية” لمحمد بن محمد الموقت المراكشي، و“الرحلة الثانية” لأحمد الصبيحي السلوي.

وشكّلَ استمرارُ البنية الأدبية التقليدية، وغيابُ الكتابة الروائية داخلها، امتدادا لسياق سوسيوثقافي عام، تكمنُ أهم سماته في طبيعة التركيبة الاجتماعية التقليدية، وذلك اعتبارا لخصوصية الرواية كجنس أدبي تترابط شروطُ ظهوره، بشكل عام، بالانشغالات الثقافية والفكرية للفئات البرجوازية.

وفي مقابل ذلك، سيمثل نشرُ الأعمال الروائية الأربعة خلال مرحلة الحماية، وهي “الزاوية” و“سليل الثقلين” للتهامي الوزاني، و”وزير غرناطة” لعبدالهادي بوطالب، و“رواد المجهول” لأحمد عبدالسلام البقالي، خارج الاعتبار الكمي، عتبةً أساسية في إطار مسار ظهور الرواية المغربية. وشكل هذا الظهورُ امتدادا لمجموعة من التحولات الثقافية التي ساهمت في نسج الفضاء العام الملائم لتحقق شروط ظهور الرواية بالمغرب.

فنون الرواية
فنون الرواية

وتكمن هذه الشروط في مسار التحول القائم على الانتقال من الأنواع السردية التقليدية، والمتجلية أساسا في المقامة وأدب الرحلات، إلى الكتابة القصصية. وشكّل ظهور الكتابات القصصية، في هذا السياق، والمتجلية على سبيل المثال، في المجموعة القصصية “وادي الدماء” لعبدالمجيد بنجلون، عتبةً أساسية لانبثاق الرواية بالمغرب. وذلك اعتبارا من جهة، لتداخل جانب من مكونات جنسي القصة والرواية الأدبية بحكم انتمائهما للكتابة السردية عموما، ووضع القصة القصيرة كمشروع لرواية مُفترَضة، ومن جهة أخرى، لترابط جانب من شروط نشأتهما بالمغرب.

وتكمن امتدادات هذا الترابط، في البحث عن أدبيَّة جديدة تتجاوز من حيث مكوناها اللغوي والثيماتي، تجليات سيادة الممارسة الأدبية التقليدية، وذلك، مع احتفاظ الكتابتين، القصصية والروائية، بهامش اختلافهما من حيث تمثل هذه الممارسة وطرائق توظيف مكوناتها، كما يرى عبدالكبير الخطيبي في مؤلفه الشهير “في التجربة والكتابة

كما تتجلى علاماتُ الترابط نفسه، في إسهام جانب من كُتّاب القصة على مستوى تأثيث بدايات الرواية المغربية. وتم ذلك، من خلال “الالتباس” على مستوى تمثل وتجسيد الحدود المفترضة بين الجنسين، حيث أعاد، على سبيل المثال، أحمد عبدالسلام البقالي نشر روايته “رواد المجهول” الصادرة خلال الخمسينات، ضمن مجموعته القصصية “قصص من المغرب”. كما واظب عبدالعزيز بن عبدالله، كما يشير إلى ذلك أحمد المديني في كتابه “فن القصة القصيرة بالمغرب”، على استعمال مصطلحات “قصص”، و“قالب روائي”، و“رواية”، في إطار تقديمه لمجموعته القصصية “شقراء الريف”.

كما تم نفس الأمر من خلال الانتقال من الكتابة القصصية إلى الكتابة الروائية، ولعل من علامات ذلك صدور روايات لعدد من كتاب القصة، ويتعلق الأمر بروايات “في الطفولة” لعبدالمجيد بنجلون، و“رواد المجهول” لأحمد عبدالسلام البقالي، و“سبعة أبواب” لعبدالكريم غلاب، و“جيل الظمأ” لمحمد عزيز الحبابي.

وبالتزامن مع هذه الاعتبارات، فتح التطورُ النسبي على مستوى إمكانيات التواصل وانبثاقُ جيل جديد تلقى تعليمه بالمؤسسات التعليمية الحديثة، هامشا للإطلاع على النماذج الروائية المشرقية، والغربية من جهة، ومن جهة أخرى، للتلقي المفترَض للأعمال الروائية المغربية المكتوبة باللغة الفرنسية. ولعل من أهمها “فسيفساء باهتة” لعبدالقادر الشاط، وهو أول عمل مغربي يصدر باللغة الفرنسية، و“الماضي البسيط” لإدريس الشرايبي، و“صندوق العجائب” لأحمد الصفريوي.

هجرة إلى الرواية
هجرة إلى الرواية

وساهم هذا التلقي في تأثيث مسار ظهور وتكون الرواية المغربية، وذلك من خلال فتحها مسالك أخرى لتمثل مغاير للكتابة الروائية. وذلك بمعزل عن احتفاظ الأعمال المغربية المكتوبة باللغة الفرنسية بأسئلتها وانشغالاتها اللغوية والتيماتية الخاصة، وبتوجهها للقارئ الفرنسي أساسا، ثم بمحدودية علاقاتها مع المكونات الثقافية المغربية الأخرى. ولعله الأمر الذي يعكسه بشكل دال ما أقر به عبدالله العروي: “..أما ما يتعلق بإدريس الشرايبي، فلم أقرأ له إلا الكتاب الأول (يقصد ‘الماضي البسيط’)، وأنا طالب في فرنسا، في العام 1955. وكنت آنذاك بعيدا عن التعبير الأدبي، إنما أذكر للتاريخ فقط بأن رد فعل النخبة المغربية آنذاك كان عنيفا ضده، لأنها كانت تنظر إليه كمحاولة لتثبيط الحركة الوطنية. وكمجموعة من الطلبة الوطنيين آنذاك، قرأنا الكتاب بنفور شديد، ولم نر فيه أبدا أنه تعبير صحيح عن الواقع المغربي. يمكن أن نكون مخطئين، ولكن هذا هو الواقع”.

وفي نفس السياق، ساهمت التحولات الاجتماعية التي طبعت فترة منتصف الأربعينات والمُزامنة لنهاية الحرب العالمية الثانية، في خلق شروط ظهور الرواية المغربية.

وانسجاما مع ذلك، ساهم ظهور الرواية في إعادة إنتاج جانب من هذه البنية، وذلك وفق حدود تَفرضُها شروط البداية، وطبيعةُ “البرجوازية” المغربية، التي ظلت تفتقد مشروعا ثقافيا وإبداعيا حقيقيا، اعتبارا لعدم انسجام مكوناتها، بحكم الانتماء الوطني لجزء منها وتداخل مصالح جزئها الآخر مع مصالح البرجوازية الاستعمارية، وذلك بشكل يجعل الربطَ النهائي والحاسم بين ظهورها وبداية الرواية المغربية نوعا من الإسقاط.

وخارج هذه الاعتبارات، شكَّلت مجموعة من أعمال البدايات الروائية علامات دالة داخل مسار الرواية المغربية، بشكل يجعلُ، العودةَ إلى نصوص، كنصي “الزاوية”، و“سليل الثقلين” للتهامي الوزاني الصادرين في مرحلة مبكرةٍ، بالمقارنة مع الأعمال الأخرى، نوعاً من الاكتشاف الأدبي، وبشكل يجعل الوقوفَ عند لحظة البداية من حيث جانبها الكمي قراءةً غير منصفة.

15